قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, September 1, 2010

مصحة الدكتور أنطوان - 6



spc

===============================


رفع الأستاذ سامي عينيه عن رقعة الشطرنج.. كان ينظر لنا في دهشة وقد وقفنا في حجرته/زنزانته.. بدا هشًا ضعيفًا جدًا.. قالت له نادية وهي تجلس على حافة الفراش

ـ"أنت طبيب.. الأطباء والممرضات بالخارج هم المجانين الذين استولوا على المصحة.. أليس كذلك؟.."ـ

ارتجفت شفته السفلى، وخُيّل لي أن في عينيه نظرة أمل.. فأردفت نادية
ـ"لقد حطموك بالتعذيب حتى لم تعد تجرؤ على الكلام.. لا تجرؤ على الاعتراف.. لكننا سنحررك"ـ


قال وهو يغطي عينيه
ـ"لقد ثاروا علينا منذ أسبوعين.. قتلوا معظمنا.. استولوا على ثيابنا وكل شيء، ثم دفنوا ضحاياهم في الحديقة.. وبدءوا يعالجوننا بطريقتهم الخاصة.. لن تهزموهم أبدًا.."ـ
ثم انفجر في البكاء

نظرت لي نادية في انتصار.. ونهضت
ـ"الآن سنلعب دور سبارتاكوس"ـ

وانطلقت لا تلوي على شيء تفتح أبواب الغرف المغلقة بما معها من مفاتيح الحارس.. فتحت باب غرفة مصطفى.. صرخت كالمسعورين ثم هوت بالرفش على السلسلة التي تربطه بالجدار فتحرر

هرعت إلى غرفة أخرى فحررت عفاف (المرأة التي تكتب خطابات تطلب فيها الغوث) جرى القط مذعورًا بينما نظرت لها المرأة في توجّس، فصاحت نادية
ـ"من أنت؟.. لا تخافي.. لقد تحررت!.. أنت ممرضة.. أليس كذلك؟"ـ

لكن هؤلاء التعساء كانت لديهم خطط أخرى.. كان الانتقام يُعمي عيونهم، وللحظة بدا لي أني أرى ميلاد الثورة الفرنسية.. لقد أشعل أحدهم مشعلاً وخرج إلى الحديقة.. بينما جاء أحدهم بمجموعة سكاكين من المطبخ

صِحت فيهم
ـ"لا ترتكبوا جرائم!.. لا تفعلوا مثلهم.. إنهم غير مسئولين عما فعلوه.. هم مجرد مجانين ولن تدينهم أية محكمة.."ـ

لكن شيطان الانتقام خرج من مكمنه.. وسمعت صرخات من الحديقة، وتعالت ألسنة النيران.. لقد صار المشهد جحيميًا.. كانوا يقتلون كل طبيب وكل ممرضة أو رجل أمن يرونه.. بحثت حولي عن نادية وسط هذه الفوضى فلم أجدها

رأيت في الحديقة رجلاً يزحف زحفاً والنار مشتعلة فيه.. لما دنوت منه عرفت أنه ذلك المجنون الذي تقمّص شخصية د.أنطوان عند لقائنا (الرجل الأزرق).. جريت ورحت أمرّغه في الغبار محاولاً أن أطفئ النيران.. في النهاية أطفأته؛ لكني أدركت أنه يحتضر

هززته في عنف بلا شفقة
ـ"أين د.أنطوان؟.. هل دفنتموه في الحديقة؟"ـ

قال بصوت مبحوح
ـ"يا أحمق.. أنا د.أنطوان!"ـ

ـ"لا تخدعني.. أنا رأيت صُوَره الحديثة وهو لا يشبهك أبدًا.."ـ

ـ"أنا مصاب بمرض نسيجي اسمه تصلب الجلد
Scleroderma
.. ولو كنت تفهم حرفًا في الطب لعرفت أنه يغيّر ملامح الوجه بالكامل.. أي طبيب يرى يدي وزاوية فمي الشبيه بفم السمكة كان سيُخبرك بهذا.. لم يعد وجهي يمتّ بصلة لوجهي.. القديم.."ـ

ـ"وهذه المقبرة الجماعية في الحديقة؟.. ألم تدفنوا الأطباء بها؟"ـ

ـ"بل هم ثلاثة من المرضى ناقصي الأهلية ماتوا.... أثناء تجربة.. لم أجسر على.. تحمّل المسئولية.. دفنتهم هناك.. ولم يدْر أحد.. بهم.."ـ

ثم شخصت عيناه وقد فارقه السر الإلهي

تركته حيث هو وهرعت وسط الدخان والنيران أبحث عن نادية.. نااادية!.. نااادية

كانت هناك على باب إحدى الغرف وقد انثنى عنقها بزاوية لا يمكن وصفها.. ولا يمكن تخيّل أنها بقيت حية.. كانت الزنزانة أو الغرفة هي الخاصة بالأستاذ سامي.. لا أعرف لماذا قررت أن أدخل وألقي نظرة على رقعة الشطرنج.. هذا الهاجس الخفي

لمحت الرقعة.. ملك الأبيض في وضع لا يُحسد عليه.. كش مات

كش مات..؟؟؟؟

وعند باب زنزانة أخرى وجدت تلك المرأة عفاف تفتش عن شيء بلا توقف.. دخلت الغرفة فانتفضت ثم صاحت
ـ"المعادلة قد ضاعت.. لن يستطيع أحد أن يركّب القنبلة السينية!"ـ

خرجت إلى الحديقة لأرقب الهول الذي يدور

أشرس المقاتلين كان تلك الفتاة ممزقة الثياب.. كانت تحتبي على الأرض احتباءً، ثم تُصدر عواء، وفجأة تثب في الهواء لتنشب أسنانها في عنق ذلك الحارس أو ذاك.. وكان يتهاوى خلال ثوان وقد أوشك عنقه على أن ينفصل

سوف أفرّ من هنا.. ماتت نادية.. ماتت نادية.. الآن أنا طفل مذعور لا يعرف ما يجب عمله

هل فعلاً قمنا بتحرير مجموعة من الأطباء البائسين الذين سيطر عليهم المجانين؟.. ربما.. الأطباء النفسيون لا يعالجون المرضى بالبعوض والملاريا والكلاب، والممرضات لا يلعبن الروليت الروسي في وقت الفراغ، والأطباء النفسيون لا يدفنون مرضاهم في الحديقة.. ولربما كان موضوع داء التصلب الجلدي هذا أكذوبة

لكن

ربما ارتكبت غلطة عمري وحررت أخطر مجموعة من المجانين لتفتك بأطباء هذه المصحة.. نادية ألهمت المجانين بحيلة تحررهم عندما راحت تسأل كل واحد في حماقة: "أنت طبيب أليس كذلك؟.. أنت ممرضة.. أليس كذلك؟".. د.أنطوان هو نفسه وقد تغيّر شكله كما قال.. عفاف تبحث عن القنبلة السينية، والمحاسب قتل نادية لأنها كانت أمامه في لحظة (كش ملك)، والفتاة تتصرف فعلاً كذئب آدمي.. وهؤلاء المدفونون مرضى ماتوا بسبب إهمال طبي.. هذا احتمال مقبول.. ممرضات يلعبن الروليت.. من قال إن المسدس حقيقي أو محشو؟.. نحن لم نسمع صوت طلقات رصاص.. لقد رأين اللعبة في فيلم أجنبي ما مثل "صائد الغزال" وقررن أن يلعبنها بمسدس أطفال

أخطر مجموعة من المجانين المسلحين.. حررتهم أنا بعبقريتي وعبقرية نادية.. هي دفعت الثمن، أما أنا فالدور عليّ

أم هم أطباء استبدّت بهم شهوة الانتقام لدرجة الجنون؟

كنت أركض نحو البوابة إلى أن استوقفني صياح أحدهم، نظرت للخلف فوجدتهم يحيطون بي
ـ"أنت محررنا.. لا تتركنا... أنت بطلنا!"ـ


يحيطون بي حاملين المشاعل، واللهب يضيء وجوههم المعذبة المتعبة التي تلوثت بالدم.. وجوه شوّهها انعكاس الضوء والظلال فبدت كوجوه شياطين

ـ"لا تتركنا.."ـ

هكذا أقف أنا وسط هذه الحشود.. أقاوم الشعور الغريب بأن هذا كابوس سوف أفيق منه

لا أعرف حقًا: هل أصبت أم أخطأت؟.. هل أنا عبقري مُنقذ.. أم أنا أكبر أبْلَهٍ عرفه التاريخ؟


تمت