قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, August 17, 2010

عودة إلى سيد حبارة



spc

هذا المقال نشر لي منذ أعوام.. لعله المقال الثالث لي في الدستور اليومي، لكنني أتذكره بقوة هذه الأيام وأنا أقرأ كلام د. علي الدين هلال عن قدرة الحكومة علي جمع خمسة ملايين توقيع تطالب بعدم تغيير الدستور.. وبالمنطق نفسه تخرج المظاهرات دامعة تتوسل لجمال مبارك أن يحكمنا.. إلخ.. عندها عاد لذهني اسم سيد حبارة.. الاسم وهمي طبعًا لكنك سوف تعرفه بالتأكيد.. تراه في كل مكان.. تعرفه من شاربه والنظرة الخبيثة علي وجهه، والطاقية البيضاء التي لا ينزعها عن رأسه أبدًا لأنها (من الحجاز).. تعرفه من الدراجة التي يصر علي أن يركبها عكس اتجاه المرور.. ينظر راكب السيارة لليسار، متحينًا بكل حواسه فرصة يخطفها كالقط وسط سيل السيارات المنهمر.. عندما تحين الفرصة يثب بالسيارة، ليفاجأ بسيد حبارة مندفعًا كالسهم علي دراجته قادمًا من اليمين.. فليجرب أحد راكبي السيارات أن يلمس حبارة في هذه اللحظة، ولسوف تنهمر عليه قائمة فريدة من الشتائم تتعلق بنشاطات أمه الجنسية. إن حبارة يحمل حقدًا هائلاً نحو راكبي السيارات، وفي أول ثورة أو انتفاضة أو شغب سوف يحرق سيارتين أو ثلاثًا قبل أن يعرف سبب الشغب


سوف تعرف حبارة وهو يركب دراجته في الأيام المطيرة وقد أدخل سروال البذلة في الجورب حتي لا يتسخ، وهو يطلق علي هذا لفظ (التقفيز) وقد تعلمه من أيام الجيش.. يلبس كل ثيابه ويلف حول عنقه كوفية صوفية كأنه في سيبيريا لأنه يؤمن أن البرد هو منبع كل الأمراض.. ولسبب ما يصر علي أن يلبس بذلة كاملة في أيام المطر هذه.. سوف يتطاير عليه بعض الوحل من سيارة تمر بجواره، فيتوقف علي الفور ويطلق سبة بذيئة ويلتقط «قالب طوب» من علي الأرض ليقذفه في الزجاج الخلفي للسيارة.. من أهم صفات (سيد حبارة) أنه لا يملك نفسه ساعة الغضب، ولا تهمه العواقب ما دام سيفش غله لحظيًا

ـ(حبارة) عامل في مصنع أو موظف في إدارة حكومية ما ، وهو لا يمارس أي عمل تقريبًا سوى نقل القيل والقال وكيف إن (الملاحظ / المفتش / رئيس القلم) رجل مسخرة ديوث تلعب به زوجته كما تشاء.. يتبادل الدعابات الجنسية مع زملائه خاصة فيما يتعلق منها بليلة الخميس والكوارع وضعف الرُكب والجمبري.. هنا يطلب منهم رئيسهم مهمة ما فيثور ويختلق مشكلة ويقف لساعات صائحًا: مش منفذ.. لو الوزير نفسه جه دلوقتي مش منفذ

تنتهي هذه الضوضاء عند أول شخطة حقيقية من (الملاحظ / المفتش / رئيس القلم)، فينفذ لكن حقده يتزايد، ومعه يؤلف المزيد من الحكايات البذيئة عن المفتش ذي الميول الشاذة جنسيًا أو الملحد

ـ(سيد حبارة) قد أيد كل العصور في مصر لكنه يكره الحكام كراهية عمياء.. لا يوجد تناقض هنا.. إنه يكره عبد الناصر بشدة لسبب لا يذكره، لكنه يرى صورته في فيلم أو مسلسل فيصفق له بحماس.. كان يكره السادات ثم مر موكب السادات أمامه فوجد نفسه يصرخ هاتفًا: بالروح.. بالدم . نفديك يا سادات

منذ أعوام طويلة جاءت مذيعة تليفزيون تسأله عن الشيء الذي لا يروق له في برامج التليفزيون، فقال العبارة التي أعدها وحفظها وسمعها لنفسه عدة مرات: التليفزيون مش بيقدم وعي اشتراكي للناس.. عبارة لا يفهمها لكنه يحفظها ويشعر بأنها عميقة

بعد أعوام قابلته مذيعة أخرى وسألته عما لا يروق له فقال في حماس واللعاب يتطاير من فمه: التليفزيون ما قدمش حاجة تناسب 6 أكتوبر

منذ عام جاءت مذيعة أخرى تسأله عن رأيه فقال : التليفزيون بيقدم مناظر عريانة
برغم هذا هو لا يفوت منظرًا واحدًا من تلك المناظر علي الفضائيات التي تأتيه بـ (الوصلة).. يتابع المنظر بعين جاحظة حمراء توشك علي الخروج من محجرها.. وهذه الشهوة تتحول إلي حقد والحقد يتخذ طابع الورع المشمئز الغاضب.. هو يشتهي الفنانات جدًا إلي درجة المقت.. وهو يتمني بالفعل أن يراهن يغتصبن ويمزقن.. وأسعد لحظة في حياته هي عندما يسمع عن القبض علي واحدة منهن في قضية آداب.. «هؤلاء القوم يملكون الثروة والجمال والنفوذ لكنهم يفتقرون إلي الدين والأخلاق ويعيشون كالخنازير، ورجالهم يفتقرون إلي الدم الحامي والنخوة، لهذا نحن أفضل منهم».. وللأسباب نفسها لا يترك حبارة سائحة أجنبية تمر به أبدًا.. يشعر أن واجبه أن يتحرش بها، وهذا يعطيه انتشاء ذا طابع ديني لا شك فيه.. من الناحية الدينية (سيد حبارة) لا يمارس الشعائر بأنواعها، لكنه متعصب بلا حدود باعتبار التعصب من شروط التدين الصحيح، وهو غير مستعد البتة لقبول الآخر.. مستعد لتصديق أي شيء يسمعه.. تعصب بلا حدود من دون أن يفعل شيئًا واحدًا يثبت به أنه مسلم فعلاً كما أراد له الرسول (صلى الله عليه و سلم).. لهذا من السهل جدًا أن تجد سيد حبارة في أي مظاهرة بشرط أن يكون لها سبب ديني.. كنت أكلم صديقي عن مستقبل المفاعلات النووية في مصر، ثم توقفنا وقد أفزعتنا فكرة أن المفاعل سوف ينشئه المهندس الصيني (وانج هاو تشين) أو الألماني (فرانتس هوفمان) أو الروسي (ميخائيل سولوفيتش)، لكن إجراءات السلامة في النهاية سوف تقع علي عاتق (سيد حبارة) !.. يمكنك تخيل منظر المفاعل الموشك علي الانفجار، بينما (سيد حبارة) يؤكد أنه سلم العهدة وأن دفتر 118 ليس معه، وأن المفتاح مع النوبتجي المناوب، وأن الملاحظ خصم له ثلاثة أيام دون وجه حق.. إلخ

في كل الاستفتاءات والانتخابات يعد سيد حبارة مخزونًا استراتيجيًا للحكومة ..حتي من دون تزوير أو تلاعب في أوراق التصويت، يصدر (الملاحظ / المفتش / رئيس القلم) أمرًا للعاملين بالتوجه إلي اللجان، ويتم شحن (حبارة) هو ورفاقه من (السيدات حبارة) في أتوبيسات إلي لجان الانتخاب وهم يهتفون مؤيدين شيئًا ما.. ثم ينزلون إلي اللجان ليصوتوا بـ (نعم) ويرفعوا عريضة مكتوبة بالدم - دم الدجاج غالبًا - تؤيد أي شيء حتي لو كان قانونًا لمنع التنفس أو منع دخول دورة المياه.. عند الظهيرة يطير فرحًا بذلك الكيس الورقي الذي يحوي علبة عصير و(شاندوتش).. سيد حبارة لعب دورًا مهمًا في التصويت علي التعديل الدستوري الأخير، ونحن نعرف ما سيحدث بالضبط يوم التصويت علي التوريث المقبل.. سوف تخرج عشرات الأتوبيسات تحمل لافتات التأييد والمبايعة والموافقة.. الكثير من الهتاف.. عريضة بالدم تبايع الابن على طريق الأب.. وهكذا تفيق لتجد أن أسوأ كوابيسك قد تحقق وأن هناك إجماعًا ساحقًا لدى الشعب المصري علي التوريث ..لا يوجد تزوير هنا.. سيد حبارة هو من قال نعم

هذا ما يقدر علي عمله (سيد حبارة).. إنه بالتأكيد أكثر تأثيرًا وأعلي صوتًا مما يقدر علي عمله عشرون أفنديًا بالنظارات يقفون هاتفين علي سلالم نقابة الصحفيين، بينما تحيط بهم ثلاثون عربة بوكس خضراء

الآن أنت تعرف من هو (سيد حبارة).. (سيد حبارة) هو المصري العادي الذي يملأ الشوارع.. من قال إن الإنسان المصري ما زال كما كان؟.. لقد تغير كثيرًا جدًا.. إنه نتيجة بائسة لسنوات من القهر والجهل والتخلف، لكنه برغم هذا قوي جدًا بحكم العدد ويمكنه بالتأكيد أن يحدد مصير هذا البلد لأعوام مقبلة.. لقد صنعته حكومات متعاقبة وظروف اقتصادية وسياسية تفوق الوصف، لكن (سيد حبارة) هو من يفرز الحكومات لأن الشعب يستحق الحكومة التي تحكمه.. وهكذا.. دائرة شيطانية لا تنتهي.. المزيد من سيد حبارة.. المزيد من التأييد.. المزيد من الحكومات الفاسدة.. المزيد من سيد حبارة.. وهكذا

والآن أنت تعرف من سيقول نعم، وكيف سنفيق لنجد أنه تم توريثنا فعلاً