قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, February 2, 2010

لماذا هاجر محمد - 2



spc
لماذا هاجر محمد - 1

الدستور - 2 فبراير 2010


كنا نتحدث عن محمد الذي يوشك علي البكاء فرحًا لأنه سيترك مصر إلي استراليا، وكنا نحاول فهم الأسباب التي جعلته سعيدًا بهذا النفي الاختياري. أول الأسباب في رأيي هو الاحتقان الطائفي الذي بدأ يكشف عن وجهه القبيح منذ السبعينيات، حتي بلغ اليوم درجة لا يمكن السكوت عنها. لا شك أن هناك عقلاء كثيرين جدًا، لكن هناك من تعلموا الكراهية وحسبوها واجبًا دينيًا يدل علي إخلاصك، ومن بين الكارهين لابد أن يُفرز مجنون أو اثنان هما من يشعل النار فعلاً بعمل أحمق

إذكاء الكراهية .. هذه هي الشعلة الأولي التي يجب وأدها بأي شكل. الآن جاءت كارثة عظمي اسمها الإنترنت .. هنا لا توجد قيود وسوف يتم تبادل العداء صريحًا واضحًا إن لم يكن في المقالات التي يمكن الإمساك بكتابها، ففي تعليقات القراء. كان العالم مهتمًا بعشرات القضايا المهمة في ديسمبر الماضي، بينما ذلك الأخ يمطر بريدي الإلكتروني بالتحذير من تهنئة الأقباط بعيدهم .. هذه أهم قضية في العالم ومن أجلها لا ينام الليل

كتبت منذ عام إلا قليلاً عن الموقع الشهير الذي قدم للأخوة الأقباط هدية رقيقة في عيد القيامة المجيد؛ هي مقال يؤكد أن الصلب والقيامة لا صحة لهما. المقال كتبته أستاذة تاريخ محترمة جدًا دأبت علي كتابة مقالات تهاجم العقيدة المسيحية بقوة. هذا من حقها ولكن في قاعات الدرس والرسائل الجامعية والكتب المتخصصة التي لا يقرأها العامة، وسيكون عليها وقتها قبول نشر مقال مخالف لرأيها، لكن ما جدوى نشر هذا المقال في هذه المناسبة بالذات؟.. ألا يمكن أن نأخذ إجازة من مهاجمة عقائد الآخرين ليوم واحد فقط ؟.. كتبت ردًا قلت فيه :«لمن نوجه هذا المقال ؟.. ليس للمسلمين لأنهم لا يعتقدون بالصلب أصلاً ، فأنا كمسلم أؤمن بالتأكيد أن المسيح لم يُصلب ولكن شُبّه لهم، وإلا كنت كمن يتشكك في القرآن .. والمقال ليس للمسيحيين لأنهم لن يصدقوا حرفًا من هذه المراجع. إذن نحن لا نبغي سوى إغاظة طرف واستفزازه بمنطق العيال .. ». طبعًا لم يُنشر الرد لأن ردود هذا الموقع تتعرض لترشيح عنيف ودقيق جدًا فلا يمر إلا ما يناسبهم. بينما تُفسح الردود لمجموعة مميزة يتبادلون مدح بعضهم البعض. لا أحد ينجو من الاتهام سواهم .. لاحظت في خبث أن هذا الموقع لم يتكلم كثيرًا عن البهائية، وهو ما توقعته.. لأن الجهات الخليجية لا تهتم بالبهائية كثيرًا كما تعلم، والموقع مصري لكنه يفوح برائحة النفط لدرجة أنك قد تحترق لو أشعلت سيجارة وأنت تطالعه

النتيجة هي المزيد والمزيد من الحقد والنفخ في اللهب .. هذه حرب مستعرة بلا نهاية ولسوف تحرق الأخضر واليابس .. هل هذا ما تريدون لمصر فعلاً ؟ ... هل هذا ما تقاتلون من أجله وتسهرون الليل ؟.. هل هذا ما تريدين يا دكتورة ؟.. بالطبع الصفحة مليئة بصيحات الاستحسان والمديح لك لأنك (أثلجت صدورهم). هناك مقالات تربح دائمًا لأنها تسبح مع التيار .. وتيار مصر الحالي هو التعصب. السباحة مع التيار وطريقة (ما يطلبه المستمعون) أسهل شيئين في العالم

التعصب يبيع أكثر من التسامح والتفاهم بكثير، وقد فهم رؤساء التحرير هذه الحقيقة منذ دهور. الجائزة هي رضا القراء وبعض المديح في كل مرة، ثم يتراكم ميراث الهلاك يومًا بعد يوم لنعرف بعد عشرة أعوام أننا ارتكبنا غلطة جسيمة في حق هذا الوطن، هذا لو كنا أحياء ولم نُذبح طبعًا

الآن نثب وثبة إلي الجانب الآخر، إلي حيث رد الفعل الذي تضخم حتي صار فعلاً فاضحًا، إذ يمطرني الأخ موريس صادق من واشنطن بسيل من الخطابات. وهي خطابات عجيبة يكفي أن يراها واحد ممن يطالبونك بالتعصب حتي يجدها حجة دامغة: «هل رأيت ؟.. هل قرأت ما يقولون عنا ؟». إن هذا الرجل ببساطة ينسف كل ما ندعو له، ويظهر الداعين للاعتدال في مظهر السفهاء أو أعداء الإسلام. ومن الواضح أنه ليس حالة فردية

خطابات الأخ موريس - بلا مبالغة - تتوسل توسلاً للغرب كي يحتلنا .. دولة غربية تحتلنا لله يا محسنين. وهو يؤكد أن فلسطين حق تاريخي لليهود، وهيكل سليمان هو الأساس بينما لم يوجد قط مسجد أقصي في أورشليم. ثم من أين جاء بموضوع الـ 22 مليون قبطي الذي يكرره في خطاباته ؟... معني هذا ببساطة أن من بين كل أربعة تقابلهم هناك واحد مسيحي. يقول الأستاذ فهمي هويدي إن نسبة الأقباط لم تزد قط عن 6% من السكان في كل تعداد أجري علي مدي 113 عامًا، «وفي إحصاء عام 1976 كان المسئول عن التعداد في الوجه البحري قبطيًا هو السيد موريس حنا غبريال، وكيل الوزارة بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ». لا مشكلة عندي في أن يكون الأقباط واحدًا أو مليارًا، لكني أردت أن أظهر نسيج الأكاذيب الذي يملأ تلك الخطابات

لا يكتفي موريس بأن يطالب الغرب بأن يتفضل ويتنازل ويحتلنا، فهو يرى أنه ليس من حق القانون المصري إعدام أي قاتل مسيحي لأن معني هذا عرض أوراقه علي المفتي، ويري موريس أن المفتي لم يقل لا إلا في حالة واحدة هي - حسب كلامه - رفض إعدام الورداني المسلم قاتل بطرس باشا غالي المسيحي رئيس وزراء مصر السابق. هناك جريمة وقعت منذ فترة عندما قام شاب مسيحي بقتل شقيقته التي أشهرت إسلامها. قتلها هي وزوجها وطفلتها. يقول موريس عن هذه الجريمة البشعة : «تحذر الجمعية الوطنية القبطية الأمريكية مفتي مصر من إبداء أي رأي في الحكم بإعدام البطل القبطي وعمه لأنهما مسيحيان يخضعان لأحكام الشريعة المسيحية التي يختص بتطبيقها البابا شنودة الثالث والبابا بندكيت بابا الفاتيكان، حتي لو كانت مصر مستعمرة عربية .. ويا علي جمعة مفتي حكومة الاحتلال ارحل عن بلدنا مصر إلي أرض أجدادك في الحجاز ». يعني القاتل المسيحي لا يمس .. لماذا إن شاء الله ؟.. كأنه من جالية فوق القانون. هل يعي موريس معني هذا الكلام وأنه يعزل المسيحيين عن المصريين كأنهم أجانب ؟ وكأن ما فعله قاتل نجع حمادي هو قتل أفراد جالية أجنبية. لن أذكر باقي الكلام لأنه يشعل المشاعر فعلاً. ثم يقول في رسالة أخرى: «لقد ضربت مصر بقيادة المسلم المصري محمد عطا أبراج نيويورك ووزارة الدفاع وقتلت 4000 مواطن أمريكي وأغفلت أمريكا عينها عن الجهاد الإسلامي والشيطان القادم من مصر وضحت بقتل أبنائها ووجدها النظام الإسلامي في مصر فرصة لإرسال مزيد من الإرهابين إلي أمريكا ثم قام بذبح الأقباط وقتل الخنازير المملوكة لهم واغتصاب فتيات الأقباط وتهميش الأقباط واستبعادهم من الحياة السياسية والوظيفية في مصر». هذا ليس موضوع إنشاء لطالب في سادسة ابتدائي بل هي (التقارير الحقوقية) التي يكتبها هذا الرجل

الرجل يعاني فعلاً حالة كراهية أسطورية للإسلام والمسلمين لدرجة أنه يوشك علي أن يحترق أو يخرج الشياط من فمه. طبعًا هو هناك في واشنطن بعيدًا عما يحدث في مصر، ولا ضير في أن يشعلها هنا ما دام هذا الكلام يروق للسادة في واشنطن. السادة الذين يريدون مسمار جحا في مصر يسمح بالتدخل والضغط .. لجنة من الكونجرس تأتي من حين لآخر لتفتش عن حقوق (الأقليات) - أقليات إزاي وانت بتقول ربع السكان ؟ - والسؤال المهم هنا: كيف ولماذا نستقبل لجنة كهذه ؟.. وبأي حق يأتون ؟.. ولماذا لم يطردهم السيد (أبو الغيط) حار الدماء، ولماذا لم يكسر أرجلهم ؟.. هل يمكننا إرسال لجنة مصرية للتأكد من وضع السود في أمريكا؟

أما أظرف شيء في الموضوع فهو خبر نشرته الصحف عن أن أقباط قنا متذمرون من المحافظ (مجدي أيوب) لأنه بروتستانتي ومخالف لهم في الملة

إذن الاحتقان الطائفي وافد لمصر، لكن يبدو أنه وجد تربة صالحة في الشخصية المصرية ذاتها

وللكلام بقية