قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, December 29, 2009

دماغى كده - فى السياسة - أسعد أيام هدى



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

عظيمة هي قناة الجزيرة .. قد نختلف معها، وقد نراها منحازة لجهات بعينها ومتجاهلة لأمور بعينها، وقد يتهمها البعض بالعمالة وهي التهمة الجاهزة لوصم كل من نختلف معه .. إن من يختلف معك فكريًا في العالم العربي هو على الأرجح ملحد أو عميل أو شاذ جنسيًا، وبما أنه من الصعب اتهام قناة كاملة بالشذوذ الجنسي تبقى تهمة العمالة .. (لم أصدق حتى سمعت بأذني أن هناك من اتهم منظمة حماس وحزب الله بالعمالة لإسرائيل، ولا أعرف المنطق اللوذعي الذي قاد لهذه الاستنتاجات العبقرية)ـ

أقول إن قناة الجزيرة فتحت نافذة وسط ستار التعتيم الإعلامي الكثيف، ولولاها لما عرفنا عن الانتفاضة إلا أنها (اضطرابات في الأرض المحتلة) كما كانت وسائل إعلامنا ستصفها .. وعن طريق قناة الجزيرة رأينا أبا (محمد الدرة) يصرخ متوسلاً للإسرائيليين كي يوقفوا الرصاص، ورأينا ظهر جثة الرضيعة (إيمان حجو) الذي تحول إلى فجوة دامية كبيرة، بينما حرصت (سي إن إن) وإعلامنا على إظهار الوجه فقط لأنه لا يعبر إلا عن سلام عميق لرضيعة نائمة، كأن ما فعله الإسرائيليون هو أن ساعدوا الصغيرة كي تنام في سلام

هذا التفوق الذي حققته الجزيرة في فلسطين جاء بفضل كتيبة العظماء وليد العمري وجيفارا البديري وشيرين أبو عقلة ومن معهم من مخرجين ومصورين وفنيين

حظي الأسود جعلني أفتح قناة الجزيرة يوم الجمعة 9 يونيو لأرى هذا المشهد الرهيب .. الطفلة (هدى) تجري على رمال الشاطئ وتتعثر وتنهض، وتصرخ في جنون وهستريا : أبويا

أبوها جثة مفتوحة العينين فوق الرمال، بينما الفتاة تحتضنه .. لا تعرف السبب الذي جعله فجأة يرفض النطق وتلبية ندائها ربما للمرة الأولى.. ثم تجول الكاميرا لترينا ما تبقى من حياة هادئة لأسرة أرادت قضاء يوم على شط البحر في غزة .. العوامة .. دلو الماء .. الجاروف .. ثم أسرة الفتاة التي تحولت إلى عجين من اللحم المتفحم والدم .. العوامة والجاروف أشياء مدنية جدًا مسالمة جدًا يصعب أن تتلطخ بالدماء إلا في فيلم (الفك المفترس) لكن إسرائيل فعلتها

ما حدث هو أن سفينة حربية إسرائيلية في عرض البحر قررت أن تمازح هذه الأسرة البريئة بطريقتها .. وكان المذيع يجري التحقيقات ويصور بينما السفينة ما زالت هناك تراقب الموقف في استمتاع واضح

إن مشاهد الموت في فلسطين صارت يومية منذ زمن بعيد، لكن عندما يتعلق الأمر برجال المقاومة وقياداتها فهؤلاء أبطال اختاروا وتحملوا مسئولية قرارهم، وكل واحد منهم يتوقع اليوم الذي سيتحول فيه إلى أشلاء متفحمة يخرجونها من سيارة انصهر معدنها .. أما تلك الأسرة على الشاطئ فلم تختر شيئًا على الإطلاق .. كل ما أرادوه هو يوم من المرح بين الموج والرمال، فلابد أن (هدى) الصغيرة صحت صباحًا منتظرة أسعد يوم في حياتها .. ذات المشهد يذكرني بمشهد رأيته منذ ثلاث سنوات لذلك الصغير الفلسطيني الذي جلس وحده جوار النافذة في غرفة نومه يعد ألعابه لعيد الأضحى غدًا، فكان نصيبه طلقة في رأسه من قناص إسرائيلي يهوى المزاح بدوره .. ظرفاء وأولاد حظ هؤلاء الإسرائيليون حقًا

أسوأ ما في الأمر أن هذه الحوادث صارت كثيرة إلى درجة أنها أذابت بعضها ونسيت.. عندما تملأ جوالاً بالبيض الهش فإنه يحطم بعضه فلا يبقى شيء، وإسرائيل تهوى تكديس البيض بحق

من أعطى قائد السفينة الحربية هذا الحق ؟.. إنه ليس ربًا ليقتلني بمشيئته كما يقول العظيم (أمل دنقل).. من أعطاه الحق في أن يحيل حياة هذه الطفلة إلى كوابيس ؟.. من أعطاه الحق في أن يملأ حياتي أنا بالكوابيس ؟

ويخرج بيان الحكومة الأمريكية كما هي العادة .. هم فقط يتفننون في العبارات التي تثير غيظك: "وقال الناطق باسم الخارجية شون ماكورماك إن بلاده تشجع إسرائيل على التفكير في نتائج هذه الأعمال"ـ

يا سلام على التعبيرات العبقرية ! .. هذه أعمال أدبية وليست تصريحات سياسية .. لو أحضرت تشيكوف وكافكا وموم وماركيز وشكسبير لصياغة جملة سخيفة تتحسس دربها ولا تجرؤ على أن تقول أي شيء مثل (تشجع إسرائيل على التفكير في نتائج هذه الأعمال) لاعترفوا بأنهم معدومو الموهبة .. من قبل رأى (بوش) أن قصف غزة بطائرات إف 16 (غير مفيد) .. دعك من التعبير العبقري الآخر : "نحن نشعر بقلق" .. طيلة الوقت هم قلقون .. ما كل هذا الحلم وهذا التهذيب ؟.. أتمنى للأخ بوش مصيبة تطيح به كي يشفى من عادة القلق نهائيًا

رجالنا لا ثمن لدمهم .. نساؤنا لا ثمن لدمهم .. أطفالنا لا ثمن لدمهم، بينما يبكي هؤلاء الغربيون تأثرًا ويرفعون الأنخاب وتعصر الأخت (أوبرا وينفري) عينيها تأثرًا بعملية إنقاذ درفيل جنح على ساحل فلوريدا، مع الكثير من الـ (واو) والـ (ياي) والـ (أوه) .. أي نفاق هذا ؟

السؤال الأهم هو ماذا يعتقد (عباس) أنه يفعله ؟.. يخرج ليتهم أعمال المقاومة بأنها حقيرة، ويشجب قصف المدنيين الفلسطينيين بلغة عقلانية هادئة .. ما هو دوره بالضبط وهو عاجز عن حماية شعبه، وعاجز عن الاحتجاج على ما يحدث لشعبه ؟

لابد من أن يدفع هؤلاء الثمن .. أما من يتكلم عن الواقعية والتحضر ويطالب الفلسطينيين بأن يموتوا في أدب ورقي، فليخرس من فضله .. لا ثمن لهذا الدم إلا الدم .. لا .. ليس الدم كافيًا .. لو مات ألف إسرائيلي فلن يعوضوا (هدى) الصغيرة عن أبيها، ولن يعوضوا أم (إيمان حجو) عن رضيعتها ..لكنه أقل شيء ممكن لو كانت هناك عدالة حقًا في هذا العالم

دماغى كده - فى السياسة - إذن هو الدلاى لاما



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

الدستور - 1 أبريل 2008

مصر بلد جميل ذو تاريخ عريق ، و قد حباها الله بشمس دافئة طيله العام ، مع هواء عليل و مناظر خلابة ، لهذا يقصدها السياح من أرجاء الآرض لينعموا برؤية آثارها العظيمة التى تنطق بعظمة التاريخ ، و ينعموا بالسباحة فى مياهها الجميلة أو يمارسوا رياضة الغطس فى البحر الأحمر حيث الشعاب المرجانية رائعة الجمال

و قد قال ( مصطفى كامل ) : لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً ، لهذا يبكى السياح لأنهم ليسوا مصريين ، و يحقدون على مصر كثيراً . و لقد عاشت فى مصر شعوب كثيرة شربت من مائها و امتزجت بحضارتها ، لهذا نقول بحق إن مصر أم الدنيا ، و

أراك تتساءل : هل جن الرجل ؟ ... ما هذا الكلام الذى يكتبه ؟ . أقول لك إننى لم أجن لكنى أكتسبت الحكمة فجأة ، و قد تعلمت الكثير من رأس الذئب الطائر لو افترضنا جدلاً أن ( إبراهيم عيسى) ذئب . لقد قررت أن أكتب كلاماً يحقق لى المعادلة الصعبة: ألا أسجن أو أثير غضب أحد ممن نستعيذ بالله من غضبهم ، و فى الوقت نفسه يحفظ لى مكانى فى جريدة ( الدستور) . الحقيقة أن هناك حلولاً أسهل مثل أن أتفرغ للكتابة فى مجلة ( ميكى ) ، لكنهم لا ينشرون صورة الكاتب هناك ، و هذا سيقلل من مكانتى فى البيت كما تعلم

بحثت كثيراً جداً عن قضية لا تثير حفيظة أولى الأمر .. مستحيل .. كل شئ زفت و هباب و لابد أن يغريك بإبداء الغضب فالتورط فى كلام يودى فى ستين داهية.. يبدو أن العرب الذين كانوا يكتبون فى وصف الأطلال و الناقة كانوا يفعلون هذا كى لا يسجنهم سادة القبيلة لو تكلموا عن شئ آخر

لو تكلمت عن إسرائيل كالعادة فأنا أقع فى عش الدبابير ، خاصة إنى سأكتب و أنا أغلى تحت تأثير مقال الأستاذ ( هويدى ) الذى كشف عن قيامنا بتصدير الغاز الطبيعى النادر لإسرائيل بملاليم ، مع الالتزام بالتصدير حتى بعد نفاذه عندنا .. يعنى لن يكون عندنا غاز لكننا سنشترى غازاً بسعر باهظ نصدره لهم بملاليم ، و الأدهى أن دولة مثل أسبانيا ستأخذ الغاز منا بذات السعر الرخيص لتبيعه بسعر السوق .. ليه كده ؟ .. هل إسرائيل تبتزنا بشئ ما ؟ ... هل معها ( النيجاتيف ) على رأى استيفان روستى ؟ .. لماذا تبيعون حق ابنى فى الحياة ؟ .. أنا متنازل عن حقى لكن ماذا عنه هو ؟ لماذا تصرون على ذبح الدجاجة و سرقة كل مسمار فى السفينة ؟.. لماذا لا تبقونها طافية ؟ .. محمد على أراد حلب مصر لكنه قرر أن يسمنها و يحسن تغذيتها جيداً أولاً .. فلماذا لا تتعلمون منه ؟

هل أتكلم عن الرغيف و أزمته و الرجل النحيل البائس ممزق الثياب الذى رأيته يركض فى الشارع و هو يحتضن عشرة أرغفة فاز بها من الطابور ، حتى ليوشك على البكاء ، فقط لينقض عليه صبى على دراجة ليخطف منه رغيفين ؟.. هل هى المجاعة إذن ؟ .. هل نحن مقبلون على ذلك العصر الرهيب الذى قرأنا عنه ( أكل حمار الوالى ثم أكل جثة اللص الذى أكل حمار الوالى) ؟

هل تتكلم عن البطالة ؟.. عن المستقبل ؟.. عن أزمة التعليم ؟.. عن المرور ؟.. عن؟... عن ..؟

هل تتكلم عن انتخابات المحليات ؟.. أنت تعرف جيداً أنك لم تعد تتابع حرفاً من هذه الأمور منذ 73 سنة. ربما تتكلم عن كرة القدم و تشتم فى الحضرى قليلاً ، لكن هذا مجال خطر .. قد تدوس على لغم لا تعرف أنه لغم

هل أتكلم عن قصة حب شبابى الفاشلة ؟.. محاسن التى تخلت عنى بعد ما تقدم لها مهراجا يملك طائرة بوينج و عدة جزر و قدم لها ماسة الكوهينور على سبيل الشبكة ؟.. بدا لى الأمر رقيعاً ، خاصة و أنا لا أكف عن ابتلاع أقراص ضغط الدم و لا توجد ثلاث شعرات سوداء متجاورة فى رأسى .. حب إيه زفت إيه ؟!! .. دعك من أن المقال قد يقع فى يد أم العيال ، و هذا يجعلنى فى موقف لا يقل خطورة عن غضب الكبار على .. على الأقل غضب الكبار معناه أن أموت مناضلاً ، أما غضب أم العيال فمعناه أن أموت نذلاً منكراً للنعمة

وجدتها .. ! .. الحل العبقرى الوحيد هو أن اكتب عن مشكلة ( الدلاى لاما ) ... سوف أكتب عن الصين المفترية التى تمنع هذا الروحى البوذى من العودة إلى التبت حيث ينتظره المؤمنون . أمريكا قلقة و تطالب بتفسيرات من الصين .. جميل جداً.. هكذا أنا عرفت اتجاه الريح و أين أكون آمنا .. سوف أشتم فى الصين للصبح . سوف أتضامن مع سكان التبت و أسود الصفحات من أجلهم . لم لا ؟.. لماذا نتوقع أن يتعاطف العالم معنا و لا نتعاطف مع العالم ؟.. أليس هذا أقرب للتحضر ؟

قلت لصديقى إننى سأحلق شعرى زيرو و أحمل كيساً خيشياً للشحاذة و أخرج حافى القدمين إلى الشارع كما رأيت الناشطين الأوروبيين يفعلون فى التلفزيون . قال لى إن هذا ليس عملاً عاقلاً لأن رجال الأمن سيعتبروننى مجنوناً أو شيئاً آخر لا أستطيع كتابته هنا، و لسوف يعتنون بى فعلاً . بتحب الدلاى لاما يا روح أمك ؟.. طيب تعال

هكذا عدلت عن هذه الفكرة و قررت أن أكتب مطالباً الصين بأن تعيد الدلاى لاما للتبت و أن تسمح بالحرية الدينية لسكان هذا البلد . حتى إننى بدأت تأليف أغنية جديدة لشعبان عبد الرحيم تناسب طريقته فى مواكبة الأحداث كأنه نشرة التاسعة
فيه ناس كتيرة ياما .. خلاص حتتنقط
ما تسيبوا الدلاى لاما .. يرجع للتبت
يا صين رجعى جيشك .. و بلاش الافترا
خليكى فى فوانيسك .. و الشنط و الورق ... هيييييييه

حقاً هى ليست أغنية جيدة لكنها تؤدى الغرض ، و أرجو ألا يتجاهلها شعبان كما تجاهل رائعتى السابقة ( قتلوا بناظير بوتو .. كل الحلوين بيموتوا .. ما تخلوا باكستان تختار لنفسها .. نعم . من زمان و لا حدش قدها .. هيييييييه ! )ـ

نعم ، صدقنى . .. بعد الحكم الصادر ضد إبراهيم عيسى و زكيبة القضايا التى تنتظره ، لم أعد طفلاً .. كنت بحاجة لهذا الدرس كى أعرف طريقى و كى أعرف عن أى شئ أكتب بالضبط . كنت أعتقد أننى ذكى بما يكفى و أننى يمكن أن أقتدى بالكاتب الشهير (.......) و الكاتب الشهير (........) الذين يكتبون بطريقة ( الحكومة سيئة و تضيع كل جهود مبارك للإصلاح ) ، و هى طريقة خبيثة ناجحة تضمن لك رضا الجميع ، و تحتفظ لك لدى رجل الشارع بصورة المناضل الذى لا يخشى فى الحق لومة لائم . هذه مدرسة تختلف تماماً عن مدرسة عيسى و قنديل التى نعرفها حيث لا سقف من أى نوع ، لكن من الواضح أن سقف الحرية يهبط يوماً بعد يوم ، و أن هذه المدرسة الخبيثة نفسها خطرة

إذن هو الدلاى لاما حتى إشعار آخر

دماغى كده - فى السياسة - الكابوس الأمريكى



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

كلما رأيت تداعي الأحوال في مصر، وذلك الشرخ الذي يتسع ويتسع في الجدار منذرًا بالويل، فكرت في أنانيتي الخاصة عندما لم أفكر في الهجرة للولايات المتحدة من أجل أولادي .. لقد عانى (كونتا كينتي) جد (أليكس هيلي) الكثير عندما تم اختطافه من سواحل غانا وحُمل في قاع سفينة إلى العالم الجديد، لكننا – لو فكرنا تفكيرًا جانبيًا – لوجدنا أنه كان يكافح كي ينعم أحفاده اليوم باستعمال الألفاظ البذيئة وشرب الكولا ورقص الراب في بروكلين .. يكفي أن أحد أحفاده صار هو الكاتب العظيم (أليكس هيلي)ـ

لي صديق فعلها في هذه السن المتأخرة نسبيًا .. السن التي لا تسمح لك بأن تغسل الصحون أو تقف في محطة وقود، بينما تقضي الليل منكبًا على دراسة الطب .. لكني في النهاية أجد أنني بالفعل لا أحب نمط الحياة الأمريكي ولا أطيقه .. حياة رُسمت سلفًا بكل مراحلها وسوف تتحرك فيها كأنك قطار يتحرك على خط حديدي .. صحيح أنك في مصر قطار آخر يتحرك بجرار تالف على خط حديدي متآكل، لكن الحياة هنا في مصر ذات طعم ولون ورائحة ..الكثير منها في الواقع

لو أنني ولدت في نيويورك وكنت ذكرًا بروتسنتيًا أبيض
WASP
 فإن حياتي مرسومة عبر محطات معروفة صرت أحفظها من قراءة المجلات الأمريكية ومشاهدة أفلامهم

عالم المراهقة: هذا هو عالم المدرسة الثانوية وقلة الأدب والتطاول على المعلمين لأن التعليم ممل
Boring
مشكلتي هي البلطجي (هانك) الذي يتربص بي لأنني نحيل وبنظارة وهناك نمش على وجهي، وهو يتعمد إهانتي وسكب اللبن على رأسي ساعة الطعام، ولا أحد يتعاطف معي في مجتمع لا يرحم المهزومين سواء كانوا هنودًا حمرًا أو عربًا أو زملاءك في الصف . ثم يأتي موعد الحفل الراقص السنوي وانتخاب الـ
Prom queen
 أو ملكة الحفل .. كيف أقنع فتاة بأن تصحبني للحفل ؟.. كيف يرضى أبي بالتخلي عن السيارة ؟.. في حفل كهذا سوف تفقد حسناء الصف (كارول آن) عذريتها، وهي ليست مشكلة لأن أباها كان سيصحبها للطبيب النفسي لو تأخر الأمر أكثر من هذا ، ولربما ظهرت في إحدى حلقات (أوبرا) لمناقشة مشكلتها

البيزبول لعبة مملة يستحيل فهمها .. ملعب يشبه الماسة وشخص يضرب الكرة بمضرب يستعملونه لقتل الزوجات كذلك، وهناك ثور يلبس درعًا على صدره يتلقفها بقفاز .. ثم يصرخ الجميع: "اركضوا يا فتيان !" ونحرز نقاطًا لا أدري على أي شيء، لكن البيزبول هو الطريقة الوحيدة لقبولك في مجتمع كهذا، وكي تحبك الكتاكيت
Chicks
هناك كرة القدم الأمريكية العجيبة التي تلبس فيها الدروع وتضرب عددًا من الثيران، ولا تلمس قدمك الكرة مرة واحدة .. بينما المدرب (رالف) يصرخ في وحشية: سوف نسحقهم يا شباب

كلها ألعاب معقدة تختلف عما يلعبه العالم كله، وكلها تحتاج إلى إمكانيات وثراء

الكلية: تقريبًا نفس روتين المدرسة الثانوية.. أضف لهذا الحفلات الصاخبة التي يشرب فيها الجميع البيرة
Booze
 وتتعرى الفتيات تمامًا .. هذه هي الفترة التي سأجرب فيها المخدرات لأول مرة .. سأكون محظوظًا لو شاركت في احتفالات (ماردي جرا) التي تذكرك بأعياد (باخوس) الرومانية الماجنة

بعد التخرج: أنا أعمل في شركة تنفيذية ما تمارس المنافسة قاطعة الرقاب مع شركات أخرى .. القميص قصير الكمين وربطة العنق والعروض على جهاز الكمبيوتر .. مغازلة زميلة العمل عند براد الماء .. العمل من التاسعة للخامسة والخوف المزمن من الطرد والجوع .. لو طردت سأقوم بتعبئة لوازمي في علبة كبيرة من الورق المقوى وأخرج من الباب يرافقني رجل الأمن ...ولسوف أصير سكيرًا

الأسرة: حفل الزفاف والسيارة التي ربطوا بها علب طعام محفوظة فارغة تحدث قعقعة .. مشكلة زوجتي هي تقليل السعرات في الطعام بسبب الشحوم حول الخصر .. يجب أن أقلل من ولعي بشطائر الهامبرجر والجبن .. ابنتي (سو ألين) صارت الآن مراهقة وقحة تصر على أن ترافق الفتية للمرقص وتقول لي: "داد .. أنت ابن عاهرة وسافل وحقير .. أنا أكرهك".. تقولها وهي تهز شعرها الطويل ليغطي نصف وجهها ثم تندفع خارجة من الغرفة كنمر هائج

فأبتلع الإهانة .. لو صفعتها لشكتني للشرطة وقُبض علي .. لابد من الصبر حتى أحل مشكلة تعاطيها المخدرات ومشكلة الحمل في سن الخامسة عشرة .. أذهب أنا وزوجتي لحفلات الكوكتيل حيث أقف أمام الناس لأحكي لهم عن (أظرف شيء حدث لي في طريقي لهذا الحفل).. و (أفضل مطعم يمكن أن تتناول فيه شطائر التونة بالبطاطا المقلية).. ثم نعود للبيت لتطالبني زوجتي بالطلاق بلا سبب وتبدأ في حساب ما يناله كل منا من ممتلكاتي

ربما تنجب زوجتي – لو لم تطلقني - طفلاً مشوهًا له أربعة أنوف وثلاث آذان وذيل .. هنا أقرأ في الصحف عن معهد في أوهايو متخصص في الأطفال الذين لهم أربعة أنوف وثلاث آذان وذيل .. أذهب هناك لأقابل د. (سميث باركر) خبير الأطفال ذوي الأربعة أنوف والثلاث آذان والذيل الذي يقول لي: "أهم شيء أن نجعل طفلك لا يشعر بالاختلاف عن الآخرين"ـ

هكذا يصير طفلي رسامًا وأستاذًا جامعيًا وبطلاً في كرة القدم ، ويظهر في حلقة من حلقات (أوبرا) حيث يبكي الجميع مع كثير من (الواو والأوه وماي جاش)ـ

السياسة: سواء كنت ديمقراطيًا أو جمهوريًا فأنا مؤمن أن الفلسطينيين إرهابيون يحاولون أن يأخذوا من اليهود الطيبين أرضهم .. أؤمن بالقيم الأمريكية وطريقة حياتنا .. أؤمن بالديموكراسي وماي فيلو أمريكانز .. أدعو لهم بالنصر في العراق الذي لا أعرف أين هو ولا مشكلته بالضبط .. ولا يعنيني شيء من هذا .. أحترم بشدة – أو أتظاهر باحترام - اليهود والزنوج والشواذ جنسيًا حتى لو كنت أنتمي للحزب الجمهوري ..كنت أمقت الشيوعية واليوم أمقت الإسلام .. هؤلاء القوم الذين يعبدون القمر ويذبحون الأطفال قرابين من أجل إلههم الذي يسمونه (الله) .. ويرقصون عراة في موسم الحصاد

الحادث: ثم أسقط من على الجبل وأنا أمارس التزلج فيتهشم ظهري وأصاب بالشلل، لكني أصر على المقاومة .. وأروح أضرب كرة البيزبول في الحائط طيلة اليوم على سبيل التدريب .. هكذا أستعيد صحتي، وأكتب قصتي في كتاب اسمه (كيف قهرت الشلل) وهو الكتاب الذي يشتريه التلفزيون فورًا، من ثم أتمكن من شراء ذلك البيت الجميل الذي كنت أحلم بشرائه في (بالتيمور)ـ

النهاية: هذه هي سن سرطان القولون.. مشكلة التقدم في الرعاية الصحية هي أنك لا تموت بالتيفود ولا نوبة قلبية في سن الخمسين كما كان يحدث، بل تنتظر حتى سن الثمانين حين تقرر خلاياك أن تصاب بالجنون.. سأموت في المستشفى ويحرقون جثتي .. ثم يقف أولادي متظاهرين بالتأثر فوق قبري ويطوق أحدهم كتف أمه مواسيًا ويقول آخر: "وداعًا داد .. كنت عظيمًا ... "ـ

أموت مطمئنًا لأن أولادي باقون من بعدي وسيمشون في نفس الدرب، ويحافظون على القيم الأمريكية .. قيم (علم النجوم اللامعة)ـ

هذه هي حياتي لو نشأت في أمريكا أو هاجرت إليها .. وإنني لأسألك بكل صدق : متى عشت ؟.. متى اختلفت ؟... هل هذه هي الحياة التي من أجلها أغسل الأطباق، ,و أدرس الطب ليلاً، وأبحث عن فتاة أمريكية (مضروبة) تقبل الزواج مني وتمنحني الجنسية ؟.. بصراحة عندما أقارن بين حياة (ماي فلو أمريكانز) هذه وحياتنا الحالية بما فيها من فوضى وعشوائية وفقر ومرض و(شعبان عبد الرحيم) فإن شعبان يكسب بالتأكيد

دماغى كده - فى السياسة - جمهور واغش



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

يجلس الناقد السينمائي الجميل رءوف توفيق في قاعة السينما يحاول أن يفهم شيئًا من الفيلم، لكنه يفاجأ بأن الصوت عال جدًا لدرجة أن الجمهور لا يسمع حرفًا من الحوار.. هناك حيوان ما قد فتح السماعات إلى أقصى طاقة لها، وبالتالي تحولت قاعة السينما إلى معتقل نازي أو جحيم دانتي أو حظيرة مواش حسب التشبيه الذي يروق لك، وبما أنه رجل مهذب خفيض الصوت فقد طلب من هذا العامل أو ذاك تخفيض الصوت بلا جدوى، من ثم اتجه إلى مدير السينما في مكتبه ليفاجأ بحلوف بدين جالسًا يعد كومة من أوراق المال.. نقل له شكواه وعرفه بشخصه لكن المدير رفض في كبرياء أن يخفض ارتفاع الصوت، وقال دون أن ينظر له: "يا أستاذ سيبك منهم .. ده جمهور واغش !"ـ

 كان هذا في أوائل السبعينات، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها الناقد الكبير هذا المصطلح، فلما سأل عرف أنه مصطلح سوقي معناه (تحت المستوى)، وهو ما يشبه مصطلح (بيئة) الذي نستعمله اليوم

 لم أستطع قط نسيان هذه القصة، وإن كنت أراهن على أن رءوف توفيق نفسه لا يذكرها. ما الذي كان يمكن أن يحدث لو خفض المدير ارتفاع الصوت ؟.. هذا الإصرار يعكس بلا شك رغبة لا نهائية في الإيذاء والإهانة والاستعلاء .. هذا جمهور واغش فليُعامل كما يُعامل الجمهور الواغش إذن

 أتذكر هذه القصة وقد تحولت حياتنا بالكامل إلى قاعة سينما يصر صاحبها على أننا جمهور واغش، ويصر على ألا يخفض صوت السماعات مع أن هذا لن يكلفه شيئًا . رءوف توفيق يمثل الصحافة ويمثل المثقفين الذين يسودون صفحات الجرائد والمجلات كل يوم فلا يصغي لهم أحد

 تكلم عن الغلاء .. تكلم عن انقطاع المياه .. تكلم عن التعذيب .. تكلم عن الفساد. تكلم عن تدهور التعليم والخدمات .. تكلم عن انهيار الريادة الإعلامية المزعومة .. تكلم كما تريد فأنت جمهور واغش ولن يتعب أحد نفسه بأن يخفض صوت السماعات من أجلك .. من الذي أصر على تغيير عبارة (الشرطة في خدمة الشعب) إلى (الشعب والشرطة في خدمة الوطن ) ؟.. لماذا لا تترك هذا الشعار يا أخي حتى لو كان مجرد شعار، وما أكثر الشعارات الجوفاء في حياتنا ؟ ، لكن لا .. لا يجب أن تنسى لحظة واحدة أنك جمهور واغش .. هل تجرؤ على أن تتصور لحظة أن الشرطة في خدمتك يا جربوع ؟

 ما الذي جعلنا جمهورًا واغشًا أو لماذا يعتبروننا كذلك ؟ .. على قدر علمي نحن أولاد ناس، ومعظمنا يستحم (في المحافظات التي ما زال الماء يصلها)، ومعظمنا حاصل على الإعدادية والله العظيم. هذا التعامل الخشن جعل الناس يتصرفون بالمثل ولا يثقون بالحكومة. ولهذا تتداعى إلى ذهني لفظة أومرتا
Omertà
أومرتا معناها مؤامرة الصمت، وهو سلوك شعبي معتاد لدى الصقليين والإيطاليين الذين يتعاملون مع عصابات المافيا .. هنا يصير من الممنوع على المواطنين أن يتعاملوا مع أية جهة حكومية كانت. يُقتل أخوك أو جارك لا سمح الله لكنك لا تبلغ الشرطة حتى لو عرفت القاتل. كل الشهود الذين رأوا الجريمة لم يروا شيئًا .. يقبضون على القاتل فينكر أن المافيا كلفته بأي شيء ولا ينطق بحرف. ينسحب هذا على أي تعامل حكومي لأن الناس هناك كونوا حكومتهم الخاصة التي تديرها المافيا

 كنت على الطريق السريع مع صديق لي، عندما رأيت تلك العلامات المعروفة التي تنذر بوجود رادار في طريقنا. إنها الإشارات المتقطعة للنور من السيارات القادمة في الاتجاه المقابل. على الفور خفض صاحبي سرعة سيارته إلى ستين، وتحول الطريق السريع إلى صف من سيارات مهذبة تمشي في سلام كأننا جوقة من الملائكة في موكب سماوي

 ما حدث على الطريق السريع هو مؤامرة شعبية كاملة على طريقة أومرتا لخداع الرادار وخداع الحكومة. مؤامرة اتفق عليها مئات من سائقي السيارات.. من يلتزم بها جدع ومن يخرج عنها نذل ابن نذل وخائن يعمل مع الأعداء. برغم أن الحد من السرعات المجنونة أمر حميد ومن صميم عمل الدولة، فإن هؤلاء يعتبرون الحكومة شرًا من السماء جاء ليخرب بيتك وييتم عيالك، وعلينا أن نتكاتف لمنعه، وأن السائق الذي سوف يظفرون به ليس سوى صاحب عيال غلبان وأرزقي.. عامة يؤمن المواطن المصري أن الدولة تأخذ منه أضعاف ما تعطيه، وهو قد يجد غضاضة في سلب حق بواب العمارة لكنه لا يفوت فرصة لخداع الدولة التي لا يشعر بأنها تقدم له أية خدمات

عرفت عريسين شابين عاكفين على تشطيب عش الزوجية قبل زواجهما بشهر، فكانا بعد رحيل الصنايعية وقبل مغادرة الشقة يتأكدان من أن الأنوار كلها مضاءة، لدرجة أن العريس عاد ذات مرة من الشارع لأنه نسى أن يضئ الأنوار. سألته عن سبب هذا الحرص وقد حسبته تقليدًا شعبيًا لمنع العفاريت أو الحسد أو شيئًا كهذا . قال لي في ذكاء: "لأن هناك شهر إعفاء من دفع رسوم الكهرباء مع العدادات الجديدة، لهذا نحاول أن نكلف الحكومة بعض المال !"ـ

 مبالغة ؟.. أقسم بالله العظيم أن هذا الموقف حدث حرفيًا، ولا داعي بالطبع لوصف ملامح وجه العريس عندما عرف فيما بعد أن موضوع الإعفاء هذا إشاعة لا أساس لها من الصحة

 على قدر علمي عسير أن يحدث هذا الموقف في أي بلد من بلدان العالم، وهو يعكس قرونًا من انعدام الثقة بين الشعب والحكومة. المشكلة أن هذا الوضع يتفاقم أكثر مع ذلك الإصرار الجهنمي على اعتبارك جمهورًا واغشًا . لا يمكنك أن تعرف أي شيء على الإطلاق .. ليس من حقك أن تفهم .. رأيك لا قيمة له.. لا تبيعوا القطاع العام لكنه يُباع .. لا توقعوا الكويز فتُوقع .. لا تذبحوا القضاة فهي جريمة لا تغتفر لكنهم يُذبحون .. استقبلوا وزير الخارجية الفلسطيني المنتخب لكن لا أحد يستقبله.. نصح المفكرون بأهمية وجود خطوط دبلوماسية قوية مع إيران فلم يبال أحد .. حذر الكل من خطر تعويم الجنيه فعوموه

 لقد صفق الناس في قاعة السينما التي كانت تعرض فيلم (عمارة يعقوبيان) عندما سقط ضابط أمن الدولة مضرجًا بدمه. كم منهم صفق لأنه سفاح سادي عذب الفتى واغتصبه، وكم منهم صفق لأنه يمثل الحكومة التي تزدرينا ؟.. إجابة هذا السؤال تحدد مستقبل مصر

حمى عدم اليقين



spc

حمي كيو.. مرض قديم يعرفه كل طالب طب، ينقله ميكروب اسمه (كوكزيلا برنتي) الذي يمت بصلة قرابة للتيفوس. تم وصف المرض في أستراليا منذ قرن تقريبًا والميكروب معروف منذ عام 1937 هذا المرض ينتقل عن طريق الخراف والماعز إلي الإنسان بوساطة الاستنشاق واللبن غير المغلي. في المناطق الريفية في مصر يمكن القول إن كل طفل أصيب به يومًا ما. الأعراض عامة ومبهمة جدًا لهذا سمي المرض «حمي كيو »ـ
Q
 بمعني
Query
 أو (عدم اليقين)، لكنها قد تشبه الإنفلونزا، والأشعة علي الصدر تريك ظلالاً من الالتهاب، وقد يحدث التهاب في صمامات القلب التالفة أصلاً. عامة يستجيب المرض بسهولة لبعض كبسولات التتراسيكلين أو السلفا وتنتهي المشكلة، ومن السياسات العامة التي تعلمتها أيام الوحدة الريفية أن تجرب التتراسيكلين مع هذه الحميات الغامضة لو لم يكن هناك مانع طبي، لأن فرصة عمل اختبارات معقدة شبه مستحيلة مع إمكانياتنا، ولأن التتراسيكلين قد يقضي علي مرض اللجيونيلا والسيتاكوزس بالمرة
المرض قديم كما قلت ومتوطن في مصر

لماذا قررت الصحف إذن أن (إنفلونزا المعيز تجتاح العالم)، بينما بدأ الأمر بخبر في موقع غربي يقول إن هولندا تواجه انتشارًا لحمي كيو؟

هي ليست إنفلونزا علي الإطلاق ففيروس الإنفلونزا لا يسببها، وهي قابلة للعلاج بالمضادات الحيوية العادية، ومنظمة الصحة العالمية لم تستعمل سوى اسم (حمي كيو).. وهي لا تجتاح العالم.. لقد كانت موجودة في مصر طيلة الوقت، ولا أستبعد أن يكون الصحفي الذي كتب الخبر نفسه مصابًا بها. منتهي الجهل وعدم المسئولية واستغلال الفرص والأنانية وعدم التدقيق والبحث عن الإثارة بأي شكل، وهكذا التقطت كل الصحف ومواقع الإنترنت الخبر وصارت هناك ظاهرة جديدة اسمها (إنفلونزا المعيز)، وجاء اليوم الذي يسألني فيه سائق التاكسي

«حنعمل إيه في إنفلونزا المعيز دي يا باشمهندز؟»

قلت له إنني لست مهندزًا لكنني طبيب أمراض معدية، وكل هذا كلام فارغ، فراح يهز رأسه ويمصمص شفتيه مع ترديد (يا سلام) مبديًا انبهاره بدقتي العلمية وأنا أشرح له ما هي حمي كيو هذه، ثم في النهاية قال في أسى وهو يتصعب

ـ«مشكلة إنفلونزا المعيز دي فعلاً»ـ

لا جدوى... لا أحد يصغي لأحد في هذا العالم.. كل كلامي قد نزل في البالوعة

المشكلة ليست إنفلونزا المعيز، بل هذا التكاثر السرطاني لمساحات النشر في الصحف ومواقع الإنترنت والفضائيات. هذا لم يؤد لحيوية الديمقراطية بل فتح المجال لنشر الكلام الفارغ.. إن مصر تعاني فعلاً من حمي كيو أو حمي عدم اليقين. هذه المساحات يجب أن تُملأ.. بالرأي.. بالفكر.. بالأخبار الكاذبة.. بالأسمنت والطوب.. المهم أن تُملأ

في صحيفة مختصة بالجرائم وجدت منذ عامين خبرًا مثيرًا علي الصفحة الأولي: «حشرة غريبة تثير الرعب في الزقازيق وتقتل 700 مواطن.. الحشرة تنقل الكوليرا بعضتها !.. »ـ

أبسط شيء أن الكوليرا لا تنتقل بلدغ الحشرات.. كل تلميذ في الابتدائي يعرف هذا، ومعني ذلك ببساطة أن المحرر ساقط ابتدائية. أما عن صورة الحشرة ذاتها فصورة بالمجهر الإلكتروني لنوع من (الحلم) الذي يعيش في طبقات الجلد الميتة السطحية ويأكلها، ويسبب نوبات الربو لدى المرضي. طبعًا عندما تُكبّر صورته تصير أقرب للقطة من فيلم خيال علمي مرعب

المهم هو البيع.. المهم هو ملء الصفحات وليذهب المنطق العلمي للجحيم، والأهم فليذهب القارئ العادي للجحيم، ذلك الذي سيصاب بالهلع وهو يشعر أن الحياة كلها ضده …. لقد خرج الموت ليظفر به هو وأطفاله

الآن نأتي لجريدة مستقلة محترمة واسعة الانتشار (برضه ليست الدستور !) نشرت في الصفحة الأولي منذ أعوام خبرًا يقول ما معناه إن أسدًا في حديقة حيوان الجيزة التهم لحم حمار مصاب بجنون البقر.. النتيجة أن الأسد جن وأصابه هياج فظيع مما اضطر السلطات لقتله رميًا بالرصاص. طبعًا لا أحد يذكر هذا الخبر لكنني قصصته من الجريدة عالمًا أنني سأكتب عنه يومًا ما. من كتب هذا الخبر؟.. هل كان بكامل قواه العقلية؟.. ومن رئيس التحرير الذي سمح له بهذا؟.. هل الحمير تصاب بجنون البقر؟.. وهل المرض ينتقل للأسود؟.. وهل يسبب اللحم المرض خلال دقائق بينما نحن نعرف أن الأمر يستغرق نحو عشر سنوات؟.. وهل جنون البقر يسبب الهياج بينما نحن نعرف أنه مجرد نوع من فقدان التوازن يجعل الأبقار تمشي كالسكارى؟

أما عن التوالد الذاتي لمقال (سارة ستون) وكلام النصاب الأمريكي (هوروفيتز) والولية وزيرة الصحة الفنلندية المزعومة، فظاهرة تثير الإعجاب فعلاً. كلما حسبت الناس نسيت هذا الكلام الفارغ عاد للسطح بقوة في مقال في جريدة هنا أو هناك. لا تأخذوا اللقاح.. اللقاح فيه سم قاتل.. اللقاح مؤامرة لجعل نصف البشر أغبياء متخلفين عقليًا ومشلولين.. إياكم والسكوالين.. السكوالين يقتل يا حلوين

وها هي ذي جريدة الدستور تخصص نصف صفحة من عددها الأسبوعي لتعيد نشر كلام هوروفيتز وسارة ستون، برغم أن سارة ستون كتبت مقالها عن مخاطر اللقاح قبل أن تُنتج من اللقاح جرعة واحدة. وهل الوقت وقت هذا الكلام غير العلمي بينما المرض يزداد توحشًا؟. هناك خبر يقول: «كشفت خبيرة اللقاحات بمنظمة الصحة العالمية ماري بولي عن الاشتباه في إصابة ما لا يقل عن 12 شخصاً من مختلف دول العالم بالشلل نتيجة حقنهم باللقاح المضاد لإنفلونزا الخنازير، وأضافت: لم يثبت بالدليل القاطع ارتباط أي من حالات الإصابة بمتلازمة (جوليان باري) باللقاح حتي الآن». هل فهمت أي شيء؟.. هناك 12 شخصًا أصابهم اللقاح بالشلل لكن لم يثبت أن اللقاح أصابهم بالشلل !. هناك موقع إنترنت أعلن في انتصار عن وفاة تلميذ مصري أخذ اللقاح، ثم تقرأ الخبر فتكتشف أنه يتحدث عن الطفل الذي أصيب بإنفلونزا الخنازير ومات عقب جرعة من الفولتارين. السبب أن الأخ محرر الخبر ظن أن اللقاح اسمه (فولتارين). وبهذه المناسبة أعتقد أن عقار (دايكلوفيناك) أو فولتارين تلقي ضربة قوية جدًا بعد هذه الدعاية السيئة له برغم أنه من أهم الأدوية في ترسانة مضادات الالتهاب/مخفضات الحرارة. لماذا وضعته وزارة الصحة في قائمة الممنوعات بهذه السهولة برغم أن أحدًا لم يتهمه بشيء سوى في بعض حالات التهاب المخ في اليابان، وهذا كلام قديم؟. اليوم يمكن أن يمزق المريض طبيبه لو كتب له (دايكلوفيناك)، ولسوف تكتب الصحف صفحات كاملة عن مسلسل الجهل لدى الأطباء.. ياللا.. خلي الناس تقرا وتنبسط

الآن صارت مشكلة المواطن المصري مزدوجة: اللقاح قاتل ويحدث شللاً. اللقاح غير متوافر ويُعطي للمحظوظين فقط !!! هذا يذكرك بكلمة وودي آلين الساخرة: الحياة قاسية مليئة بالآلام لكنها كذلك قصيرة.. قصيرة جدًا

هناك عشرات المشاكل تواجه مصر اليوم، بدءًا بالتوريث مرورًا بمياه النيل والتعليم والبطالة.. وانتهاء بإنفلونزا الخنازير. لكنني أضيف لها خطرًا يعبث عبثًا مروعًا في عقل المواطن الذي يصدق كل شيء ويشك في كل شيء.. هذا الخطر هو النشر غير المسئول أو الجاهل أو معدوم الضمير

Sunday, December 27, 2009

لغة العصر



spc

رسوم: محمد عبد الله

شاب 1: سي دي ياله
شاب 2: قشطة عليك
شاب 3: أمي مسافرة
شاب 4: أنا عندي كمبيوتر والبيت فاضي
شاب 5: انسخه لي على فلاشة
















من فعلها ؟



spc

عامة لم أفطن إلى أهمية القصص البوليسية وقدر الفن المبذول فيها إلا في سن متأخرة جدًا، فقد بدأت القراءة كطفل يعبث في مكتبة أبيه ويحاول أن يتهجأ الكلمات ، وكانت الكتب التي وجدتها بالصدفة تحمل أسماء مؤلفين مثل (المازني) و(تشيكوف) و(فلوبير) و(طه حسين). كان أبي يبتاع لي بعض القصص البوليسية التي ترجمها سيد المترجمين (عمر عبد العزيز أمين)، كما كان يبتاع لي المحاولة الطموح البارعة التي قدم بها محمود سالم القصة البوليسية للنشء العربي، وهي ما عرف باسم (المغامرين الخمسة)، وقد نجحتْ جدًا لدرجة أن أية كتابات للشباب في مصر يطلقون عليها (ألغاز) حتى اليوم، أي أن كلمة (ألغاز) صارت تدل على نوعية معينة من الكتب من حيث شكل الغلاف ونوع الورق والطباعة، وليس المحتوى فقط. استمتعت بهذه القصص جدًا واعتبرتها إجازة عقلية لا شك فيها، لكني لم أستطع النظر لها بجدية ورهبة كما كنت أنظر لإبداعات الكبار

فيما بعد عرفت أن طه حسين نفسه مولع بأجاثا كريستي كما صرح في حديث إذاعي، وقرأت كتاب (رحلة حب رحلة رعب) للراحل صلاح طنطاوي الذي يحكي قصة حبه الأبدية لهذه الكاتبة البريطانية، إلى درجة أنه سافر إلى استراليا ليعمل عدة أعوام كي يجمع نفقات إقامته في إنجلترا قربها !. هكذا بدأت أعيد استكشاف هذا الطراز من الأدب، واعترفت لنفسي بأنه نوع فريد من الفن له مقاييسه الخاصة. عندما تحضر مباراة لكرة القدم ثم تحضر بعدها مباراة لكرة التنس فلا تحاول أن تبحث عن المرمى وحارسه، ولا تتهم اللاعبين بالغباء لأنهم يحملون مضربًا ولا يستعملون أقدامهم. كل لعبة لها مقاييسها الخاصة، وهو تقريبًا ما قاله توفيق الحكيم عن أنه يعشق الغناء الشعبي ويعشق السيمفونيات، وهو الرابح في الحالين لأنه يصطاد كل نوع من السمك بشبكته لا بشبكة الأنواع الأخرى. نفس المشكلة حدثت في الخارج حيث كان النقاد يفرقون بين الأدب الكلاسي عالي الجبهة وبين هذا النوع من الأدب، فيطلقون عليه أحيانًا (فن البوب) أي أنه مخصص لعامة الشعب ، وفي أمريكا اسمه
Pulp Fiction
 وهو مصطلح يدل على نوعية الورق الرخيص الذي تطبع عليه هذه القصص. اليوم زالت الفوارق الحادة بين نوعي الأدب هذين، وصار المقياس الوحيد هو (جيد) و(سيئ)ـ

هكذا التهمتُ ما وجدته من كتابات أجاثا كريستي وآرثر كونان دويل وقرأت بعض ما كتبه إيلري كوين – وهو اسم وهمي لرجلين يكتبان معًا - وجورج سيمنون صاحب المفتش الفرنسي السخيف (ميجريه). بالطبع عرفت مبكرًا أن الاسمين الأولين هما الأكثر براعة وإمتاعًا.. لقد استطاعت أجاثا كريستي أن تحول فن القصة البوليسية إلى فن كلاسي عالمي

قمت ببعض محاولات لكتابة القصة البوليسية، لكنني لم أحب ما كتبته، وبدا لي ذلك العالم غربيًا جدًا يصعب أن ننقله للعربية وليس الأمر ببساطة أن نقول : "أشعل المفتش بيومي غليونه وألقى نظرة على المدفأة ..". لا يوجد مفتشون في مصر، ولا ندخن الغليون إلا نادرًا ولا نحتاج إلى مدفأة. دعك من أن الجريمة في مصر عفوية اندفاعية يصعب أن تتم بكل هذا التخطيط والتحذلق اللذين نصدقهما في الروايات البريطانية مثلاً. هكذا أدركت ما بذله محمود سالم من جهد ليجعل قصصه المصرية مقبولة جدًا. توقفت عن المحاولة وقررت الكتابة في مجالات أخرى ومنها الرعب والفانتازيا، وازداد احترامي لكتاب القصة البوليسية

اعتدنا أن نعتبر القصة البوليسية وقصة الجريمة وقصة المخبر مصطلحات تعني الشيء ذاته، لكن الحقيقة أن قصة المخبر
Detective Story
 نوع من قصة الجريمة
Crime Story
هناك من يعتبر ألف ليلة وليلة أول نموذج لقصة الجريمة، وبالذات قصة (التفاحات الثلاث) حيث يجد صياد صندوقًا فيأخذه هدية لهارون الرشيد .. يفتح الخليفة الصندوق ليجد جثة فتاة جميلة ممزقة، من ثم يصدر الأمر لوزيره جعفر بسرعة القبض على القاتل وإلا طار عنقه.. والقصة بعد ذلك تحقيق طويل مليء بالمفاجآت لا يختلف عن أية قصة معاصرة لإدجار والاس وسواه. هناك من يتحدث كذلك عن بحث أوديب الطويل عن قاتل أبيه، أما في الأدب المعاصر فأقرب الأمثلة قصتا (جرائم القتل في شارع مورج ) و(لغز ماري لوجيه) بقلم إدجار آلان بو (1841). هنا ظهر المخبر العبقري (أوجست دوبان) ليميط اللثام عن الجريمة. ثم بعد أعوام ظهر المخبر العبقري شيرلوك هولمز الذي ابتكره آرثر كونان دويل فجعل قصة الجريمة شعبية محببة للجميع.. وفي هذه الفترة ظهر لغز الغرفة المغلقة الذي نعرفه جميعًا (السير مكفيرلي مقتول في مكتبه والمكتب مغلق من الداخل والنوافذ موصدة، فكيف دخل القاتل ؟.. ومن هو ؟). تخصص وبرع في هذا النوع من القصص جون ديكسون كار، وفي قصته (الرجل الأجوف) يكشف عددًا من الحيل التي يستطيع بها القاتل أن يقتل ضحيته في غرفة مغلقة من الداخل

قصة الجريمة تنقسم إلى أنواع عديدة بعضها قصص قاعات المحاكمة حيث الصراع القانوني بين المدعي والمحامي، وبعضها يحكي عن حياة رجال العصابات أنفسهم، ومن الواضح أن كل هذه الأنواع غير شائعة عندنا. قصة المخبر
Detective Story
 هي غالبًا النوع الذي يقصده القارئ العادي عندما يتكلم عن القصص البوليسية، وبالذات قصص (من فعلها ؟) أو
Whodunit
 التي تسير حسب الخطة المعروفة: السير مكفيرلي مقتول في مكتبه كالعادة، والمكتب مغلق من الداخل والنوافذ موصدة. يتم استدعاء سكوتلانديارد والمفتش فلان .. أحيانًا يكون المحقق رجلاً هاويًا غير محترف يتمتع بسعة صدر سكوتلانديارد وتعاونهم لأنه حل قضايا معقدة سابقة.. تبدأ التحقيقات ويتم سؤال الشهود وأقارب القتيل، وتلقى علامات الاستفهام حول أكثر من واحد .. قرب نهاية الرواية يجتمع الأبطال كلهم لأن المفتش يريد أن يخبرهم بشيء.. نكتشف شخصية القاتل وهو دائمًا آخر شخصية يمكن أن نشك فيها.. لو توقع القارئ القاتل قبل هذه اللحظة فهو فشل للمؤلف. لاحظ أنني ذكرت السير مكفيرلي، إشارة إلى أن هذا النوع من الأدب يوشك أن يكون فنًا بريطانيًا بالكامل. بالطبع يحمل هذا النوع من الأدب مشكلة كامنة فيه، هي أن نظرة واحدة إلى الصفحة الأخيرة – وأنا ممن يفعلون ذلك – تكفي لإفساد القصة كلها، كأنها مباراة عرفت نتيجتها فلم يعد لمشاهدتها داع، وقد حكى هتشكوك عن قناة إذاعية أمريكية كانت تقدم مسلسلاً من طراز (من فعلها ؟) فتطوعت قناة منافسة بأن تعلن (رئيس الخدم هو القاتل)، وكان من تقاليد مسرحية (المصيدة) لأجاثا كريستي أن يخرج الممثل الرئيس على خشبة المسرح في نهاية المسرحية ليرجو المشاهدين ألا يخبروا أحدًا بالنهاية. فهي مسألة تحضر . وقد نجح المشاهد الغربي في الاختبار بينما رسب فيه المشاهد المصري بجدارة عندما عرضت المسرحية في مصر.

بعض الكتاب ثقيلي الوزن كتب قصص (من فعلها) ومنهم تشارلز ديكنز في (البيت الكئيب) عام 1853، حيث يموت المحامي وتدور تحقيقات طويلة للبحث عن الفاعل. وبعدها جاء ويلكي كولنز ليضع قواعد القصة البوليسية من طراز (من فعلها)ـ
ـ1ـ سرقة في بيت ريفي
ـ2ـ محقق شهير يتولى التحقيق
ـ3ـ شرطة محلية لا تتمتع بالكفاءة
ـ4ـ متهمون بطريق الخطأ
ـ5ـ الفاعل هو الأقل إثارة للشك
ـ6ـ قتل في غرفة مغلقة من الداخل
ـ7ـ منحنى نهائي مفاجئ في القصة

بالطبع تظل أمتع القصص طرًا قصص أجاثا كريستي، وهذا يعود للجاذبية القوية لمخبريها (هركيول بوارو) المهاجر البلجيكي الأصلع مضحك الشكل، الذي يصر على أنه بارع جدًا في الإنجليزية، وهو منظم بشكل مرضي لدرجة أنه يستعمل الورق المربع ويحلم بأن يجد بيضًا مكعبًا، ويتحدث دومًا عن خلايا المخ الرمادية. يرافقه صديقه المخلص محدود الذكاء الذي يحكي القصص بنفسه (هاستنجز)، والذي يستخدمه بوارو كوسيلة لمعرفة طريقة تفكير الرجل العادي. هناك كذلك مس ماربل العانس اللطيفة التي تعيش في قرية (ماري سانت ميد) ولها شبكة علاقات ممتازة مع عوانس القرية والخدم، وتصغي لكل القيل والقال، وتؤمن أن كل جريمة تقع في القرية حدث مثلها منذ أعوام. هذا جعل أحد النقاد يقول ساخرًا: يبدو أن هذه القرية الهادئة تحوي قدرًا من الشر والجريمة يفوق ما كان في سدوم وعمورية

يقسم الغربيون المخبرين إلى خمسة أنواع
ـ1ـ الهاوي: مثل مس ماربل
ـ2ـ المحقق الخاص: مثل شيرلوك هولمز ومارلو
ـ3ـ مفتش الشرطة: مثل كوجاك ومورس
ـ4ـ خبير الطب الشرعي: مثل سكاربيتا وكوينسي
ـ5ـ المحققون التابعون للكنيسة الكاثوليكية: مثل الأب براون الذي تخصص فيه البريطاني تشسترتون، وهناك المحقق الكنسي الشهير ويليام باسكرفيل في رائعة أمبرتو أيكو (اسم الوردة)ـ

لقد خضع هذا النوع من الأدب لدراسة مدققة، واهتمام نقدي بالغ في الخارج. وقد وضع رونالد كوكس الكاتب الأمريكي وصايا عشرًا لكتابة قصة (من فعلها) ناجحة
ـ1- يجب ظهور الفاعل في موضع مبكر من القصة، لكن يجب ألا يعرف القارئ نواياه
ـ2- يتم استبعاد كل الوسطاء الروحانيين أو من لهم قوى خارقة للطبيعة
ـ3- لا تسمح بأكثر من غرفة سرية أو ممر سري واحد في القصة
ـ4- لا تستعمل سمًا غير معروف، أو أية وسيلة علمية تحتاج إلى شرح مطول في نهاية القصة
ـ5- لا تضع قتلة صينيين ذوي خناجر غريبة في القصة
ـ6- لا يجب أن يحدث حادث يساعد المخبر، ولا تجعله يصل للحقيقة بنوع من الحدس
ـ7- يجب ألا يكون المخبر هو نفسه الفاعل
ـ8- يجب أن يخبرنا المخبر بكل دليل يجده
ـ9- صديق المخبر الغبي – مثال واطسن – يجب أن يكون أقل ذكاء بشكل طفيف من القارئ العادي
ـ10- لا تضع في القصة توائم ما لم تمهد لهذا من قبل

طبعًا ليست قواعد صارمة جدًا، فمثلاً أجاثا كريستي خرقت القواعد 4 و 7 و 8 مرارًا. كما أنها تخرق قاعدة مهمة لدى سومرست موم تقضي بألا تحتوي الرواية أكثر من جريمتي قتل، وأن يعطينا المؤلف فرصة لنعرف الضحية ونحبها ونحزن لموتها، فلا يبدأ القصة بجثة. سومرست موم من عشاق القصص البوليسية ويعد نفسه خبيرًا فيها كقارئ لا ككاتب

هناك نوع آخر من قصة المخبر تم ابتكاره لاحقًا، هو قصة كيف فعلها ؟
Howdunnit
أو (قصة المخبر المقلوبة)، وهنا نعرف القاتل ودوافعه منذ البداية، فتكون المشكلة هي كيف يتوصل المخبر إلى معرفة الحقيقة ؟. أوضح مثال لهذه القصص هو المفتش كولومبو. ويعود ابتكار هذه الطريقة لأوستين فريمان عام 1912. طبعًا يمكن بشيء من سعة الأفق أن تضع رائعة دستويفسكي (الجريمة والعقاب) في هذه القائمة

في مصر كان أول من قدم أدب (من فعلها ؟) هو محمود سالم في سلسلته (المغامرون الخمسة)، وكانت موجهة للصبية أساسًا، لكنها تركت آثارها في جيل كامل وأعيد طبعها مرارًا. يمكن القول إن محمود سالم طبق معظم قواعد قصة (من فعلها ؟) ببراعة، كما قدم شخصية الصبي البدين (تختخ) شديدة الجاذبية التي تذكرنا ببوارو أجاثا كريستي. لا ينسى الكثيرون منظر شوارع المعادي الهادئة، بينما الأطفال الخمسة وكلبهم يركبون دراجاتهم، وبرغم سذاجة أن يلجأ رئيس مباحث إلى الصبي تختخ في كل مرة ليطلب معونته، لكنك تقبل هذا من منطق كولردج الشهير (التعطيل الإرادي لعدم التصديق). يتهم البعض محمود سالم بالاقتباس من سلسلة أمريكية شهيرة بطلها صبي بدين اسمه (جوبتر جونز)، لكن هذا الاتهام وليد نظرة سطحية ترى أن كل القصص التي بطلها صبي بدين ذكي واحدة، ولو كان صحيحًا فلا ننكر جهد سالم المذهل في تحويل كل شيء إلى طابع مصري صميم. كان نجاح السلسلة لحوحًا طاغيًا حتى أن نفس الكاتب فشل في منافستها بسلسلة أخرى مثل (الشياطين الـ 13)، وبالطبع كانت أية محاولة من آخرين لتكرار ذات النجاح محاولة فاشلة

بالتأكيد سوف يفرز هذا الفن مثيلاً له في مصر، ولكن بعد أعوام من الترجمة والأجيال الجديدة التي تقرأ الإبداعات العالمية في هذا الصدد، وبالطبع لن تتخذ القصص ذات طابع (من فعلها ) القديم، بل ستسير مواكبة للأنواع الجديدة من هذا الفن الجميل، ولسوف يلعب التطور العلمي دورًا أكبر بكثير. إن القصة البوليسية في عصر تحليل
DNA
 والكمبيوتر لابد أن تختلف، كما أن ظهور الهاتف المحمول سوف يستدعي طرقًا جديدة من التحايل، لأنه من الصعب اليوم أن نقرأ عن أبطال محاصرين في بيت بينما يُقتل واحد منهم كل ساعة. مكالمة واحدة على الهاتف المحمول للشرطة تنسف القصة من جذورها

Thursday, December 24, 2009

Avatar: الرقص مع الذئاب الفضائية



spc

لا يمكنك أن تحتفظ برأي محايد تجاه فيلم أفاتار، فإما أن تهيم به حبًا وتعتبره قطعة من الشعر المرئي، أو تمقته وتعتبره تافهًا لا يستحق هذه الضوضاء. بعد دخول الفيلم كتبت هذا المقال وتأثيره لما ينمحِ بعد من شبكيتي، لكني وجدت مقالين جميلين وافيين هنا للزميلين "شريف عبد الهادي" و"محمد رجب" يناقشان نفس الفيلم، وهكذا صار عليّ أن أختار بين مسح مقالي هذا أو المجازفة بإرساله للموقع لعلهم يقبلون ثلاث مقالات عن نفس الفيلم. فلنجازف إذن



عنوان الفيلم (أفاتار) كان موضع خلاف قانوني بين المخرج جيمس كاميرون والمخرج هندي الأصل (م. نايت شليمان) الذي كان ينوي تقديم فيلمه الجديد بذات العنوان. هواة الكمبيوتر يحفظون الكلمة طبعًا؛ لكن معناها اللغوي الدقيق هو تجسد الإله الهندوسي فيشنو في صورة إنسان أو نبات. إنه مفهوم معقّد مرتبط جدًا بعقيدة تناسخ الأرواح، لكنه في هذا الفيلم يرمز للكيانات البديلة التي ابتكرها الجيش الأمريكي لتتمكن من العيش على كوكب له هواء سام وبيئة معادية
أما عن الفيلم نفسه.......

أولاً: يجب التفرقة بين فن السينما، وبين التقنيات التي يتم بها تحسين هذا الاختراع، والغرض في النهاية إغراء المشاهد بالخروج من بيته للذهاب لدار السينما.. يعني يفارق بيته الدافئ ويبحث عن قميص مكتمل الأزرار، ويفتش عن الحذاء تحت الفراش، ويخترق زحام الشوارع، ثم يبتاع تذكرة غالية -ثمنها ثمن كيلو لحم في حالتنا هذه- ليجلس في مكان واحد لمدة ثلاث ساعات تقريبًا. من أجل هذا الغرض ظهرت التقنيات المختلفة التي لن يقدمها التلفزيون أبدًا؛ مثل السينراما والآيماكس.. وفي مصر رأينا فيلم (الزلزال) يعرض بطريقة (سنسور ساراوند) التي كانت تهز دار السينما هزًا لدرجة أن الغبار كان يتساقط من سقف السينما على رأسي. في الخمسينيات كانت في الخارج تجارب الـ
Smellies
 أو الأفلام ذات الرائحة، والتي تتلخص في أن يفتح المشاهد كراسة صغيرة مرقمة ليشم رائحة معينة حسب المشهد، كما كانت هناك اسطوانات تضخ الروائح في نهاية السينما. بعد هذا ظهرت تقنيات التجسيم التي شهدت فترات من الظهور والتراجع. كل هذا لا علاقة له بفن السينما ذاته، ولكنها أشياء تزيد الإبهار وتخفي الحقيقة إلى حد ما. وانطباعي عنها أنها فقرة من فقرات الملاهي في النهاية، لا تختلف عن (السيميولاتور) أو (مسرح المحاكاة) الذي تدخله في دريم بارك أو ماجيك لاند. معظمنا رأى السيميوليتور ولم يتكلم قط عن سيناريو وتصوير وإخراج الفيلم المصاحب له؛ لأن المؤثرات هي الهدف

لهذا عندما عرضت الأفلام المجسمة في مصر في سينما ريفولي، ورأينا (بيت الرعب المجسم) و(هجوم على المتفرجين) و(الأطفال الجواسيس)... إلخ.. لم تكن أفلامًا جيدة على الإطلاق. كانت القصة مجرد ذريعة مصممة بعناية بحيث يقذف الأبطال أشياء على الجمهور طيلة الوقت، وتنفجر النيران أو المياه في وجوههم. بالتالي هي مجرد فقرات ملاهٍ لا أكثر، دعك بالطبع من الصداع الذي يهشم رأسك طيلة اليوم التالي

فيلم (أفاتار) ثلاثي الأبعاد.. وقد نجح بالفعل في أن يأخذك من يدك ليلقي بك في قلب هذا العالم الغريب (بندورا). أعتقد أن الأبعاد الثلاثية كانت موفقة جدًا خاصة مع شريط الصوت الممتاز. في بعض المشاهد كنت تسمع الأصوات من خلف كتفك، وكانت السهام تضرب سقف السينما. لكن هذا يعني كذلك أنه لا وجود له بعيدًا عن شاشة السينما.. سوف يتلاشى ويضمحل.. لا يمكن أن تراه في التليفزيون؛ لأنه سيبدو أضعف من أية حلقة من مسلسل ستار تريك



ثانيًا: قصة الفيلم ليست خارقة وليست تحفة فنية. قصة بسيطة جدًا اشتقاقية تذكرك بعد دقائق بـ(يرقص مع الذئاب). جندي أمريكي مارق يتعرف حياة البدائيين فيكتشف أن لهم حضارتهم الخاصة الثرية، وأنهم ليسوا بالتخلف الذي حسبه، ويتعلم الكثير جدًا منهم. بعد قليل يقع في الحب مع واحدة منهم، وفي النهاية يحارب قومه معهم.. هناك عملية جلد ذاتي للعسكرية الأمريكية ولربما تذكرنا بالعراق وأفغانستان إلى حد ما، مما يضفي على الفيلم لمسة سياسية لا بأس بها، لكن يجب الاعتراف بأن هناك الكثير من المباشرة في الحوار.. "أصحاب الأسهم يكرهون الموت والدمار، لكنهم يكرهون هبوط الأسهم أكثر".. هناك الكثير من مادة نسيت اسمها تحت الشجرة الأم لذا لا بد من تدميرها غير مبالين بمشاعر هؤلاء. والجنرال فظّ بطريقة مبالغ فيها يقف في الطائرة المهاجمة يشرب القهوة ويتلذذ بالقصف و(أول دورة كئوس الليلة على حسابي).. حوار مباشر جدًا يذكرني بالمسرحيات الوطنية التي كانت توزّع مع مجلة بناء الصين: (أنا شرير ورأسمالي لذا أحارب البروليتاريا وقوى الشعب العاملة البطلة)ـ

من أجل هذه النقطة بالذات لم يكن الكل سعداء بالفيلم، وعندما تراقب وجوههم بعد العرض تشعر بأنهم خدعوا بشكل ما، وهذا يقودنا لاستنتاج مهم هو أن الناس تتفاوت في تقييم التجربة البصرية.. هناك من يضعها في المقدمة، وهناك من يضع القصة في المقدمة

ثالثًا: الفيلم يثير قضية أخلاقية مربكة نوعًا.. هل بطل الفيلم يعتبر بطلاً فعلاً؟ وبأية مقاييس؟ مقاييسنا أم المقاييس الفضائية؟ لقد حارب قومه وأحرق طائراتهم، فلماذا لا نعتبره خائنًا؟ وهل مفاهيم الإنسانية تسري على أهل ذلك الكوكب وهم ليسوا بشرًا أصلاً؟ عندما تشاهد الفيلم ستكون الإجابة محسومة في صالح أهل الكوكب، لكن هل الأمور بهذا الوضوح دومًا؟ لو كلف طيار عربي بقصف مدينة إسرائيلية، فهل من الطبيعي والمستحبّ أن يتمرد ويقتل زملاءه العرب؟



رابعًا: جرعة الإبهار البصري في الفيلم لا تصدّق ولا يمكن وصفها أو التعبير عنها. لن تصدق أن هذا قد تم عمله في الاستديو وأن هناك بشرًا وراء هذا كله. كل عود نبات وكل شظية مشتعلة وكل بتلة زهرة تحت السيطرة الكاملة وعوملت بعناية تامة. إن الفيلم قد حرّك سقف الإبهار البصري إلى آفاق جديدة بحيث تزداد المهمة صعوبة على القادمين بعده، وهي مشكلة حقيقية؛ لأن هناك لحظة لن يستطيع فيها القادمون إضافة جديد وعندها يعلن الناس سأمهم. لو قدم فيلم (ماتريكس) اليوم لبدا لمن رأى أفاتار تافهًا بدائيًا. إن المشاهد يتحول بالتدريج إلى طفل مدلل رأى كل شيء ولا يمكن إبهاره أبدًا. بشكل خاص انبهرت بمشهد الليلة الأولى للبطل على الكوكب عندما هاجمته الوحوش، وعندما اكتشف أن كل النباتات تضيء ليلاً، وركوب ذلك الديناصور المجنح في السماء، والغارة الجوية الضخمة الأخيرة، كما أن الاتصال بكل الكائنات عن طريق الضفيرة العصبية التي تخرج من الرءوس كان ساحرًا

الخلاصة بعد كل هذا الكلام المتضارب
الفيلم تجربة بصرية بالغة الثراء. لو كنت تنوي مثلي الاكتفاء بهذا والاستمتاع برحلة في صاروخ الملاهي تنقلك إلى كوكب آخر كل شيء فيه غريب، فلا تتردد لحظة.. الفيلم قد صُنع من أجلك. أما لو كنت من هواة القصص المحبوكة ومن سرق المستند مِن مَن، ومن يخبئ الميكروفيلم في ضرسه، فالفيلم لا يناسبك، ومن الأفضل أن تحتفظ بالخمسة والأربعين جنيهًا، الحبيبة في جيبك؛ لأنها لن تعود للأبد

Tuesday, December 15, 2009

فى غير حالة الخطر



spc

منذ أسابيع تعطل مترو المرج حلوان في محطة طرة البلد، لأن مواطنًا مستهترًا قام بشد فرملة الطوارئ. الفكرة هنا أن باب المترو انغلق علي قدم زوجته الحامل - زوجة الرجل لا المترو طبعًا - وبدأ يتحرك وجسدها يتدلي من المترو، مما دفع الرجل إلي هذه المخالفة الخطيرة. الخبر يؤكد في فخر أن الشرطة قبضت علي الرجل وتم تحويله للنيابة التي لم تعطه وسامًا لسرعة بديهته وحسن تصرفه، ولكنها اتهمته باستعمال الفرملة في غير حالة الخطر!. هذا ببساطة يعني أن الحكومة لا ترى خطرًا في أن تسقط أم وجنينها تحت عجلات المترو، فنحن تجاوزنا الثمانين مليونًا والعدد في الليمون .. فلتأخذنا مصيبة إذن. كل هذا جميل ومفهوم

أتكلم طبعًا باعتبار أن الخبر صحيح ونقل بأمانة. أحيانًا يتم نقل الخبر بطريقة تزيد الطين بلة، وإنني أتذكر خبرًا نشر منذ أعوام في صحيفة قومية؛ عن القبض علي اثنين من المتطرفين حاولا تكوين تنظيم سري، فقال المحرر، لا فض فوه بالحرف: «بالقبض على الرجلين تبين أنهما يأمران بالمعروف وينهيان عن المنكر، وتم تحويلهما للنيابة !». لو كنت مسئولاً حكوميًا لحولت المحرر العبقري للتحقيق لأنه أساء للنظام أكثر من ألف جريدة معارضة

نفترض إذن أن الخبر صحيح .. لكن السؤال الحقيقي هنا هو: ما الذي تعتبره الحكومة خطرًا فعلاً؟.. سقوط أم وجنينها تحت العجلات ليس خطرًا، فمتي يبدأ الخطر ليعرفه المواطن الصالح ؟ . وما نفع الفرملة إذن ؟.. أم هي عهدة تسلمتها الهيئة مع القطار الفرنسي ولم تجرؤ على نزعها؟

تعال نقرأ معًا أجزاء من خطاب كتبه لي «أ. ج» طالب الهندسة السكندري، ويحكي فيه عن موقف آخر لا تراه الحكومة خطرًا: مساء يوم الاثنين الموافق 30 نوفمبر 2009، اتجهت برفقة ثلاثة من أصدقائي لنستقل الترام من محطة الإبراهيمية للذهاب إلي سان استيفانو، واستقللنا العربة رقم 221 خط رقم واحد (باكوس) نحو الساعة التاسعة مساء

وبمجرد ركوبنا الترام لاحظنا وجود نحو 20 شابًا تتراوح أعمارهم بين 14 و19 سنة - من الذين لا يظهرون سوي في المواسم والأعياد ولا يفعلون أي شيء سوي قلقلة الأمن العام- يقومون باستمرار بقذف زجاج السيارات المركونة أو السائرة بالقرب من الترام بالحجارة متوسطة الحجم، وقاموا بكسر وتدمير زجاج ما يزيد علي 15 سيارة، ولم يحرك أحد ساكناً من ركاب العربة أو الكمساري الذي يظهر علي وجهه الجبن الشديد والذي كان مسئولاً عن العربة، ولم يحاول أحد منا أنا أو أصدقائي الاحتكاك بهم بسبب عددهم واحتمال وجود سلاح معهم

لكن اختلف الأمر عندما وجدنا أن بحوزتهم ألواحاً كبيرة من الخشب، يقومون بضرب المارة السائرين إلي جانب الترام بها من شبابيك وأبواب الترام أثناء سيرها، وقاموا بضرب الكثير من الناس بعنف، ومن ضمنهم كانت امرأة تسير قرب الترام وتحمل طفلها علي يديها

اتجهت إلي الكمساري بغيظ وسألته عن رقم العربة التي نستقلها وأخبرته أنني سأتصل بشرطة النجدة وأبلغهم بما يحدث، فأخذ يصرخ بكل ما أوتي من قوة لكي يصل كلامه إلي مسامع هؤلاء البلطجية «بلغ البوليس مش هيعملولك حاجة!!» ولم أعلم ما حكمته في هذا الصراخ سوى أنه لفت نظرهم لأنني قررت الاتصال بالشرطة !! كأننا فتحنا أبواب الجحيم، أخذوا يضربوننا بألواح الخشب المدججة بالمسامير ثم توقف الترام تماماً بين محطتي باكوس وصفر، ونزلوا منها جميعاً وأخذوا يقذفوننا بالحجارة، وجري كل من في العربة واختبأ تحت الكراسي لكي لا يصاب أحد، وأصيب صديقي في يده من أحد ألواح الخشب وكدنا نصاب في رؤوسنا بالحجارة أكثر من مرة لولا العناية الإلهية

ثم وقفوا جميعاً أمام الترام وامتنعوا عن التحرك إلا إذا نزلنا لهم، فوجئنا حينها بأغرب ردود الفعل، وجدنا السائق ترك مكانه في العربة الأولي (كنا مستقلين العربة الثالثة والأخيرة) ونزل وصعد إلي عربتنا، وأخذ يعنفنا ويصرخ فينا ويطالبنا بأن ننزل من العربة حالاً لكي يتمكن هو من التحرك، وإلا علي حد قوله، إن لم نفعل ذلك فإنهم «سيقومون بتكسير عربته تماماً»!!!ـ

فلننزل ونُقتل ولا يهمه سوى عربته!! وعندما رفضنا النزول حاول خداعنا بقوله إنه يريد منا أن ننزل لكي نركب معه في مقصورته حماية لنا، ونحن نعلم جيداً أنه لا يريد سوى التخلص منا ليهرب بالترام ويكمل طريقه

صرخ فيه جميع من بالعربة حينها، أن يتركنا وشأننا ويتحرك، وقتها كنت قد تركته يصرخ وقمت بالاتصال بشرطة النجدة، رد عليّ شخص ما لا أعلم إن كان بطيء الفهم أم أنه يدّعي الغباء، قمت بشرح الموقف ووصفه وقلت له مكان توقف العربة أكثر من 5 مرات وهو يعيد نفس أسئلته أكثر من مرة، فاضطررت لإنهاء المكالمة. أخيراً بدأت العربة بالتحرك. بعد انصرافهم وتحرك الترام اتجهنا وجميع الركاب إلي الكمساري وأخذنا في الصراخ أن هذه مسئوليتهم أن يوفروا الأمن للركاب، فقال لنا ما معناه أنهم طلبوا من الهيئة من قبل أن توفر أمنًا خاصًا بالهيئة أسوة بهيئة السكة الحديد لكنهم رفضوا الفكرة لتوفير النفقات، ولأن تلك الممارسات لا تحدث سوى في الأعياد والمواسم فقط ولا تستدعي الاهتمام نهائياً !!ـ

فقلت له ولماذا لا تحاول إبلاغ الشرطة؟ قال لي: «يا ابني الشرطة في أجازة كلهم دلوقتي، انت لما كلمتهم حد اهتم؟؟ أنا بقالي خمسة وعشرين سنة شغال علي الخط ده وكل مره بتحصل الحاجات دي ولا حد بيهتم، وأنا ماليش دعوة بالناس دي أنا عندي عيال!!ـ

هذا هو ما حدث معنا، في الأسكندرية في مصر، وليس في السودان، فهل سيهتم بنا أحد؟؟ أم أن الاهتمام كله من نصيب مطربينا وأعضاء الحزب الوطني الذين أهينوا في السودان بينما نحن في الأصل لم يكن لنا أي قيمة داخل بلدنا؟

بلطجة العيد المعروفة، والسلوك الجماعي العدواني الخارج علي القيود، وربما المخدرات كذلك .. كل هذا لا تراه الحكومة خطرًا

يوم 21 نوفمبر يحاول عامل بشركة أتوبيس غرب الدلتا الانتحار بالوثب من فوق برج التقوية، لأنه يتقاضي 170 جنيهًا بعد 13 عامًا من العمل، ولم يتحمل كبرياؤه أن يعجز عن شراء كيلو لحم لأسرته في عيد الأضحى. لم يتراجع إلا بعد وصول المحافظ لسماع شكواه. هذا الحظ الحسن لم يستمر حتي يوم 3 ديسمبر، حيث نعرف من الصحف أن ثلاثة شبان انتحروا في يوم واحد بسبب الفقر.. الأول عامل من دكرنس تزوج ولم يستطع أن يجد عملاً أو يستقل عن أسرته، وهكذا دخلت زوجته لتجده معلقًا بحبل. عاطل آخر ألقى بنفسه من الطابق الرابع في كفر الشيخ .. السبب ببساطة أن دخله 400 جنيه يدفع منها 300 جنيه إيجارًا لشقته. وفي الشرقية يفضل شاب ثالث - أكبر إخوته - أن يشنق نفسه لأن خطبته مهددة بالفسخ بعد فشله في العثور على شقة

كل هذا ليس خطرًا .. الأمور تحت السيطرة، ومن ضمن الأمور المطمئنة، كذلك لا ننسى قصة الطفلة مريم التي ترقد الآن في غيبوبة بسبب اللودر .. لا .. لم تقف أمام اللودر محاولة منعه من هدم منازل الفلسطينيين علي طريقة الأمريكية (راشيل كوري)، لكن اللودر اقتحم بيتها بلا إنذار، وهدم البيت علي رأسها، وهو بهذا يبرهن علي أن المصريين أشد كفاءة وحزمًا من الإسرائيليين (الخرعين) الذين يهددون بالهدم أولاً

إذن ما الخطر بالضبط ؟... وما الذي يجعل الدولة تهب في حزم لتهوى بقبضتها ؟.. أنا أسأل بأمانة لأنني مواطن صالح، أكره أن أزعج الدولة لسبب تافه. هل الخطر هو مائة شاب نحيل بنظارة يقفون علي سلالم نقابة الصحفيين ؟ أم هو البرادعي أم ماذا بالضبط؟

Monday, December 14, 2009

مثل الجذمور بالضبط - ما هو الأدب؟ - 2



spc

أحيانًا يتم الاحتفاء الحماسي بأديب شاب يتحسس طريقه في عالم الأدب، وهذه علامة صحية بلا شك. أذكر ندوة أقيمت في مصر لأديبة خليجية شابة، حضرها أنيس منصور ونخبة من النقاد والأدباء المهمين، والفتاة في السابعة عشرة من عمرها تكتب كلامًا فارغًا كالذي تكتبه أية طالبة ثانوي في آخر كراساتها، حتى توقعت أن أجد بين أشعارها (الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان) أو (الخط خطي ودمعي يسيل على خدي)، لكن هذا الرأي المتعصب لم يكن رأي السادة الذين حضروا الندوة، والذين تحدثوا عن ثورة جديدة في الأدب، وكيف أن كتاباتها ذكرتهم بماريا الأديبة الروسية العبقرية الشابة (لم يقولوا إنها ماتت في سنها!)ـ

قال لي أحد أصدقائي مازحًا: لو أنك أديب واعد من قرية (خارصيت) مركز الغربية، تدون أعمالك بالقلم الرصاص في كراسة مدرسية عتيقة من التي كتب على غلافها الأخير (كنظام)، ولديك بيجامة كستور مخططة.. فهل تتوقع أن يهتم بك أحد أو يقرأ لك حرفًا؟.. ولماذا يصعب أن تقام هذه الضجة على كتابات أديبة قبيحة أو فقيرة إلا فيما ندر؟..  أترك لك الإجابة، ونعود إلى موضوع الجذمور

سألني بعض الأصدقاء عن معنى (الجذمور) فقلت لهم: إن موقع (بص وطل) نشر صورة ممتازة مع المقال السابق؛ لكنك على كل حال تذكر الجذمور لو كنت تذكر (الرايزومات) من حصة الزراعة أو حصة الأحياء، وهي ساق النبات الأفقية تحت الأرض التي تنمو منها عقد وسوق جديدة.. هناك نظرية نقدية كبرى هي نظرية الجذمور، وبرغم هذا ما زال الموضوع يحتاج إلى عبقري ليفهم معنى هذا الكلام



قال د. علاء الأسواني في حوار سابق: إنه كلما أقبل الناس على كاتب ما استفز هذا الأدباء الآخرين الذين اعتادوا الجلوس على المقاهي ولوم جهل الجماهير؛ فهذا يزلزل الحقائق ويحرمهم لذة الاستشهاد، لذة الشعور بأنهم نحتوا القوافي من مقاطعها فلم تفهم البقر

في عصور ضعف الأدب ينتصر الغموض، وتكون هناك خلطة قوية الرائحة تخفي أن الطعام فيه لحم فاسد أو لا لحم على الإطلاق. أضف لهذه الخلطة الكثير من التحذلق والغموض والتعالي والقرف والاشمئزاز من سطحية القراء، ولسوف تعبر.. تعبر إلى المقهى الذي يجلس فيه الأدباء المشمئزون.. جنة الميعاد

قرأت لأحد الأدباء مقالاً ينعي فيه عصر الجهل الذي نعيشه نتيجة التجارب التي جسّدت الارتداد بالرواية مرة أخرى إلى عصر الحدوتة، ولاقت جماهيرية جعلت البعض يتصورون أن هذا انتصار للخفة. وهذا هو مقياسهم الذي لا يحيدون عنه: الرواية التي تروق للناس وتجدها في يد الجميع عمل سطحي فاشل.. مصيبة لو كانت الرواية مسلية أو جعلت القارئ يتساءل عما سيحدث بعد ذلك. لابد أن تكون الرواية عذابًا مقيمًا مستحيل الفهم وإلا فهي فاشلة، ومهمة الأديب المقدسة هي أن يصل بالقارئ لحالة من العجز التام عن فهم ما يقرأ. طبعًا ليس الرواج دليلاً على شيء وإلا لكان شعبان عبد الرحيم أنجح مطربي مصر؛ لكن هناك حلولاً وسطًا، وأنا لم أر عملاً مملاً عسير الفهم ليوسف إدريس أو نجيب محفوظ أو تشيكوف أو الغيطاني أو إبراهيم عبد المجيد أو المنسي قنديل أو المخزنجي. وماذا عن يعقوبيان التي وقفت وقفة راسخة بين ما هو عميق ومحكم أدبيًا وما هو ممتع للجمهور؟.. في أوساط المثقفين المتحذلقين يعتبر إبداء الإعجاب بيعقوبيان نوعًا من الكفر الصريح

هذا الجدل قائم منذ دهور، والغلبة في النهاية لما هو مفهوم وجميل. وكلنا يعرف محاولات فورستر الجاهدة لتحويل فن الرواية إلى تعذيب للقارئ؛ لدرجة أنه اعتبر فن الحكي من بقايا عادات إنسان الكهف الهمجية؛ بينما ماركيز العظيم نفسه قال: إنه لا يشتهي شيئًا مثل أن يجد نفسه مجرد راو عربي يجلس في الأسواق ويلتف حوله الناس منتظرين قصصه الممتعة؛ فلو لم تكن كذلك لمات جوعًا

لكن كاتبنا الجميل يهوي بسياطه على المجتمع السطحي التافه الذي سيطرت عليه الخرافة، ولم يعد يحترم حرية الفرد و.. و.... ثم في نهاية المقال يبدي دهشته من ركاكة الأفكار عندما تكتب بهذه الطريقة المباشرة!.. يعني هو يطلب المغفرة لأنه تكلم بشكل واضح سلس، ويعدنا بأن نقرأ ذات الرأي بشكل معقد غير مفهوم في رواياته

المشكلة مع هؤلاء الأدباء هي أنهم دومًا عباقرة يكتبون لأبقار؛ فمن هو الرديء فيهم إذن؟ وكيف نعرفه؟.. هناك واحد -سامحه الله- قال يومًا: إن الأبطال يقذفون بالحجارة؛ بينما الورود للموتى، ومن يمش في المقدمة يطعن في ظهره.. إلخ. هذه المقولة أفادت الجميع، وصارت شعارهم.  إذن لن يعرف معدوم الموهبة أنه كذلك أبدًا.. إنه بطل في زمن أشباه الرجال لا أكثر.. لو فشل العمل الأدبي فبسبب مناخ السطحية، وهذا يقود لاستنتاج عجيب هو أنه لا يوجد عمل أدبي سيئ أبدًا

هكذا يذهب الأديب لمقاهي وسط البلد متداعية الجدران ويدخن الشيشة وربما الحشيش، ويشتم الناشر النصاب الذي يزعم أنه لم يبع سوى طبعة واحدة؛ بينما هو حتمًا باع تسعًا.. ومن حين لآخر يقع في يده عمل لأديب من أصدقائه فيقول
"حقيقي ده حد جميل.."
هذه هي طريقة كلام وسط البلد، وعليك أن تتعلمها لو أردت أن تكون شيئًا

يمكنني أن أعرف مسار حياة معظم هؤلاء الأدباء بوضوح تام: ثلاث روايات أخرى ومجموعة قصص قصيرة.. عدة ندوات وثلاثة لقاءات تلفزيونية، وربما بعض المقالات عن (النزعة الإبستمولوجية في أدب كولنز) ومشاجرة أو مشاجرتين على شبكة الإنترنت في موقع لابد أن اسمه (انطلاقة) أو (إبداع)، ثم تتلاشى الفقاقيع، وتبقى كتبه على الرفوف وفي مخازن هيئة قصور الثقافة حيث هي، ولن يذكره أحد لو اختفى عامًا واحدًا عن المحافل التي يحرص طبعًا على الظهور فيها، وما نسميه -نحن سكان خارصيت- بـ (مجتمع الحديقة الخلفية لأتيليه القاهرة). ثم يموت يومًا فلا يلاحظ أحد، ويكتب أحد أصدقائه يلوم وزارة الثقافة لأنها لم تكرم هذا الأديب المهم. قرأت مقالاً لروائي شهير يشيد فيه برواية صديق له، ثم قرأت مقالاً يشيد فيه الصديق برواية لذلك الروائي الشهير. هكذا تسير الأمور في هذا المجتمع المنغلق على نفسه: سوف نقرأ ونناقش ما يكتبه بعضنا لبعضنا ونعجب به، ونحضر حفلات توقيع وندوات بعضنا، ونحتقر القراء والكتاب المفهومين الناجحين، والعيب ليس في القارئ، بل فيمن انتزعوا الأدب من حياة الناس ليضعوه على أعلى رف في المكتبة كما فعل (إليوت) بالشعر. وبفضله -يقول النقاد الغربيون عن إليوت-  صار الناس يخافون الشعر ويكرهونه بعد ما كان سلوى حياتهم ومتعتهم

وبعد..

ما هو الأدب؟
أعترف بأنني ضائع ولم أعد أتبين طريقي وسط هذا الضباب، برغم أن الطريق كان واضحًا تمامًا منذ عشرين عامًا

لكني من حين لآخر أعود ليوسف إدريس ومحفوظ وتشيكوف ودستويفسكي وسومرست موم وديكنز ويحيى حقي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل لأسترجع تلك الجذوة المقدسة، ولأعرف معالم الطريق الذي يوشك أن يضيع، بنفس المنطق الذي تبحث به عن العلامات البيضاء في وسط الطريق لتتقي (الشبورة). سأكتب ما يروق لي وأدعو الله أن يروق للقارئ، وليقل من يشاء ما يشاء، حتى لو بحثوا في كتاباتي عن الجذمور فلم يجدوه.. لقد وجد الأدب قبل الجذمور، ومن الواضح أنه سيبقى من بعده

Tuesday, December 8, 2009

مثل الجذمور بالضبط - ما هو الأدب؟ - 1



spc

ما هو الأدب؟

كنت أعتبره نشاطًا بشريًا يبعث النشوة والصفاء في النفس، ويزيد من فهمك للكون وتذوقك للجمال، وهذا النشاط مغروس في الفطرة البشرية؛ وإلا فلماذا يحتشد بدائيو أستراليا أو رجال قبيلة الكيكويو حول الراوي ليلاً ليصغوا بعيون متسعة إلى قصصه الساحرة؟ لماذا التفّ العرب حول أصحاب المعلقات في سوق عكاظ؟ ولماذا أنشد الفلاح البريطاني الساذج المصاب بالتيفوس تلك البالادات؟ ثمة حاجة لدى البشر تفوق المأكل والمشرب والجنس هي الحاجة إلى الفنون الجميلة، وإشباع حاجات المأكل والمشرب والجنس لا يكفي لوأد هذه الحاجة

كنت أحسب هذا الأمر بديهيًا لكن الأمور تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم؛ بحيث لم أعد أعرف بالفعل ما هو الأدب

جلست ليلاً أكتب بعض الشعر المنثور، فكتبت هذه الكلمات

حزين أنا متفرد في كآبتي واغترابي
قصدت الليل أسأله عن لغز الدمع إذ يتجمد في الأحداق
قال الليل: الدمع طلسم مقدس
لا تسل دموعي التي أذرفها مع الندى في الصباح
فلتسأل الأيك
ذهبت إلى الأيك أسأله عن ضريح الهمسات
فقال الأيك: أنا مغرم بعشق عمره مليون عام
فلتقصد الشلال تسأله فهو بالعشاق أعلم
ذهبت إلى الشلال أسأله عن مثوى قصص الحب الصريعة بنصال النهار
قال لي: وقعت في غرام جدول.. ذبت فيه وذاب فيّ
فلتسأل العاصفة
ذهبت للعاصفة.... إلخ

راق لي ما كتبت جدًا.. يبدو لي كأنه تلك القصيدة التي لم يكتبها طاغور؛ جو كوني رقيق يبدو أعمق مما هو فعلاً. نمت راضيًا عن نفسي، على أن أستكمل القصيدة صباحًا، ثم صحوت في الصباح وأعدت قراءة القصيدة

ما هذا الهباب؟ هذه لعبة سهلة جدًا مكشوفة جدًا وقريبة من الأسطورة الصينية الشهيرة: ذهب للبحر وقال له: هل أنت أقوى؟ فقال: بل الريح أقوى؛ لأنها تعبث بي.. ذهب للريح وسألها: هل أنت أقوى؟؟ قالت: بل الإنسان أقوى؛ لأنه يحتويني في رئتيه... إلخ

بل هي كذلك تذكرك بقصة الأطفال الممتعة التي حكتها لنا أبلة منيرة في مدرسة الإصلاح الابتدائية، عن الفأر الذي قطع القط ذيله.. القط يريد لبنًا ليعيد الذيل. اللبن عند البقرة.. البقرة تريد برسيمًا.. البرسيم عند الفلاح.. الفلاح يريد خبزًا.... إلخ
لعبة سهلة جدًا ويمكن أن أكتب لك مائة سطر من هذا الهراء.. ربما لو كنت مدمنًا للحشيش وحصلت على تموين كافٍ منه لكتبت مائتي سطر

إن الأدب فن شديد التعقيد والمراوغة بالفعل.. من السهل أن تخدع المتلقي ليعتقد أنك أعمق مما تبدو عليه، ولعل الفن الوحيد الذي أفلت من هذه الدائرة هو الموسيقى.. فقط في الموسيقى ينكشف ضحل الموهبة على الفور. الرسم؟ بالطبع لا.. تذكر أن لوحات فاروق حسني تباع بالملايين وهي عبارة عن لطخ من اللون الأصفر جوار الأحمر والأزرق، حتى قيل إنه صار وزيرًا كي يكتشف الناس كم أن لوحاته رائعة

أما عن الأدب الأنثوي فقضية أخرى ليس هنا مجال الثرثرة فيها. الأدب جيد ورديء ولا أعرف طريقة أخرى للتقسيم. لكن المرأة ابتكرت الأدب الأنثوي وهو تلك الكارثة التي تتوقف في حلقك كلما قرأت لكاتبة أنثى. الكاتبات اللاتي نسين أنهن إناث وكتبن أدبًا إنسانيًا خالصًا فتح الله عليهن، واقتربن من القمة.. اقرأ لرضوى عاشور أو إيزابيل اللندي أو حتى ج. ك. راولنج وستيفاني مايرز ولسوف تتقطع أنفاسك انبهارًا. لكن كثيرات ظللن في ذلك الخندق العميق: كراهية الرجل.. الفكر الذكري المسيطر على التاريخ وربما الدين.. التمرد على القبيلة.. عار الأنوثة.... إلخ

بصراحة هذا الجو قد بلي تمامًا منذ الستينيات عندما كانت فرنسواز ساجان هي قشدة الطبق، ومع الوقت صار خارج الزمن والواقع، وعليهن أن يبحثن عن صيغة جديدة

وتتأمل عناوين رواياتهن أو دواوينهن فتجد في كل سطر لفظة الجسد.. جسدي.. أجساد.. مش معقول!.. لو فكرت بشيء من الهدوء لأدركت أنهن لا يفكرن سوى في الجنس ولا ينوين الخروج من خندقه اللزج، برغم أنهن لا يكففن عن اتهام الرجل بأنه كذلك

حضرت ذات مرة ندوة وقفت فيها شاعرة شابة تلبس بلوزة تكشف عن نصف صدرها مع سروال ضيق لو لم يكن ملونًا لحسبته غير موجود، وكانت ملطخة بالماكياج كالهنود الحمر، هستيرية تمامًا وتصرخ بعصبية
      
ـ "الرجل مصرّ على أن يعتبر المرأة وليمة في فراش!"ـ

نظرت للجالسين وأقسمت لنفسي أن هذا العرض الرائع جعلهم جميعًا يفكرون في موضوع الفراش هذا، وقد بدأ يروق لهم. طيب.. هل يجب أن يكون الرجال بلا هرمونات كي ينالوا رضاكِ؟.. ولماذا لبستِ بهذه الطريقة؟.. أم هو نوع مِن الامتحان لهم لتري إن كانوا رجال كهف أم لا؟

أنت قدمتِ نفسك كأنثى لا كعقل.. وبالتالي لا تلومي من يتعامل معك كذلك. وقد علمتني الخبرة أن هذا النوع من الأديبات اللاتي لا يفكرن إلا في الجنس، يقابلن دومًا الرجل الذكي الذي يتظاهر بالفهم والرقي، وبأنه يختلف عن كهنة القبيلة، إلى أن يظفر بما يريد.. بعدها يتخلى عنها لأنها هستيرية مملة، وتعود هي لدائرة الغضب واحتقار الرجل وتكتب أكثر

المشكلة الأخرى في رأيي هي النقاد.. إنهم علماء نبات وخبراء في تشريح الزهرة واستخراج الطلع والأسدية وتقطيع الساق إلى شرائح رقيقة تحت المجهر؛ لكن لا أحد يتحدّث عن جمال الزهرة أو عطرها، والنتيجة هي أن أحدًا لم يعد يلاحظ إن كانت الزهرة في النهاية جميلة أم لا

يكفي أن تكتب كلامًا غير مفهوم يوحي بالعمق، وتبحث عن ناقد يصف ما كتبته بأنه (إرهاصات هي إفراز للكوزموبوليتانية، تعمد إلى تفتيت النص إلى وحدات تعكس روح ما بعد الحداثة)، فقد تم تعميدك وصرت أديبًا.. هل تكتب كلامًا جميلاً يبعث النشوة في النفس أو يدفع للتفكير؟... هل يفهمك من يقرأ لك؟.. لا أحد يذكر ذلك

تأمل هذا الكلام الذي يزف لنا صدور ديوان شعر لشاعرة مغربية.. والله العظيم لم أعبث بكلمة واحدة سوى حذف ما قد يشير لاسم الشاعرة: "تكمن قوة هذا الديوان وجِدّته في اشتغاله بلغة جذمورية بكر تُوسع أفق الوجود، وتسرد مكنونه بأشكال سردية شبيهة بالألياف الملتوية على سِرّ المعنى... فلغة الشاعرة -الحاملة للتغير والمنسكبة في ألياف سردية- لا تسير وفق نظام هندسي مُحكمٍ ومغلق ومتكامل؛ بل هي صورة العالم نفسه الذي لا تنتهي غرائبه، مثلها مثل الجذمور... وهذا ما يجعلها لغة ماكرة تتخفَّى دلالاتها تحت أقنعة شتى؛ فالحقيقة لدى الشاعرة؛ لا تقاس بالتشييدات الرمزية لها؛ وإنما بالقياس إلى الوجود، والوجود سرديّ في أكثر تفاصيله. من ثمة كان السرد في كل نصوص ديوانها هذا علامة فارقة مزهرة في منطقة المجاز؛ لأنه يقدم رؤية ذاتية وفكرية وتخييلية للشاعرة، تمارسُ التوتر الحادث بين اللغة والخيال"ـ


مثل الجذمور بالضبط

طبعًا.. هؤلاء سادة مثقفون لا يجب أن يقولوا كلامًا مفهومًا. ربما كان كلام الناقد متحذلقًا وكانت الشاعرة مبدعة فعلاً.. تعال نطالع بعض قصائدها خاصة تلك التي اختارتها لتضعها على الغلاف الخلفي للديوان باعتبارها درة الديوان وعروسه

ـ"مَرَّتْ بِي وَأَنَا أَهُمُّ بِالصَّلَاةِ
 فِي أَلْيَافِ اُلْمَاءِ
صَحْوَتُهَا قَدَحٌ يَكْتُبُنِي
شَهْوَةً لِفِتْنَةِ اُلَّليْلِ
كَانَ خِصْرُهَا جَدْوَلًا يَسْتَنْفِرُ اُلْأَحْزَانَ
وَصَدْرُهَا نَخْلَةً تَسْقُطُ بَيْنَ مَدَائِنِ اُلْوَطَنِ.
اُتَّكَأْتُ علَى لَغْوِهَا
أَتَأَمَّلُ خَمْرَتَهَا اُلْمُنْسَابَةِ مِنْ وَثَنِيَّةِ اُلْهَوَى
هَبَطَتْ فِي أَغْوَارِ اُلْإِشَارَاتِ
قَالَتِ - "اُقْتَرِبِي" وَقَهْقَهَتْ كَغَانِيَةٍ أَسْكَرَتْهَا هَمَسَاتُ اُلْعُشَّاقِ!!"ـ

لا تقل إن بوسعك كتابة هذا الكلام بإصبع قدمك.. ليس الأمر بهذه السهولة، ومهما حاولت لن تنجح؛ لأنك تحتفظ ببعض الصدق والحساسية. والله العظيم هؤلاء القوم عباقرة فعلاً.. عباقرة عندما قرأوا، وعباقرة عندما نقدوا، وعباقرة عندما كتبوا هذا الكلام الذي لا أستطيع كتابة ثلاثة أسطر منه

ماذا قدّمه ديوان كهذا للناس وللمجتمع ولحركة الفكر؟.. المزيد من التحذلق والادعاء لا أكثر، وكما يقول د. جلال أمين؛ فإن هناك رجال دين مزيفين يزعمون اتصالهم بالإله لتحقيق مكاسب دنيوية، وهناك أدباء مزيفون يزعمون اتصالهم بربات الفنون لتحقيق مكاسب أخرى. الإله يقول نعم.. الإله يقول لا.. تذكر أن ساحر القبيلة لم يكن يُجيد الصيد ولا القنص ولا الزراعة ولا القتال.. لا يستطيع عمل وعاء من خزف، ولا يستطيع الإمساك بثور أو العناية بالماشية.. هكذا يقرر أن يصير سيد الصيادين والمحاربين والمربين والخزافين.. إنه على اتصال بالآلهة ويعرف كل الأسرار

وللجذمور... أ... أقصد للحديث بقية

و تبدأ الدورة من جديد



spc

عندما اقتحمت الطائرتان برجي مركز التجارة العالمية أمام عيوننا في يوم الثلاثاء الشهير، كانت مذيعة قناة الجزيرة تحاور الرائع (حافظ الميرازي)، وكانت تتمسك باحتمال واهٍ أن من فعل هذا من الجيش الأحمر الياباني. قال لها: «أدعو الله أن يكون هذا صحيحًا، وإن كانت الفرصة شبه معدومة، فالأرجح أن يكون الفاعل طرفًا عربيًا أو إسلاميًا»ـ

تذكرت هذا الموقف من جديد عندما أذاعت الفضائيات أن جنديًا أمريكيًا في قاعدة فورت هود العسكرية بولاية تكساس أطلق الرصاص علي زملائه فأردى 13 منهم وأصاب 31 آخرين. قلت لنفسي إن هذا الحدث يتكرر مرارًا في الولايات المتحدة علي كل حال، حيث اقتناء السلاح واستعماله جزء مهم من الثقافة الأمريكية، ومن رأوا فيلم مايكل مور الجميل (لعب البولنج من أجل كولومبين) يعرف هذه النقطة جيدًا. يبدو من الأحداث اليومية المعتادة هناك أن يقتحم التلميذ مدرسته ليمطر زملاءه بالرصاص، أو يدخل موظف البريد المكتب ليفتك بزملائه ومديريه، حتي إن الأمريكان ابتكروا فعلاً جديدًا يعبر عن هذا العمل
To go postal
أي يتصرف كموظفي مكاتب البريد المخابيل، أو (يجن) ببساطة. في يوم 6 مايو 1993 وقع حادثان منفصلان في مكتبي بريد متباعدين. هناك مصطلح آخر هو آموك
Amok
 وهو مصطلح ذو أصل هندي يدل علي الفيل الهائج الذي يدمر كل شيء

هكذا نسيت الأمر برمته إلي أن تبينت تفاصيل الحادث.. القاتل طبيب نفسي من أصل أردني هو الميجور نضال مالك حسن الذي كان يعالج الجنود الذين جرحوا في حروب بالخارج. لا بأس .. برضه لسه (آموك) .. في النهاية هو مواطن أمريكي يجن كأي مواطن أمريكي آخر. بعد فترة أخرى قالوا إنه كان ذا ميول دينية واضحة وكان يلبس ثيابًا ذات طابع باكستاني، وقيل إنه أطلق الرصاص وهو يصرخ (الله أكبر). ليس آموك للأسف

التقط الكرة علي الفور أمثال المبشر الأمريكي برايان فيشر ليقول في غطرسة في برنامجه (النقطة البؤرية) إن الوقت قد حان لمنع المسلمين من دخول الجيش الأمريكي. إنهم لا يمتون للبلد الذي يعيشون فيه، بل هم مسلمون فقط، وهو ما قاله هتلر عن اليهود في الثلاثينيات عندما قال إنه لا يوجد يهودي ألماني ويهودي روسي .. كلهم جنسية واحدة اسمها (اليهود). يقول فيشر إن المسلم المتدين حقًا هو الذي يؤمن بأن عليه قتل الكفار. عندما يقتل مسيحي الناس فلأنه مسيحي سيئ، بينما المسلم الذي يقتل غير المسلمين يبرهن علي أنه شديد الإيمان. لا تثقوا بالقسم الذي يؤدونه قبل الخدمة؛ لأن خديعة الكفار شيء مستحب في الإسلام. يمكن للمسلمين في الغرب العودة للحياة العامة إذا قدموا شهادة تفيد أنهم خالون من الأفكار الجهادية إياها. كيف ؟.. هذه مشكلتهم وعليهم حلها. ويقول بالحرف: «المسيحية دين السلام أسسها أمير السلام، بينما الإسلام دين حرب وعنف أسسه رجل اعتاد أن يقطع رءوس أعدائه، وتزوج طفلة في التاسعة من عمرها، وكون ثروته من نهب القوافل التجارية.......... ما فعله نضال مالك هو أنه قلد حرفيًا رسوله، لذا هو مسلم ممتاز. البرابرة ليسوا علي الأبواب .. إنهم بالفعل داخل الحصن وقد حان الوقت كي يتوقف الجنون»ـ

وفي مقال آخر يقول إن المسلم المؤمن لا يمكن أن يكون مواطنًا أمريكيًا . إن قيم الإسلام تتناقض علي طول الخط مع القيم الأمريكية التي أسسها المسيحيون واليهود. مؤسسو أمريكا عبدوا الرب المذكور في التوراة.. أبا يسوع المسيح، بينما المسلمون لا يفعلون ذلك، لذا فأية محاولة لادعاء أنهم يعبدون ذات الإله باطلة. باختصار لا يمكن للمسلم أن يصير أمريكيًا طيبًا إلا بالتخلي عن الإسلام

قال هذا الكلام في مقالاته وفي لقاء تليفزيوني دار معه، بينما محاوروه المسلمون يؤكدون أن الإسلام ليس كذلك .. هذه هي الحقيقة، لكن عم تنم أفعال المسلمين ؟

أما عن الصومال فموضوع يطول الكلام فيه .. لا أحد يفهم أي شيء مما يدور هناك بعد جهادهم الطويل، والجندي الأمريكي الذي جروا جثته في الشوارع، ولعب الصبية الكرة برأسه و(بلاك هوك داون). رأيت ذات مرة في التليفزيون مجموعة من المواطنين العراة الحفاة (لا شغلة ولا مشغلة) يجلسون أمام القصر الرئاسي الصومالي حيث تدور مفاوضات ساخنة، ثم يعلن أحدهم انتصار المحاكم الإسلامية فيهللون ويتعانقون، وبعد قليل تصل الأخبار أن المحاكم الإسلامية هزمت فيتعانقون ويهللون. ومن حين لآخر يخرج شاويش ذو شارب كث يحمل بندقية آلية وفي عينيه نظرة أمنية مخيفة، فيهللون من جديد. هكذا عرفت أنني لست الوحيد الذي لا يفهم شيئًا. منذ أيام دار احتفال بتخرج دفعة طلاب في جامعة بانادير في تخصصات الطب والهندسة. هذا عيد حقيقي في بلد يعاني الفقر والجهل والمرض .. شباب زي الورد بالأرواب السود والكاب المربع إياه وبهجة عارمة وزغاريد أمهات ودموع الفرح، وهنا .. انفجار مدو ويتحول كل شيء إلي بحر من الدماء والجثث الممزقة .. يموت ثلاثة وزراء هم وزيرة الصحة قمر عدن علي، ووزير التعليم أحمد عبد الله وائيل، ووزير التعليم العالي إبراهيم حسن أدو، مع 18 شخصًا ونرى وسائل الإسعاف البائسة حيث يحملون المصاب علي ملاءة ويجرون في الشوارع .. هل هذا شعب يتحمل الانفجارات والقنابل ؟ وعلي أي شيء يتقاتلون ؟ الفاعل انتحاري تنكر كمنتقبة وتسلل للحفل وفجر نفسه. لا يوجد بينهم إسرائيلي ولا أمريكي واحد، لكن منفذ الانفجار فعل ذلك وهو علي يقين أنه شهيد وأن الحور العين بانتظاره هناك .. ما هو المنطق العبقري الذي يقنعك بأن تقتل صوماليين مثلك ؟.. التفسير الوحيد بالنسبة إليَّ هو أن المنفذ كان سينتحر في جميع الظروف، فقرر أن يجمع بين فائدتي الانتحار والخلاص من خصوم سياسيين. التفسير الآخر الأضعف هو العقاقير علي طريقة جماعة الصبّاح من الحشاشين السفاحين. ألم يقل شهود مذبحة الأقصر إن المنفذين كانت حدقاتهم متسعة وكانوا يلهثون ويصدرون أصواتًا غريبة ؟

في فلسطين كنا نقر الأعمال الاستشهادية ونتحمس لها، والسبب واضح: أنت تقتل أعداءك الذين قتلوا أسرتك، ثم إن ظهرك للجدار ولم يبق في يدك ما تكافح به سوى حياتك ذاتها. لكن ما مبرر تفجير نفسك في حفل تخرج في بلد إسلامي، وما مبرر إطلاق الرصاص علي زملائك في القاعدة الذين أعطوك الأمان ؟

هناك دائمًا تفسير .. لديهم ما يقولون ولديهم من يتحمس لهم ويشتم منتقديهم ويتهمهم بالكفر .. عندما أسرت طالبان الفتيات الكوريات بحجة أنهن مبشرات، لم يقل أحد إنهن اغتصبن مرارًا وإن أمراء الحرب أجروا عليهن مزادات لا تنتهي. الصحف الكورية قالت هذا، وبالطبع كان لدى أمراء الحرب مبرراتهم .. هن سبايا وغنائم حرب .. إلخ .. المقاييس الإنسانية لا تنطبق علي هؤلاء فهن لسن بشريات، والمهم أن نَظلم نحن، بينما نتحدث عن المعايير المزدوجة والغرب الذي لا يقبل الآخر عندما تقتل الشهيدة مروة الشربيني في قاعة المحكمة. وأنا بشكلٍ ما أضع بعضًا من مسئولية دمها علي رءوس هؤلاء المخابيل

ماذا تتوقع من وسائل الإعلام الغربية بعد هذا ؟..ثم تجد من يتساءل: من أين تأتي الاسلاموفوبيا ؟.. لقد فعل المسلمون ما بوسعهم لإقناع الغرب أن الإسلام خطر داهم، وهي حرب لن يربحوها كما لن يربحها الغرب. هذه الأفعال نوع من الحقد علي دول مستقرة بلغت الكمال علميًا واقتصاديًا .. إنه نوع من ضرب الرأس بالحائط غلاً لا أكثر .. سوف تفتح رأسك، لكنها لن تسقط الجدار. تذكر الشماتة والتهاني بعد أحداث سبتمبر وكيف تحولت بكاء وصدمة بعد احتلال أفغانستان والعراق

يسيئون لسمعة الإسلام في كل مكان، ويؤذون المسلمين المعتدلين الذين يحترمون قوانين البلاد التي يقيمون فيها، ويحاصرون الإسلام أكثر فأكثر .. في النهاية - كما يعلمنا التاريخ - سوف يغلبهم الإرهاق ويتعبون فينامون وسط برك الدماء التي أسالوها، وبعد خمسين عامًا سوف يبدءون من جديد قائلين: لقد فشلنا أول مرة؛ لأن إيماننا لم يكن كافيًا. وتبدأ الدورة من جديد كما لم تكف عن الدوران منذ انتهت الدولة العباسية حتى اليوم

Monday, December 7, 2009

فرصة للسلام



spc

رسوم: فواز

صراع طويل بقى له سنين.. في النهاية انتم عندكم أطفال وهما عندهم أطفال.. من حقهم يلعبوا ويروحوا المدارس