قصاصات قابلة للحرق

Thursday, February 24, 2011

شفرة التواريخ



spc


عندما تقرأ هذا المقال في بداية شهر مارس لو أحيانا الله فلا يمكنني بالضبط معرفة ظروف البلد وقتها . حفظ الله مصر وأخرجها من هذا المنعطف الضيق الذي تمشي فيه اليوم . أذكر أنني كتبت يوم 18 يناير في أحد مواقع الإنترنت عن فيلم أمريكي ونشر المقال يوم 28 يناير بينما النيران في كل مكان حتي أن أحد القراء أصيب بذهول لأنني رائق المزاج إلي هذا الحد ! ـ

لا أعرف كيف ستكون الظروف عندما تقرأ أنت هذا المقال فسامحني قليلا وتذكر أنني أكتب هذه الكلمات قبل قراءتك لها بعشرين يوما ! لكني علي الأقل أعرف الآن أننا سنكون قد تخلصنا من سيناريو التمديد والتوريث ولجنة السياسات والحزب الوطني ولربما تكون ملفات الفساد قد فتحت وعرفنا الكثير 

ـ كان لي صديق اعتاد أن يتنبأ بسيناريوهات الغد الكابوسية فكان يقول لي : ' عندئذ ستجد الدبابات في ميدان الساعة ..!' ـ

باعتبار هذا أسوأ ما يمكن أن تصل له الأمور . ميدان الساعة هو أهم ميدان في طنطا بالمناسبة واليوم هناك عدة دبابات تقف فيه .. أي أن أسوأ كوابيسه تحقق .. لكننا نحمد الله أنها ليست دبابات معادية بل هي دباباتنا .. جاءت لحمايتنا وكما ثبت مؤخرا لحماية مصر كلها 

انتهي شهر فبراير .. وقد كنت أحمل لفبراير كراهية خاصة .. لا .. ليس لنفس أسباب الأطباء المعروفة إذ يقل عملهم فيه جدا ويطلقون عليه (فقراير) ولكن لأنه الشهر الذي توفيت فيه أمي في السبعينيات وتوفي أبي في التسعينيات .. ويبدو أنني أنوي الموت فيه كذلك لأنه يحمل دائما وعكة صحية لي والطريف أنها وعكة صحية متجددة في كل مرة .. أي أن المرض ذاته لا يتكرر مرتين ! ـ

اليوم جاء فبراير بذكري باسمة لأول مرة عندما لم تنم مصر ورقص شبابها في الشوارع .. انتصر فريقنا الوطني من الشباب علي الطغيان .. مباراة طويلة استغرقت 18 يوما وكلفتنا الكثير من الدماء والشباب اليانع وساعات الخوف والخسائر الاقتصادية وحتي معقل الحضارة ذاته في المتحف المصري جرح وخسر بعض القطع لكن الثمن كان يستحق .. استعادة حريتك التي استلبت ثلاثين عاما تستحق 

من الغريب أن الشعب المصري استرد حريته في ذات اليوم الذي استرد فيه الشعب الإيراني حريته من طغيان الشاه عام 1979, نفس اليوم 11 فبراير وأن فصل 32 عاما بين الثورتين .. مصادفة غريبة .. أليس كذلك .. لم يفر مبارك .. لكن الشاه فر إلي مصر وكان مصابا بالسرطان اللمفاوي الذي تفاقم حتي لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفي المعادي 

من ضمن المصادفات الغريبة كذلك وفاة الفريق سعد الدين الشاذلي في نفس يوم نجاح الثورة . أي أن أحد قادة حرب أكتوبر كان يرحل عن السلطة وسط جحافل الشعب الغاضبة بعدما دمر ذكراه تماما فلن يذكر عنه العالم سوى أنه الرجل الذي كاد يحرق بلده وشعبه كي يبقي بضعة أيام أخري يرتب فيها أمواله في الوقت ذاته كان قائد آخر من قادة حرب أكتوبر يرحل إلي الفردوس بإذن الله تصحبه دموع حارة وزغاريد أطلقها الشعب لأنه اعتبره شهيدا بإذن الله .. الشعب الذي لم ينس ولن ينسي للشاذلي أنه صاحب خطة العبور وأنه ظلم في حياته بقسوة وهو القائد الوحيد الذي لم يكرم بين رجال أكتوبر بسبب خلافه مع أنور السادات 

لعبة التواريخ الغريبة تعلن عن نفسها 

لا أعرف إن كنت الوحيد الذي لاحظ هذا أم لا لكن شهر فبراير يحمل كذلك ذكرى قاسية لحادثين مروعين يصعب نسيانهما . والغريب أنه بينما الشارع ملتهب وميدان التحرير يعج بمئات الألوف تعود هذه الذكرى كأنها تبتسم في قسوة .. هل هو القصاص .. لا أعرف .. لكنه جاء بطريقة شعرية شكسبيرية غريبة فعلا

في 2 فبراير عام 2006 غرقت العبارة : عبارة السلام 98 التي كانت متجهة من ضبا إلي سفاجا . فرحة العودة للأهل والوطن بعد أعوام من الغربة .. البعض كان عائدا من الحج

العبارة كانت شركة السلام قد اشترتها من إيطاليا عام 1998 وقد تم تدشينها عام 1970 وقضت معظم شبابها في المياه الإيطالية 

كان سبب غرق العبارة هو حريق نشب في المحركات وانتشر بسرعة .. وكانت في هذا الوقت قريبة من مدينة الغردقة . حاول البحارة إطفاء الحريق عن طريق نزح الماء من البحر بالمضخات .. ولكن المضخات التي كانت تطرد الماء للبحر ثانية لم تكن تعمل .. النتيجة هي أن الماء تزايد داخل العبارة وانقلبت

كان غرق العبارة عرضا مذهلا للإهمال والتلفيق خاصة أن أوراق الفحص وشروط السلامة مكتملة لكن هذا كان مجرد حبر علي ورق 

تلقت غرفة عمليات الإنقاذ في اسكتلندا استغاثة العبارة وأبلغت مصر بها لكن الشركة المالكة لم تخطر السلطات قبل مرور ست ساعات ثمينة 

لابد أن المشهد كان شنيعا وجديرا برواية ( لورد جيم ) أو فيلم ( التايتانيك ) والناس تتمني وصول النجاة وتتأرجح بين الأمل واليأس .. ونحن نعرف أن المشهد المأساوي انتهي بغرق 1200 واحد انتشلتهم فرقاطات مصرية مع سفينة حربية بريطانية وطائرة استطلاع أمريكية 

كشفت التحقيقات عن حقائق مرعبة يعرفها كل المصريين .. القبطان فر في قارب وحده وبعض معاونيه وترك الركاب لمصيرهم . وقد تم التحقيق في القضية لمدة عامين وانتهي بالحكم الذي وجده أقارب الضحايا تافها لدرجة لا تصدق

بينما كان الحكم يصدر كان مالك العبارة ( ممدوح إسماعيل ) وولده قد غادرا مصر عبر صالة كبار الزوار وفرا إلي لندن . ولعل هذا من أهم مسامير نعش النظام السابق لأن الناس لم تستطع أن تنسي .. لماذا لم يتم منع ( ممدوح إسماعيل ) من الهرب . وشاعت في المجتمع المصري مقولة : إنك إذا قتلت واحدا تعدم أما إذا قتلت ألفا فأنت تغادر مصر من صالة كبار الزوار لتعيش عيشة الملوك في لندن 

علي كل حال صدر حكم المحكمة بتبرئة إسماعيل وولده وآخرين . وجدير بالذكر أن عبارة أخري لهم هي ( فخر السلام 95) غرقت قبل هذا بعام في حادث تصادم , وتوفي شخصان وجرح أربعون شخصا 

ـ( ممدوح إسماعيل ) قد حفر اسمه بقوة علي النصب التذكاري لأعداء الشعب المصري وصار من ضمن أسماء كثيرة يكرهها رجل الشارع فعلا

هل شاءت الأقدار أن يتم الانتقام لأرواح هؤلاء الضحايا في نفس الشهر بعد خمسة أعوام من وفاتهم .. لا أستطيع أن أقول هذا 

في 20 فبراير عام 2002 احترق قطار الصعيد: هذه قصة قاسية أخري جعلت الكل يؤمن أن هذه الحكومة منحوسة لكن هذه القصة تختلف نوعا عن الموت في البحر غرقا أو طعاما لأسماك القرش .. هنا الميتة أكثر شناعة . ببساطة أنت مسجون في عربة قطار مندفع والنيران تشتعل في كل شيء فلا تجد سبيلا للفرار من الباب .. تتجه للنافذة وتتمسك بها لكنها مدعمة بالقضبان .. هكذا ليس أمامك سوي انتظار النيران . أعتقد أن الله كان رحيما فمات أكثر هؤلاء بالصدمة العصبية قبل أن تمسهم النار

بدأت القصة في ذلك اليوم الأسود عندما كان ذلك القطار متجها من القاهرة إلي أسوان . الساعات الأولي من يوم 20 فبراير والكل نائم منهك يحلم بقضاء عيد الأضحي مع أسرته .. القطار غادر مدينة العياط

هنا يبدو أن أحد الركاب بالعربة الأخيرة أراد أن يعد بعض الشاي .. اشتعلت النيران ولم يستطع الفرار منها ثم تمسكت الألسنة بالمقاعد وبدأت تنتقل بسرعة البرق .. بالطبع ساعدت الريح في هذا 

النوافذ التي بلا قضبان هشمها الركاب الصارخون ووثبوا من القطار المسرع .. هلك عدد كبير منهم

تأخر الوقت حتي لاحظ السائق ما حدث فقام بفك العربات الأولي من القطار ثم طلب النجدة وانطلق بالنصف الأمامي من القطار خشية حدوث شيء آخر .. بالطبع لم تكن هناك طفايات حريق أو أي وسيلة لمكافحة النيران .. دعك من الزحام وسهولة اشتعال المقاعد 

خلال نصف ساعة انتقل فريق طبي لمكان الحادث ومعه 90 عربة إسعاف و 60 عربة إطفاء .. أو هذا ما قاله د . عاطف عبيد رئيس الوزراء وقتها 

التقديرات الرسمية قالت : إن الضحايا 350 لكن بعض العالمين ببواطن الأمور أو يتظاهرون بذلك يقولون : إن الرقم أكبر بكثير .. ربما يجب أن تضيف صفرا !.. ولربما كانت هذه مبالغة 

علي كل حال لا شك أنها كارثة يصعب وصفها . استقال أحمد الدميري وزير النقل بينما حاكمت المحكمة 11 شخصا بتهمة الإهمال الجسيم .. لكن لم تنس المحكمة أن تعلن رأيها الصريح الصادق : هذه الحوادث لن تتوقف وفي كل مرة يتم التضحية بعمال بسطاء أو رءوس صغيرة ( ليروحوا في داهية ) كي يظل الكبار في مأمن 

كارثتان من ضمن كوارث عديدة عشناها مع ذلك النظام ويبدو أن موعد القصاص قد جاء برغم أنه لن يعيد تلك الحيوات الزكية ولن يعوض أما عن ابنها الذي غرق في العبارة , أو ابنا عن أبيه الذي احترق في القطار . دعك طبعا من حادث انهيار صخور الدويقة الذي .... لا .. حادث الدويقة وقع في سبتمبر لحسن حظك لذا سأرحم أعصابك قليلا وأكتفي بهذا القدر

بقي أن نتذكر أن هذا الشهر يضم ميلاد واحد من أشرف وأذكي من أنجبتهم مصر : د . جمال حمدان الذي ولد يوم 4 فبراير وغير نظرتنا لوطننا للأبد ثم لقي حتفه وحيدا وهو يطهو لنفسه بعض الفول علي موقد بعدما عومل كما يعامل كل علماء أمتنا, ويحمل هذا الشهر كذلك تاريخ اغتيال زعيمين إسلاميين فائقي التأثير هما حسن البنا في مصر ــ وبالطبع لا نحتاج لأي شرح لمن هو ــ ومالكولم إكس في أمريكا . يحمل كذلك ذكرى مذبحة الحرم الإبراهيمي المروعة . لا أعرف كيف أربط بين هذه الأحداث لكن هناك رسالة ما لا أستطيع استيعابها . ربما تستوعبها عقول أكبر مني بكثير