قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Friday, October 2, 2009

مذبحة حديثة لا معركة حديثة



spc



لماذا أتكلم عن هذا الفيلم الآن بعد عامين من عرضه؟ لأنني لم أره إلا مؤخرًا، ولأن القضية التي يناقشها ما زالت ساخنة، ولأنه يحكي قصة حقيقية، ولأنني لم أنم منذ أسابيع بسببه

في 19 نوفمبر عام 2005 إثر انفجار لغم على جانب الطريق في سيارة مصفحة، قام عدد من جنود المارينز -الذين جنّ جنونهم- بقتل 24 مدنيًا أعزل في مذبحة حقيقية. هذا هو موضوع فيلم (معركة حديثة) الذي قدمه المخرج البريطاني (نيك برومفيلد) عام 2007، وأحدث دويًا في أوروبا، لكن الولايات المتحدة لم تعرضه بالطبع

مدينة (حديثة) هي مدينة تقع في غرب العراق ضمن محافظة الأنبار، وعلى ضفة نهر الفرات. وهي ذات سمعة سيئة بالنسبة للأمريكان فيما يتعلق بالمقاومة. في هذه المدينة تقع أحداث الفيلم، وبأسلوب سريع لاهث وكاميرا محمولة غالبًا تعطيك انطباع الأفلام الوثائقية، حتى أنك تصدق بصعوبة أن هذا تمثيل.. كل شيء حقيقي وتشعر بأنه مأخوذ من نشرة أخبار

يدور الفيلم حول ثلاثة محاور

المحور الأول: محور جنود المارينز الذين يقدمهم الفيلم بصورة مستفزة للأمريكيين فعلاً. مجموعة من الشباب (الصايع) البذيء.. موسيقى روك صاخبة وشتائم لا تتوقف لحظة واحدة، ومع التترات نسمع رأي كل واحد منهم في الحرب: الحرب نوع من لذة الصيد.. ثم التشبيه الصادم للكوربورال (راميريز) الذي لا أستطيع ذكره هنا. مهمة المجموعة تدمير المقاومة في (حديثة) التي قُتل فيها خمسون من رجالهم من قبل. وكل هذا بسبب الـ
IED
 التي يزرعها رجال المقاومة على جانب الطريق. الـ
IED
 هي الحروف الأولى من عبارة (أداة متفجرة مرتجلة). إن المارينز يتلقون طيلة الوقت دروسًا في الحقد والكراهية.. لا تتركوا امرأة حية فلربما قتلنا زوجها وقد لغمت نفسها لتنفجر فينا.. لا تتركوا طفلاً فلربما لغّمته أمه.. هؤلاء القوم يعتقدون أنهم إذا انفجروا فينا ذهبوا للجنة فورًا

المحور الثاني: الأسرة العراقية الوادعة الفقيرة التي تتأهب لحفل طهور طفلها. الأم الفخور التي تلعب دورها بحساسية بالغة الممثلة الأمريكية العربية (ياسمين حناني)، والزوج والجدة والجد الذي يقضي اليوم متربعًا على بساط في غرفته، يقرأ القرآن ويشرب الشاي. إنهم فقراء لكن سعداء، ويريدون بأي شكل تجنب طرفي القتال واجتياز هذا النفق الشائك بسلام

المحور الثالث: ضابط الجيش المسن الذي تم تسريحه (أحمد) الذي يؤدي دوره بكفاءة الممثل (فلاح إبراهيم) وابنه الذي يعمل بنادي فيديو. (أحمد) يكسب رزقه عن طريق زرع القنابل لحساب تنظيم القاعدة. إنه ليس منهم وليس متدينًا على الإطلاق، لهذا يعطر فمه قبل لقاء مندوب القاعدة حتى لا يشم رائحة الخمر في فمه، وهو يؤمن أن رجال القاعدة أخطر مجانين يمكن التعامل معهم، لكنه كذلك يكره الأمريكان جدًا فهم الذين جعلوه عاطلاً. يتسلم من رجل القاعدة قنبلة ويعرف طريقة زرعها وربطها بالهاتف الجوال.. عندما يطلب رقمًا معينًا تنفجر العبوة، وهكذا يدخل إلى (حديثة) مع ابنه، ويقومان بحفر الأسفلت لزرع العبوة، ثم يستوليان على بناية يطردان منها أهلها، ويقبعان على السطح ينتظران العربات الأمريكية

هنا نكتشف الورطة الرهيبة التي يعيشها المدنيون في العراق.. كل طفل يعرف أن القاعدة زرعت عبوة هنا، ولكن أية أسرة لا تجرؤ على الإبلاغ حتى لا تفتك بها القاعدة. في الوقت ذاته هم يعرفون أن الأمريكان سينتقمون من كل من يعيش في المنطقة، وهكذا يكون الحل الوحيد لمعظم الأسر هو ترك بيوتها، لكن هذا الحل ببساطة مستحيل بالنسبة للأسرة التي تنوي عمل حفل طهور. هكذا تنتظر الأسرة ما سيحدث في قلق

الآن تتلاقى المحاور كلها، عندما تدنو السيارات الأمريكية التي يقودها الكوربورال راميريز.. تنفجر العبوة فتطير سيارة هامر في الهواء، ويتمزق جسد أمريكي إلى نصفين بينما يجرح ثلاثة، ويفر (أحمد) مع ابنه وهو يحمد الله على هذه الإصابة المباشرة
يجن جنون الأمريكان عندما يرون أشلاء أصدقائهم، وينطلقون ليقتلوا كل ما يتحرك.. يعدمون كل ركاب سيارة تقل مجموعة من الشباب، ثم يقتحمون البيت الذي أقيم فيه حفل الطهور ليلقوا بقنابلهم في كل غرفة، ويفرغوا بنادقهم في الأسرة كلها. يسقط الجد مضرجًا بدمه فوق سجادة الصلاة، ويموت الأطفال

لقد تحول الأمريكان من مجرد شباب عابث مجنون إلى وحوش مسعورة ظامئة للدم، وقد قدّم المخرج هذا ببراعة تذكّرنا بسُعار الدم الذي رأيناه في فيلم قديم شهير هو (العسكري الأزرق) الذي عرض عام 1975. لا تثقوا بأطفالكم الظرفاء كثيرًا فهم قد يصيرون وحوشًا في لحظات، وأعتقد أن هذا أول مخرج غربي يرينا الأمريكان كالنازيين أو أسوأ.. إنه فيلم قاسٍ لأشد درجة، ويحتاج إلى أعصاب من حديد لمشاهدته. لماذا يطلقون عليها (معركة حديثة)؟ الحقيقة أنها (مذبحة حديثة) خاصة أن زارعي القنبلة لم يمسسهم سوء

لم تنجُ من الأسرة كلها سوى طفلة، وهنا يرينا الفيلم كيف أن القاعدة لم تفوّت الفرصة فأجرت حديثًا أمام الكاميرا مع الطفلة وقامت بتصوير المذبحة كاملة. يتم عرض الفيلم على مجموعة من الشباب العراقي فيثورون ويتصايحون ملوحين بالسلاح، يُقسمون على الانتقام، ويقول رجل القاعدة همسًا في شيء من الرضا عبارة مهمة جدًا: "لقد خسر الأمريكان معركة (حديثة).. لقد انضمت المحافظة كلها لنا"

على أن لكل هذا الدم ثمنًا، والكوربورال راميريز الذي ينال ترقية إلى رتبة سيرجنت عاجز عن النوم بسبب الكوابيس. نفس السيناريو في كل مرة منذ ألقوا القنبلة الذرية على هيروشيما: ترقية وكوابيس.. ونرى الأربعة الذين قاموا بالمذبحة الكبرى يقفون أمام قائدهم يوجه لهم عبارات اللوم؛ لأنهم أساءوا للمارينز بتصرفهم غير المسئول، كما يظهر بوش بوجهه الغبي في لقطة تسجيلية حقيقية ليؤكد أنه (قلق) بسبب هذه الحادثة الفردية. هذا كل شيء فلا نعرف أن هؤلاء الفتية عوقبوا بشيء أكبر

أما عن تأثير الفيلم على المشاهد الغربي فيمكن التنبؤ به.. المشاهد الأوروبي مقتنع به تمامًا، أما المشاهد الأمريكي فلم يره.. الأمريكان الذين رأوه هم غالبًا من معارضي الحرب ذوي الميول اليسارية وقد راق لهم، أما الأمريكي العادي الذي رأى الفيلم فقد اعتبره حزمة من الأكاذيب الأوروبية الحاقدة.. أولادنا المارينز لا يفعلون هذا.. إنهم الأكثر أخلاقية.. لو لم تضع القاعدة هذه القنبلة لما حدث شيء من هذا، وهو الغباء الغربي المعتاد: لو لم تقاوم غزوي لك لما آذيتك. أنت تقاومني وتدافع عن أرضك.. إذن أنت إرهابي. قلت لأحدهم: "تخيل -لا سمح الله- أن الدبابات العربية احتلت الولايات المتحدة وتندفع الآن نحو تكساس، فماذا تفعل أنت؟ تخرج لاستقبالها بالورود أم تزرع قنابل على جانب الطريق؟". واحد آخر قال إن القاعدة تتسم بالجبن. كان عليهم مواجهة الأمريكان رجلاً لرجل بدلاً من زرع القنابل!.. هذا كلام لا يستحق الرد عليه طبعًا

خلاصة هذا الفيلم هي أن الخاسر الوحيد في العراق هو المواطن العادي، الذي يقف بين سكين القاعدة ورصاص المارينز. وبرغم أن عمر الحادثة أربعة أعوام وعمر الفيلم عامان تقريبًا فإننا ما زلنا لا نعرف متى ولا كيف ينتهي هذا الكابوس