قصاصات قابلة للحرق

Thursday, January 20, 2011

ليلة شتاء - 3



spc


كانت الغرفة لا تزيد على متر في متر اتساعًا، ومشيدة من القرميد الأحمر فلم يعنَ أحد بتغطية جدرانها، كما كانت هناك خراطيم كهرباء وأسياخ حديدية.. المشهد الذي طالعني على ضوء عود الثقاب المتراقص كان جثة على الأرض، ويبدو أن الماء يتسرّب هنا بشدة؛ لأنها كانت وسط بركة. انتهى الثقاب، فأشعلت ثقابًا آخر، وعلى الضوء أدركت أنها جثة رجل.. عدد هائل من الطعنات والضربات لا يمكن عدّها.. نظرة رعب على الوجه.. 

واضح أنه ريفي وإن لم يكن يلبس الجلباب. من الصعب أن أدقّق في ملامحه التي تشوّهت بهذا الشكل. لكن أهم ما في الموضوع هو أن هناك عددًا من الخِرَق والأكياس الممزقة قد ألقي فوقه.. هناك من حاول إخفاء هذه الجثة عن العيان..

انطفأ الثقاب فأشعلت عودًا ثالثًا.. نعم.. في يده طبنجة.. لكن ليس من الحكمة أن أفحصها؛ لأن البصمات ستكون ثمينة جدًا..

على كل حال حان الوقت.. مددت يدي لنطاقي وأخرجت المسدس الحكومي.. هنا شعرت بالشيخ يضع يده على يدي.. رأيت في وجهه نظرة مناشدة ألا أفعل شيئًا..

ـ "سأشرح لك كل شيء لكن ناشدتك بالله أن تخرج من هنا"

لسبب لا أعرفه قررت أن أثق به.. لا أعرف يقينًا ما سوف أفسده لكنني لن أخاطر بذلك.. 

ماذا يمكن أن يحدث؟ معي مسدس ومع بسيوني مسدس، ومعنا سلطة القانون، ومن المعروف أننا هنا.. ربما كان من الحكمة أن نصغي ونسمع ولا نفعل شيئًا، مؤقتًا.. 

لكن ما يجب أن أتذكره هو أن هذه الأسرة تعرف أشياء لا تعترف بها.. هم يكذبون فعلاً..

طعام مسموم؟ لا.. لن يخاطروا بهذا.. دعك من أنهم أكلوا معنا بلا حذر وبلا انتقاء..

عدت لغرفة المسافرين حيث كانت عملية الالتهام مستمرة. جلست على الأريكة فزام الليثي محتجًا، وهتف بفم مليء باللحم:
ـ "طلبت الذهاب للحمام وليس إنهاء وجبتك"

ـ "سفرة دائمة.."

وتربّعت على الأريكة وأشعلت لفافة تبغ مع كوب الشاي الذي جاء.. لا أنكر أن الجوّ منوّم ومدوّخ. الدفء! الدفء المقيت! العاصفة والبرد بالخارج وأنت هنا دافئ.. لكنك لست آمنًا! لا تنم.. لا تنم!

رباه!.. أنا أمقت مهنتي فعلاً..

لما انتهت الوجبة وغسل الجميع أيديهم نظر الليثي في ساعته.. إن الوقت متأخر جدًا لكن يبدو أن النوّة لا تريد أن تهمد قليلاً..

أمر الليثي الشيخ بأن يجلب لنا ما يلزم للنوم.. سرعان ما ظهرت حشيتان ووسادتان وملاءات.. الكثير منها.. وسرعان ما تحوّلت الأرضية إلى عنبر نوم..

قلت له وأنا أقاوم رغبة عاتية في أن أدسّ نفسي في بحر الدفء هذا:
ـ "نحن لا نريد أن نزعجكم.. إن هي إلا ساعات ونرحل.."

طبعًا كان ما يدور في ذهني هو أن هذه ليست بداية النهاية.. بل هي نهاية البداية على رأي الخواجة تشرشل.. هناك جثة ممزقة في الداخل، ومن مزّقها واحد من هؤلاء على الأرجح..

قال الليثي بشخصيته الكاسحة وهو يساعد على فرد الحشية:
ـ "لا تتفاءل يا باشا.. ربما طال الأمر.. على كل حال نحن لم نتجشّم جهدًا.. كل شيء موجود.."

جلست على الأرض.. ووضعت مطفأة السجائر على حجري.. ثم نفضت السيجارة وسألته:
ـ "هل العاملون بالعزبة هم كل من قابلناهم؟"

ـ "نعم. لكن قلت لك من قبل إن هناك مستأجرين للأرض.. لا أعرف شيئًا عنهم طبعًا، فلا بد أنهم في أكواخهم يرتجفون من البرد.."

جثة ممزقة هنا.. لو كانت من أفراد الأسرة لقالوا لي.. إلا إذا كانوا يمارسون أسلوب أومرتا، عندما ينكرون أي شيء أمام الشرطة؛ لأن لديهم أجندتهم الخاصة للثأر.. ربما... أما لو لم تكن الجثة من الأسرة فالاحتمال القريب هو أن القاتل واحد منهم.. هكذا تتعاون الأسرة كلها على خداعنا، ولا يعرفون أن الشيخ خائن..

أخيرًا صرت وحدي مع بسيوني.. كان قد أكل كثور حتى صار يتنفس بصعوبة، وقال لي وهو مغمض العينين:
ـ "هل أطفئ النور يا باشا؟"

لم أردّ.. نهضت وأغلقت النور أنا.. هنا سمعت بسيوني يقول في الظلام:
ـ "والله أهل كرم فعلاً... خ خ خ!"

تفكيره عملي جدًا.. لقد ظفر بأقصى ما يمكن أن يظفر به وهو وجبة دسمة، وترك لي أنا القلق والخواطر السوداء.. ترى من هو الأذكى؟ أين مسدسي؟ يجب أن يكون معي تحت الوسادة..

كنت أعرف يقينًا أن محاولة اتصال أخرى ستتم..

متى؟ يجب أن أظل متيقظًا..

لا بد أن نصف ساعة قد مرّ، عندما لمحت ذلك الشبح المحني يدخل الغرفة.. فتحت عيني في الظلام وأنا أعرف من هو.. ثم سمعت صوت الشيخ الهامس.. 
ـ "يا باشا!"


يزحف على الحشية إلى أن صار عمليًا ينام جواري! طريقة غريبة جدًا في التبسّط..

تحسّست المسدس ثم سألته بذات الهمس:
ـ "ماذا تريد؟"

قال وهو يرتجف:
ـ "الميت الذي رأيته... اسمه أبو زبيدة.. لا بد أنك سمعت عنه"

أبو زبيدة! من لم يسمع عنه؟ القاتل المأجور الذي شيّب أهالي المنطقة وحيّرنا معه. إنه اسم رنان مخيف.. هارب من عربة السجن منذ عشر سنوات، وعليه حكم بالإعدام. استقر في القرى هنا وله أصدقاء وأقارب يدارونه.. لكنه يملك شبكة اتصالات ممتازة، ويمكن لمن يريد قتل أي واحد أن يتصل به.

من الممكن أن تجد ضحايا أبو زبيدة، لكن من العسير نوعًا أن تجده هو نفسه!

قال الشيخ وهو يرتجف:
ـ "هو القاتل!"

قلت في غيظ:
ـ "ما شاء الله.. هو القاتل.. ومن الذي قتله أبو زبيدة؟ ومن الذي قتل أبو زبيدة؟"

نظر حوله في الظلام ثم همس:
ـ "هذه هي المشكلة.. نحن نعرف القاتل.. لكننا لا نعرف من هو القتيل!" 

.......

يُتبع