قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Tuesday, January 12, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - البحث عن جسر



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

 منذ عام أو عامين طلبت المدرسة من ابني جسرًا .. نعم . أنت لم تخطئ قراءة الكلمة .. طلبوا منه نموذج جسر كشرط للنجاح في مادة المجالات. اقترح المدرس - أو المستر حسب التعديل الأخير - على الطلاب أن يبتاعوا الجسر من مرسم معين حدده لهم بالاسم والعنوان. وقد حاولت أن أصنع الشيء بنفسي في البيت لكن الولد – قليل الأدب – أبدى اشمئزازه من النتيجة وقال إن هذا ليس نموذج جسر، بل نموذج ضفدعة مصابة بسرطان المثانة. هكذا اتجهت إلى المرسم المذكور لأجد رجلاً أصلع راضيًا عن نفسه، يجلس وسط فوضى عارمة ويدخن بكثافة، وحوله عشرات الجسور التي صنعها من الورق المقوى والأسفنج الرغوي، وعرفت أن ثمن الجسر خمسة وعشرون جنيهًا دفعتها في صمت. وفي يوم الامتحان كان الشارع يعج بالطلبة الذين يحمل كل منهم جسرًا لا يختلف عن الذي في يد ابني، وخطر لي مدى سخف هذه الخدعة .. المدرس يعلم جيدًا أن كل هؤلاء التلاميذ ابتاعوا جسورهم من المكان ذاته ، ويعرف أنه ما من واحد منهم ضيع وقته في نهاية العام في صنع جسر معقد التركيب يفوق قدراته كطفل

في العام التالي عرفت من ابنة خاله التي تصغره بعام أن المدرسة طلبت منها جسرًا . هذه المرة الجسر يُباع في المدرسة بعشرة جنيهات لمن يرغب !.. هكذا اتضحت معالم اللعبة .. كل الجسور التي سلمها التلاميذ العام الماضي تُباع هذا العام بسعر أرخص، ويمكنني بسهولة تخيل مدرس المجالات يدخن مع الرجل الأصلع الراضي عن نفسه وهما يقتسمان دخل هذه العملية (تذكر عدد الطلاب المهول) !.. وعلى الأرجح سوف يُباع هذا الجسر العام التالي بخمسة جنيهات

ابنتي مشكلة أخرى لأن مدرستها لا تكف عن طلب هذا الشيء المدعو (نشاطات) .. كأنها لا تفعل أي شيء في البيت سوى تصميم هذه النشاطات، وفي النهاية هم يخدعون أنفسهم أو يخدعوننا لا أدري، لأنهم بالقطع يعرفون أن أولياء الأمور هم الذين يسهرون ليلاً يصنعون هذه الأشياء، أو هم يتوجهون إلى أقرب مكتب لتصميم الوسائل التعليمية لدفع مبلغ لا يقل عن خمسين جنيهًا شهريًا لشراء وسائل جاهزة .. التلميذ لم يتعلم شيئًا جديدًا .. الأبوان أضاعا وقتًا ومالاً ..  لم يستفد سوى المدرس الذي يهمه إرضاء المفتش جدًا، وصاحب المكتب طبعًا

وسط هذه الأزمات الاقتصادية الطاحنة، والجو المكفهر المنذر بمجاعة أو ما هو أقرب لها، تشعر بأن أمرًا غير مكتوب صدر لكل واحد ممن تقابلهم: تصرف .. فلينج كل بنفسه

هكذا يلعب الكل على الكل ويحاول الكل خداع الكل. أنت تعرف أن فاتورة الكهرباء مبالغ فيها، وفي كل شهر يمر موظف يتفقد عداد المياه في بيتي ويقرأ المكتوب، ثم تأتي الفاتورة لتجد رقمًا ثابتًا باهظًا مع ملحوظة من مرفق المياه أن العداد معطل .. أقسم بالله أنه ليس معطلاً ولو كان كذلك فلماذا يأتي الموظف أصلاً وما الذي يدونه في كل مرة ؟.. إنهم يسرقونك فماذا تفعل ؟

تذهب لهذه المصلحة أو تلك ليكتشف الموظف أن ورقك ناقص والأختام غير واضحة، فتغادر المكان محنقًا لتبدأ رحلة أوديسيوس من جديد، لكنك على الباب تقابل دومًا ذلك الأخ الذي يعرض عليك إنهاء أوراقك مقابل عشرين جنيهًا .. معه موتوسيكل يصر على تسميته (مكنة) دائمًا وهو ينطلق به ليقوم بعمل غامض ما، والمهم أنك تأخذ أوراقك كاملة خلال نصف ساعة .. طبعًا من الواضح أنه يقتسم المبلغ مع الموظف الذي رفض أوراقك .. جربت هذا الموقف في أكثر من مكان، حتى إنني صرت أبحث عن ذلك الرجل في لهفة لينهي آلامي. ذات مرة قابلت أحدهم في هيئة الكهرباء فصحت في فرحة : "انت فين يا عم ؟"ـ

إن كانت الرشوة قد صارت دينًا فلماذا تُمارس طقوسه بشكل سري ؟.. لماذا لا تنتشر المعابد في كل مكان ؟. لماذا لا يضعون لافتة تقول: "على السادة الراغبين في دفع الرشوة أن يتجهوا إلى مكتب الرشاوي جوار دورة المياه مع الشكر"  ؟. المشكلة هي أنني لست خبيرًا في هذه الأمور ولا أعرف الموظف المرتشي من الشريف. واحد من رفاقي قال لأحد موظفي المرور بلهجة الخبير الذي فهم الحياة: "اتوصى بينا وبعدين احنا مع بعض .. هه ؟ ..". هنا ارتفعت جاعورة الموظف ترج البناية رجًا: "مع بعض يعني إيه يا أستاذ؟؟؟"ـ

هذه هي المشكلة .. ما دامت محاربة الرشوة مستحيلة فلماذا لا يسهلون الأمور على من لا يعرفون كيف يرشون ؟.. وماذا عن التعساء الذين لا يعرفون كيف يرتشون ؟..  أذكر كاريكاتورًا قديمًا جدًا للرائع حجازي يمثل موظفًا مكفهرًا مقطب الجبين، ومواطن يقول همسًا لصاحبه: "عصبي وبيكره نفسه وبيعامل الجمهور معاملة زي الزفت، لأنه شريف ومش بياخد رشوة !"ـ

هناك لكل شيء في مصر باب خلفي .. المهم أن تدفع .. ولا أستطيع أن أرجمهم بحجر إلى هذا الحد لأن الحياة قد صارت مستحيلة على شريحة لا بأس بها من الناس، وحتى مبلغ الألف جنيه شهريًا الذي كنا نعتبره الحد الأدنى لأمان الشاب صار بلا قيمة تقريبًا . معنى هذا أن هؤلاء لا يجدون قوت يومهم، لكنهم لم يخرجوا على الناس شاهرين سيوفهم بل هم يمدون أيديهم من تحت المنضدة .. لقد اختلط مفهوم الصواب والخطأ تمامًا، حتى أنني أتساءل عن الصورة التي كان يوسف إدريس سيكتب بها رواية (العيب) لو كتبها اليوم

هناك باب خلفي للتفوق الدراسي اسمه (الآي جي) حيث تدفع مبالغ فلكية من المال لتضمن لابنك مكانًا في كلية محترمة. عندما يحصل الجميع على 120% فضياع درجة واحدة من ابنك في الامتحان معناه أن مستقبله قد انتهى. الكل سعيد والكل يربح من هذا النظام الدراسي ما عدا الأسرة طبعًا .. هناك سائق سيارة أجرة في طنطا قال لي في حماس: "ربنا يخليلنا الآي جي يا باشمهندز" . لأنه يوصل عشرات الطلاب إلى القاهرة عدة مرات أسبوعيًا .. هناك دروس خصوصية كذلك .. وفي النهاية يكتشف الأب القادر أنه لم يعد قادرًا إلى هذا الحد. لكنه الباب الخلفي كالعادة .. هكذا يجد الأب أن عليه أن يسرق من مكان ما .. غالبًا يسرق من مدرسي الآي جي أو سائقي سيارات الأجرة

حدثني ابني عن نظام تمهيدي جديد للآي جي يبدأ من الصف الثالث الإعدادي، واقترح أن أدرس الموضوع بجدية !...  لقد وجد هؤلاء القوم إنهم لم يعتصروا ما يكفي من مال، فقرروا أن يغروا الناس بوجود باب خلفي آخر .. في عملية التعليم بالذات تلعب عدة عوامل، منها الخوف من ألا تكون قد قدمت لابنك كل ما يجب .. الخوف من أن يسبقه رفاقه .. من هذه العوامل أنك تعرف أن المستقبل مدلهم أصلاً ويجب أن تعطي الطفل كل سلاح ممكن .. منها الفشخرة والرغبة في التميز .. المهم أنك تحتاج لقوة شخصية كاسحة كي تتجاهل هذا الاختراع الجديد. هذه لعبة لا تخيب أبدًا

سوف أبحث عن شيء أختلسه أو أسرقه، فإذا وجدت فلسوف أقدم أوراق الولد في هذا النظام التعليمي الجديد، وإن لم أجد فلسوف أكتفي بصفعه مع تذكيره بأن أبي لم يترك لي سوى اسمه والتربية الحسنة،  تلك التركة التي أشعر بأنني موشك على فقدها لو استمرت الأمور كما هي