قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, February 16, 2010

لماذا هاجر محمد - 4



spc



نعم.. أعرف أنني أطلت الكلام عن أول أسباب هجرة محمد خارج مصر؛ فالاحتقان الطائفي ليس هو كل الأسباب، لكني تحمست لهذه النقطة حتي أعطيتها مساحة ضخمة ربما لأنها ذات شجون، ولأن كلمات كثيرة انحشرت في حلقي ووجدت فرصة إخراجها الآن. عندما قررت التوقف وصلني هذا الخطاب البليغ من طالب مسيحي بإحدي الكليات العملية، وقد أرغمني علي أن أطيل الكلام عن هذه النقطة أسبوعًا آخر لأنه من الخسارة ألا ينشر، ومن الخسارة أن نؤجله. أرجو أن تقرأ هذا الخطاب بحيادية تامة وتفكر فيه بعمق، وقد نقلته لك حرفيًا باستثناء حذف أي بيانات شخصية عن كاتبه كما طلب، وبعض الاختصار غير المخل كي أظل قرب حدود الألف كلمة

(1)

منذ أن كنت طالباً يدرس في المدرسة ولديّ الكثير من الأصدقاء المسلمين، بل كنت كثيراً ما أشعر بارتياح لبعض منهم أكثر من المسيحيين زملائي في الفصل، والسبب في ذلك أنني كنت أتعامل مع الشخص كاهتمامات مشتركة وأخلاق فقط ولم أكن أنظر للأمر من زاوية أخرى نهائياً، بعكس معظم الأطفال المسيحيين، الذين يحثهم أهلهم باستمرار علي مصادقة الأطفال المسيحيين «الكويسين» وبالطبع أنت خير من يعلم كيف يتعامل العقل الباطن مع هذه الجملة البسيطة، فهو يحوّل كل من هو غير مسيحي إلي «مش كويس»، وهذه الرسائل تتناقل لا شعورياً عبر أجيال فتجد تلك الأفكار تصل علي هيئة رسائل غير مباشرة للطفل من أهله، قد تكون في أغلب الأحيان علي هيئة نظرة خوف ظهرت في عين الأم للحظة عندما أخبرها ابنها «مينا» عن «محمود» صديقه الجديد في الفصل. بالطبع تتراكم تلك الرسائل في اللاوعي لتنتج عنها كتلة من الأفكار الخاطئة تترسخ في عقل الإنسان الباطن، وأزعم أنني أستطيع تلخيص تلك الأفكار في فكرة واحدة بشكل مباشر وهي «الآخر خائن بالفطرة ويمكنه أن يطعنك في ظهرك في أي لحظة دون أن يطرف له جفن»ـ

(2)

يخرج الشخص المسيحي للحياة وهو مقسوم إلي جزءين، جزء منه يتصرف بالفطرة الطبيعية ويحب الجميع، وجزء آخر منه يدعوه باستمرار للخوف من الآخر، تجده يبتسم ويضحك ويمزح ويقدم المحبة قدر ما استطاع ولكنه بعد كل شيء يثق في شخص مسيحي قد لا يعرفه جيداً عن شخص مسلم يعرفه أكثر، لا عن فكر كراهية متطرف، ولكنه خوف وتوتر وعدم ثقة في الآخر ناتجين عن الأفكار والخبرات القديمة المتراكمة. وصدقني لا أعلم حقاً السبب في كوني خرجت مختلفاً وأتعامل بدون خوف، لو كانت تلك الأشياء وراثية لقلت إنني ورثتها عن والدي - رحمه الله - الذي كان موجهاً بالتعليم الثانوي وكان دائماً ما يعامل الجميع بنفس الحب والحزم بدون استثناءات حتي إن بعض المسيحيين من راغبي المصالح كانوا كثيراً ما يتضايقون منه لأنهم كانوا يظنون باستمرار أنه قد يعاملهم معاملة مختلفة ولكنه لم يكن يفعل هذا نهائياً وكان يؤدي عمله بأمانة بدون النظر لأي اعتبارات أخرى. أو ربما ورثتها عن والدتي المدرّسة بالتعليم الثانوي أيضاً التي تحب الجميع وتبتسم في وجههم باستمرار وتخدمهم قدر ما استطاعت، لدرجة أننا إلي الآن كلما عادت إحدى صديقاتها من الحج لابد أن تحضر لها ولي ولأختي الصغيرة الهدايا

لكن والدي ووالدتي رغم حبهم للجميع وحب الجميع لهم بقي بداخلهم ذلك الخوف المبهم من الآخر نتيجة الأفكار المتوارثة، والتي يتم من خلالها فلترة كل الأحداث التي تواجههم في حياتهم. باختصار...إذا تسبب لك المسيحي في كارثة فهذا لأنه «إنسان مش كويس» أما عندما يتسبب لك المسلم في مشكلة بسيطة فهذا «لأنهم مش كويسين». وربما لم تكن تصلني تلك الأفكار جيداً من والديّ بسبب محاولتهم لتغليب عقلهم علي مشاعرهم وموروثاتهم

(3)

نشأت وأنا مؤمن تماماً بالانفتاح علي الآخر من أوسع أبوابه، آمنت تماماً أن هذا هو الحل الوحيد للقضاء علي الطائفية لو كان الجميع يفعل مثلي، لهذا أعجبني كثيراً وصف الكائنات الفضائية في مقالك الأخير وهو أدق وصف يصف الحالة الآن، لأننا لو لم نكن كائنات فضائية وكنا نظهر للجميع بدون خوف وانغلاق لما صدق أحد كلام أحد الشيوخ بأننا نذبح الخنازير ونشرب دمها في الكنيسة، أو أن الكنيسة يحدث فيها زني جماعي كنوع من الطقوس، إلي آخر هذا الهراء، صدقني كل هذا يقال وأكثر، وهذا هو حالنا الآن، كائنات منغلقة علي نفسها تحاول تجنب الاختلاط بالآخر كلما استطاعت، وتحاول أن توجد لنفسها كل شيء بداخل الكنيسة، حتي إعلانات بيع وشراء الشقق والسيارات، والرحلات الترفيهية، وطلبات العمل، إلخ... هل تعلم يا سيدي أن بداخل معظم الكنائس الآن مكاتب توظيف؟؟ بل والأدهى، هل تعلم أن خلال فترة الهجرة العشوائية لأمريكا تقوم كل كنيسة تقريباً بتخصيص مكتب بداخلها لاستقبال طلبات الهجرة من الناس وإرسالها إلي موقع الإنترنت الخاص بذلك؟؟ رسالة أخرى غير مباشرة مفادها «اهربوا حال ما استطعتم فهذه لم تعد بلدنا»!!!!!ـ

(4)

يمضي الزمن لأقابل في حياتي العديد من المواقف الكافية لخلق الخوف والعداء حتي إن لم يكن موجوداً من الأصل. ها هو زميل كنت أتحدث معه لأكثر من نصف ساعة في المدرج ولم نكن نعرف بعضنا. لم أكن أعلم أن من الممكن فسيولوجياً لعضلات الوجه أن تنقلب في جزء من الثانية من ابتسامة عريضة لـ «تبويزة» كاملة، فهذا هو ما حدث لوجهه بمجرد أن عرف اسمي بعد نصف ساعة من المزاح والضحك المتواصل!! كلما حكيت هذا الموقف لأحد أقاربي كنوع من الفضفضة قام بفتح خزانة ذكرياته وإخراج كل ما فيها من تجارب مع الطائفية، الكثير والكثير من القصص والتي كانت تحوي رسالة واحدة لي وهي «أنت اللي غلطان أصلاً، هما كلهم كده واللي مش كده يبقي مش بيقرأ ومسيره في يوم هيقرأ ويعرف ويبقي كده»، هل يكون كل هؤلاء علي خطأ وأنا الذي علي صواب؟؟ ثم بصراحة شديدة ما الذي تتوقعه مني عندما أقرأ علي شبكة الإنترنت أن هناك من الأحاديث الصحيحة ما ينهي حتي عن إلقاء السلام عليَ؟؟ هنا أكتشف أن لا أحد من المتطرفين يتحدث بدون دليل، وحتي من يقتلون الأقباط لديهم بدل الدليل ألف دليل

لماذا عندما اتصلت بإحداهن لتعزيتها في وفاة أحد أقاربها وقلت لها «البقية في حياتك» أجابتني في منتهي السماجة «اسمها البقاء لله مش البقية في حياتك»؟؟ لقد أصبت تماماً في مقالك عندما قلت عنا «إنهم يعرفون ما يُقال عنهم جيدًا». بالمناسبة هل جربت من قبل أن تكون جالساً في منزلك آمنا تذاكر يوم عطلتك، فقط لتسمع سبابك والدعاء عليك بأذنك يتردد في كل مكان عبر مكبرات الصوت؟؟ ابتسم فهذه صلاة الجمعة في المسجد المواجه لبيتي!! هل جربت أن تكون خارجاً من دار عبادتك المواجهة لشريط الترام بعد أداء صلاتك، لتجد أطفالاً - لم يتخط أكبرهم الصف الثالث الابتدائي بأي حال - يسبّون دينك عبر نافذة الترام المتحركة مع الكثير من الضحك والقهقهة؟؟ كم ترعبني الصورة عندما أتخيل هؤلاء الأطفال حينما يكبرون

(5)

كل عام يتعجب جميع أصدقائي المسيحيين من رفضي لتقديم طلب للهجرة العشوائية ويستنكرون ذلك بشدة، أذكر صراخ أحدهم فيّ ذات مرة «انت أهبل يابني؟؟! إذا كنت لسه علي الأقل عارف تعيش فيها دلوقتي، كمان 10 سنين لما يمشوا يقتلونا في الشوارع هتضرب نفسك مليون جزمة»ـ

صدقني يا سيدي أنا من أشد أعداء تطرف بعض أقباط المهجر، ولك أن تتخيل مدي تقززي من فكرة أن أحدهم يطلب من شخص غريب أن يتسلط علينا ويتحكم في شئوننا الداخلية بحجة حمايتنا، ولكن رغم رسوخ معتقداتي تلك لدي خوف رهيب أن أتحول لواحد من مشجعي هؤلاء، بل ربما واحداً منهم في يوم من الأيام، ولا أريد أن يلومني أحد حينها فالضغط النفسي الذي أتعرض له في بلدي ليس بقليل، لا يلومني أحد حينها عندما أفقد منطقي بالكامل ويتحول إلي «أنا والغريب علي أخويا وابن عمي»، لا يلومني أحد فأنا أسمع الجميع يقولون إن الهندي المسلم أقرب لهم من المسيحي المصري. لا يلومني أحد فأنا شخصياً بدأت أشعر أنني غريب عن هذا البلد. هل كان أقباط المهجر يحاربون تلك الظواهر مثلي في يوم من الأيام وطفح بهم الكيل فقرروا أن يكونوا هكذا؟؟ لا أعتقد أنهم ولدوا من بطون أمهاتهم شياطين وخونة كما يتهمهم الجميع في كل مكان. علي كل حال أتمنى حقاً أن أموت قبل أن أرى نفسي أتحول لواحد منهم...»ـ

انتهي الخطاب.. لا تعليق.. وهذا آخر ما سأكتبه عن القضية في سلسلة المقالات هذه