قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, November 24, 2010

غثيان



spc

"ليت الكلاب لنا كانت مجاورة.. وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا"
 الإمام الشافعي

الشارع مسدود تمامًا والسيارات توشك على أن تمتطي بعضها بعضا، بينما هناك سيارة نصف نقل كئيبة المنظر عتيقة الطراز تسدّ الشارع، وعليها سمّاعتان بحجم خزانة الثياب، ومن السماعتين يدوي صوت شادية مترنمًا: يا حبيبتي يا مصر.. يا مصر..

الأغنية جميلة بل رائعة، وفي ظروف معينة قد تدمع عيناك لسماعها، لكن خشونة السماعات والصخب وارتفاع الصوت جعلوها شيئًا حكوميًا سوقيًا منفّرًا، دعك من قدرتها العجيبة على تنشيط الأمعاء لتتحول إلى أغنية (مليّنة) بالمعنى الحرفي للكلمة.

فوق السيارة يقف عدة رجال وقد بدت عليهم الخطورة والإرهاق، وهم يعلّقون صورة رجل راضٍ عن نفسه بشكل مرعب.. "معًا من أجل مش عارف إيه.. ومن أجل إيه..."..

تتحرك السيارة أخيرًا فتكتشف أن وراءها موكبًا من راكبي الدراجات البخارية.. نوعية الفتية الذين يطلقون على ما يركبونه "مَكَنة"، وكل وجه فيه ندوب جرح مطواة قديم.. وفي لحظة يتحول الشارع إلى جحيم هو خليط من غاز العادم وصوت المحركات والكلاكسات وسباب الأمهات!

"ليت الكلاب لنا كانت مجاورة.. وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا"

الإمام الشافعي العظيم في لحظة قرف حقيقية من البشر، يتمنى فيها ذلك الأمل العزيز: ألا يرى أحدًا ممن هو مرغم على أن يراهم، وألا يجد من حوله سوى الكلاب بوجوهها الحساسة ونظراتها الذكية.

لم أعد صغير السن.. يمكن القول إن لي أربعين عامًا من الوعي إذا اعتبرنا السنوات الأولى فترة غيبوبة. طيلة الأربعين عامًا يتكرر نفس المشهد السخيف المملّ.. نفس الصخب.. نفس الوجوه القبيحة.. تتغير الأسماء بينما لا شيء يتغير..

لا.. لقد تغيّرت أشياء كثيرة.. في الحملة الانتخابية الحالية تقدّم فنّ طباعة اللافتات جدًا، والإعلانات تملأ الشوارع عن طرق جديدة لطباعة "البانر".. وفنون الجرافيكس واضحة في كل لافتة، والجديد هو الأغاني الملحّنة والمؤلّفة بالكامل تمجيدًا لمرشح بعينه.. لو على الانتخابات ناوي.. خليك مع الششماوي.. اللي يحب المساكين.. ينتخب عبده أمين... إلخ..


ضوضاء بصرية تدمي العينين فعلاً.. بعض الوجوه يوحي لك بأن هذه ليست حملة انتخابية بل هي قائمة طعام "مصمد" يعرض قائمته من "لحمة الراس"... وجوه تمزق سلامك النفسي وتخدش حياءك (هناك وجوه تخدش الحياء في حدّ ذاتها). أذكر في إحدى الحملات أن أحدهم وزّع كتيبًا بعد صلاة الجمعة يقول فيه: "يقولوا (هكذا في الأصل) ان انا أزرع البانجو وأنا لا أزرع البانجو لأن زرع البانجو ممنوع"!!.. منطق مقنع جدًا ويقضي على أية فكرة تساورك..

في النهاية أنت تعرف النتيجة، وأحد أصدقائي تلقّى علقة من الأمن عندما توجّه للجنة الانتخابات ليمارس دوره كمواطن، وواحد آخر (أستاذ جامعي) قال له الضابط: "امشِ يا له.. مافيش انتخابات هنا..". دعك بالطبع من المسجّلات خطر اللاتي "يحشون" الفتيات بالشطة إذا دنون من اللجنة، كما حكى لي مخرج سكندري معروف رأى هذا المشهد مرارًا بعينه ومنذ كان في العاشرة من عمره، وهو مشهد عرضه بلال فضل مخففًا جدًا في فيلم "خالتي فرنسا".. 

إذن لماذا؟ ما جدوى هذه التمثيلية السخيفة؟ وما جدوى الإنفاق والضوضاء والعرق؟ هل الغرض إنعاش حالة الخطاطين ومكاتب الكمبيوتر والمطربين والملحّنين وبائعي الشطة اقتصاديًا؟ هل الغرض هو إقناع الغرب بأننا ديمقراطيون؟ لا أعتقد أنك قادر على خداع "فيسك" وأمثاله؛ فهم ليسوا بُلهاء.. السفير الأمريكي السابق كان يهوى حضور مولد السيد البدوي في طنطا، فعلّقت جريدة العربي الناصري قائلة: "يعني هذا أنه رجل (موالدي صايع) ولا يستطيع أحد خداعه.. فقط هو يلاحظ ما يريد ملاحظته".

منذ أعوام كان اسم اللعبة الديمقراطية، لهذا جاءت "أبلة كونداليزا" حاملة الخيزرانة للمنطقة، ومن ثم أفلت ثمانون مرشحًا من الإخوان بمعجزة ما.. دخلوا المجلس، لكن أمريكا تلقّت درسًا: اتركوا كل شيء كما هو وإلا سيطر الإخوان على مصر، لهذا تعلمت ألا تتدخل ثانية إلا ببضع كلمات لا طائل من ورائها.

"ليت الكلاب لنا كانت مجاورة.. وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا"..

كيف يملك إنسان هذه القدرة العبقرية على ممارسة الهراء؟ ولماذا تبلغ القدرة على خداع الذات هذا المبلغ العبقري؟

أربعون عامًا من هذا.. نفس الكلام والوعود بالمزيد من الشرف والجرأة البرلمانية وحياة أفضل للجميع.. تكلّم السادات كثيرًا عن الرخاء الذي سينهال علينا عام 1980.. لا أشعر أن هذا الوعد تحقق حرفيًا في الواقع. هناك الكثير من الهواتف المحمولة، وحسابات فيس بوك، والكليبات على القنوات الفضائية.. لكن لا أرى ما هو أكثر..

ثم المحليات! هذه الكلمة التي صرت أكرهها بجوارحي، وأشعر أنها مرادف للفظة "فساد"، بعد ما قاسيت منها أربعين عامًا.. كلما سمعت الكلمة تخيلت رجالاً بالبذلة الصيفية طويلة الكمين إياها ينزلون من سيارة نصف نقل حكومية، ويقفون بوجوه مليئة بالجدية لساعات عند مطعم الكباب، يعدّون الوجبات التي ستقدم في الغداء أو حفل الإفطار الجماعي. نفس الوجوه الخبيثة، والعيون الزائغة التي تبحث عن فرصة للكسب غير المشروع في موضوع الانتخابات هذا.. الكل سعيد.. الكل مفعم بالأمل ما عداي. كل الوجوه تصيح بحماس: هذا بلدنا! هذه مصالحنا.. نعم من القلب لزراعة البانجو.. نعم من القلب للاختلاس وغشّ حديد التسليح.. نعم من القلب للأطعمة الفاسدة المسرطنة.. نعم من أجل تجريف الأراضي.. نعم.. نعم.. نعم....

ترى في وجوههم رائحة التهريب، والتأشيرات المضروبة، وتقسيم الأراضي غير القانوني، وأذون الاستيراد والمضاربة و... و... ترى في وجوههم كل ما أفقرك، وعذّبك، وبهدل كرامتك، وأهانك بين الدول، وملأك بالخوف على مستقبل أطفالك، وجعل أعزة أهلك أذلة..

"ليت الكلاب لنا كانت مجاورة.. وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا"..

لكن الكلاب صارت عزيزة جداً.. لن تجدها بسهولة؛ لأن أصحاب مطاعم الكباب قضوا عليها جميعًا من أجل تحضير عزومات المحليات.. فقط أدعو الله ألا يختفي الليمون، أو عقار "الميتاكلوبراميد" المضاد للقيء؛ لأنني بصراحة لم أعد أتحمل