قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Saturday, February 26, 2011

ليلة شتاء - 5



spc

رسوم: فواز

لا أعرف كيف نمت

هذا الجو النفسي لا يغري بالنوم أبدًا، لكن الدفء والظلام يصنعان المعجزات.. دعك من أن صوت العاصفة بالخارج يجعل التأثير أسوأ

لقد ذبت في الدفء.. انزلقت قدماي ببطء في حفرة من الشيكولاتة الدافئة، فلم أعد أستطيع التملّص

في المنام رأيت زوجتي.. رأيت أبي.. رأيت

ثم سمعت صرخة مكتومة.. بشكل ما اقتحمت الحلم كما يحدث في "أحلام المنبّه" الشهيرة، وهكذا صحوت من النوم وأنا أرتجف.. استغرقت قرنين حتى أتذكر أين أنا


أخذت مسدسي.. المعدن البارد الثقيل المطمْئن في يدي. ونهضت.. طبعًا لا داعي لأن أوقظ بسيوني

هرعت إلى حذائي فانتعلته، وفتحت باب الحجرة، ووقفت أنصت قليلاً

صوت الرعد هذا

في الخارج كان هناك ظلام دامس وبرد قارس.. لا بد من أن أشعل عود ثقاب. أشعلت العود ورفعته، ورحت أرمق الردهة على الضوء المتراقص

في اللحظة التالية ظهر ضوء متراقص.. ورأيت مصباح كيروسين في يد شخص، لكن بالطبع كان الضوء يأتي من أسفل فلم أتبين الملامح

سمعت صوت الليثي فعرفت بعبقرية أن هذا هو الليثي.. كان يقول
ـ "أنت سمعت ما سمعته يا باشا.. أليس كذلك؟"ـ

ابتلعت ريقي، وظللت أصوّب المسدس نحوه، فقال في ثبات
ـ "ابعد هذه الطبنجة عني فأنت سيد العارفين.. وتدرك أن (السلاح قد يطول)"ـ

ثم تقدّم بذات الثبات ماشيًا في الردهة.. ومشيت وراءه مهتديًا بالضوء الذي يحوم حوله. سألته وأنا أمشي بحذر
ـ "لِمَ مصباح الكيروسين؟"ـ

ـ "يبدو أن الكابل قد ضرب.. الظلام دامس فلا نستطيع أن  نتبيّن السبب.."ـ

في نهاية الممر كان ما يبدو كمطبخ واسع. تأكدت عندما دخلت أنه مطبخ فعلاً.. مطبخ ريفي ذو فرن واسع لخبز الفطير، وهناك عدد كبير من الآنية والدلاء 

فقط يجب أن أقول إن رائحة الموت كانت غالبة

تسألني عن رائحة الموت.. لا أعرف كيف أقول.. فقط لو قضيت في هذه المهنة فترة طويلة لتعلمت كيف تشمّها مثلي

هناك جثة هنا ولتقطع ذراعي إن كنت واهمًا

كان هناك حوض غسيل.. درت حوله وانتظرت حتى لحق بي، فسقط الضوء على الأرض، وهنا أجفلنا معًا

كان العجوز الذي تسلل لغرفتي هناك


كان راقدًا على ظهره وقد ارتسم الفزع على ملامحه. لكن هذه الملامح كانت رخوة فقدت قدرتها على التشكل.. إنه ميت

ركعت جواره وتحسست نبضات عنقه، ثم ألقيت نظرة على عنقه.. كان هناك ذلك الحبل الغليظ يلتفّ حوله في حقد. هناك من خنقه من الخلف، وهذا قد حدث منذ دقائق.. على الأرجح عندما سمعت صوت الصرخة

ـ"ميت؟"ـ
تساءل الليثي وهو يرفع المصباح أكثر، فهززت رأسي

الآن جاءت لحظة الحقيقة.. هناك من قتل هذا الشيخ وهناك من قتل أبا زبيدة.. القاتل موجود هنا ويجب أن أقوم بعمل الشرطة المعتاد

كل شيء يشير إلى أن الليثي الكبير من فعل هذا.. على قدر تصوّري لا يوجد واحد قريب من هذا الجزء من البيت من أفراد الأسرة. دعك من أن أفراد الأسرة كلهم لا تسمح حالتهم الجسدية بعمل هذا.. هذا عمل رجل بالغ

لكن لماذا؟
من قتل هذا الشيخ ولماذا؟

الإجابة المنطقية هي أنه عرف أكثر مما يجب أو تكلم أكثر مما يجب.. هناك من أراد أن يخرسه قبل أن يتكلم أكثر

ما الذي عرفه أكثر من اللازم؟

هنا أستعيد قصته الغريبة السخيفة وأرتجف.. هل في هذه القصة شيء من الحقيقة؟ مصرعه يؤكد بشكل ما أنها حقيقية.. هناك من يهمه ألا يتسرب هذا الخبر، وهذا الشخص هو غالبًا من قتل أبا زبيدة

كان الليثي يسألني
ـ "من فعل هذا؟ الرجل عاش بيننا زمنًا طويلاً.. من الكافر الذي...."ـ

هنا كنت أهرع في الظلام نحو الغرفة التي كنا نائمين فيها، فوجّهت ركلة من فوق الأغطية لجسد بسيوني الذي نهض مذعورًا مبسملاً محوقلاً، وشعره المنتفش وجسده الدافئ يوحيان بأنه كان في الجنة تقريبًا، فقلت له بصوت عال
ـ "حان الوقت لتنهض"ـ

ثم عدت إلى الردهة حيث كان الليثي يراقبني كأنني مجنون.. صوّبت المسدس إلى رأسه وقلت بصوت كالصراخ
ـ "الآن أنا أعرف أن من قتل هذا ومعه أبا زبيدة هو واحد منكم.. إنه تحت سقف هذا البيت!"ـ

ضرب كفًا بكف.. وقال
ـ "يا فتاح يا عليم.. من أبو زبيدة يا باشا؟"ـ

ـ "أنت أدرى!"ـ

هنا سمعت أصوات الأسرة

ببطء يظهرون وهم يفركون عيونهم.. لا بد أن صراخي سبّب فوضى عارمة في هذا البيت.. هناك من يحمل المصابيح

رأيت الفتيين المراهقين والصبي.. ومن رُكن الباب أدركت أن المرأتين هناك 

قلت وأنا أصوّب المسدس نحو الجميع وبيد راجفة نوعًا
ـ"بسيوني.. هناك جثتان في هذا البيت.. الجثة الأولى لأبي زبيدة.. أنت تعرفه.. كل المنطقة تعرفه.. الجثة الثانية للشيخ الذي كان يقدّم لنا العشاء.. من قتل هذين موجود هنا.. تحت هذا السقف.. إنه واحد من هذه الوجوه.."ـ

يا لأعصاب الليثي! لم تهتز شعرة ولم يندهش.. فقط تولى قيادة الموقف بذات الطريقة السابقة، وقال وهو يشير بيده إلى الغرفة التي كنا فيها
ـ"ليكن يا باشا.. يمكن أن تقول هذا كله ونحن جلوس.. سوف أسمع الكلام ذاته حتى لو لم تصرخ!"ـ

ثم صاح في امرأته
ـ "الشاي يا إنصاف!"ـ

قلت وأنا أتراجع
ـ "لن أذوق طعامًا أو شرابًا في هذا البيت.. لا أريد أي شيء سوى تفسيرات!"ـ

ـ "ولك هذا!"ـ

.......

يتبع