قصاصات قابلة للحرق

Saturday, April 2, 2011

سجن الديابة ورق



spc


أحاول أن أبتعد بك عن السياسة بعض الوقت لكن هذا مستحيل .. السياسة في هذه الأيام تتسلل من تحت الأبواب وعبر خصاص النافذة ومن تحت الملاءة . أول ما تبدأ به يومك وآخر ما تنهيه به .. هناك 85 مليون سياسي محنك في شوارع مصر وكل واحد لديه رأي .. آراء تبدأ بأمثال هيكل وهويدي وتنتهي بسائق التاكسي الذي يبدأ وينهي كل عبارة بـ (يا با شمهندز). حتي بائعة الخضر علي الناصية 

هكذا قررت أن أتكلم في السياسة لكنها ليست سياسة بالضبط .. اعتبرها ذكريات 

أيام الحيرة الأولي في الكلية والتقلب في محيط الأفكار والبحث المنهك عن حقيقتك .. أنت تعرف من أنت .. لكنك تجهل تماما ما أنت . في هذه السن التهمت كل كتاب وقع تحت يدي تقريبا ووضعت عشرات الخطوط تحت السطور ولم يكن من الغريب أن يلتقي في داري يوم السبت مجموعة من الأصدقاء الملتحين الذين يتحدثون عن تطبيق الشريعة ودولة الخلافة وكان اسمهم في ذلك الوقت (الجماعة الإسلامية) وفي يوم الاثنين تجد عندي في الدار مجموعة من المثقفين العصبيين الناحلين الذين يتكلمون عن دكتاتورية البروليتاريا وحتمية الثورة العالمية وكان كل واحد يترك لي كتبا .. لهذا كان من السهل أن ترى أشعار هاشم الرفاعي إلي جوار أشعار لوركا 

قد يخطر ببالك أن المجموعة الأولي كانت أكثر أمنا في ذلك الوقت لكن دعني أذكرك أن هذه هي الأعوام التالية لاغتيال السادات مبكرا عندما عرف النظام أنه من المستحيل احتواء الإسلام السياسي أو مهادنته كما حسب السادات وبالفعل دخل عدد كبير من المشايخ السجون ومع الوقت صارت اللحية جريمة أمن دولة في حد ذاتها . لكن النظام كذلك ظل يخشي الشيوعيين والناصريين .. صحيح انه لا يفهم حرفا مما يقولون لكنه يراهم مريبين بما يكفي 

كان لنا ذلك الصديق الذي يمكن تلخيصه بعبارة واحدة ( مناضل ماركسي ). حماسه لا ينتهي ولا يكف عن الكلام والجدال .. أعتقد أنه اعتقل بعدد شعرات رأسه وقد صارحته أكثر من مرة بأنه يجد معدنه وجوه الطبيعي في الاعتقال والحجز وأمن الدولة .. هذه دعابة لم يفهمها قط علي كل حال . ولم يكن مستعدا لقبول كلام هيكل حول أن التنظيمات الماركسية لم ولن يكون لها مستقبل في العالم العربي أبدا 

أقرضني ذات مرة شريط الكاسيت هذا فسمعته وانبهرت . كانت عليه أغان طازجة جدا ورائعة الجمال وكان التسجيل جيدا برغم أنه لم يتم في استوديو. أنت سمعت تسجيلات الشيخ إمام وتعرف هذه الضوضاء الكابوسية التي تتبين فيها الحروف بصعوبة لكن التسجيل هنا كان واضحا 

وعرفت أن صاحب هذا الصوت والألحان شاب مناضل يدعي ( فاروق الشرنوبي ) ولم أكن أعرف الاسم قط قبل ذلك . للأسف لا أذكر اسم صاحب الكلمات الرائعة ولفترة طويلة ظللت أدندن هذه الالحان وكتبت في خيالي فيلما كاملا تلعب فيه هذه الأغاني دورا محوريا

كان هناك فيلم من إخراج ( هال آشبي ) اسمه ( مرتبط بالمجد - 1976) عن مطرب شعبي أمريكي يدعي وودي جوتري وهذا المطرب اختار علي طريقة سيد درويش أن يغني للفقراء والمطحونين .. ينام معهم في العراء أو في عربات قطار البضاعة ويأكل مما يأكلون وقد رفض كل فرصة ليصير مطربا ثريا شهيرا . أعتقد أن أغاني الشريط صالحة جدا للنسخة المصرية من الفيلم 

بعد فترة أخبرني صديقي المتحمس أن ( فاروق الشرنوبي ) سيقدم حفلا في حزب التجمع بطنطا ليلة الخميس القادم . طبعا كان لابد أن أذهب . لم أخبر أبي لأنه كان يعتبر حزب التجمع مزودا بعجلات .. ما إن أدخل حتي يغلقوا المكان بالجنازير ويدفعوا البناية كلها علي العجلات إلي أمن الدولة حيث يحرقوننا بالكهرباء ونموت 

كانت هذه هي المرة الأولي التي أزور فيها حزب التجمع .. وفوجئت بأنه شقة ضيقة جدا في الطابق الأرضي ضمن مجموعة من المساكن الشعبية . شارع ضيق بدوره طفحت فيه المجاري . والشقة بها ما لا يقل عن 200 شخص مما جعل الحركة شبه مستحيلة لكن يظل بوسعك أن تطلب كوبا من الشاي الساخن يصلك بمعجزة ما دون أن يحرق أحدا 

كان ( الشرنوبي ) مسلحا بعود وله نظرات ثاقبة مليئة بالحماس تلتمع من وراء نظارته . وكان يرتجف انفعالا .. تذكرت علي الفور ذلك الساحر الذي كلما نطق بتعويذة نقص عمره ثلاثة أعوام . لا شك أن كل أغنية يغنيها هذا الشاب تختصر من عمره قليلا لأنه يحرق في غنائها أعصابا ودما . لن أنسي وقفته حاملا العود وخلفه مكتبة معلقة بها بعض المطبوعات فكلما انفعل ارتطم بالمكتبة وأسقط مجلدا أو اثنين 

ومع صوته الساحر ودقات علي المنضدة من أحد رفاقه دارت السهرة 

كانت الكلمات شبيهة بالقنابل ... الأغاني قادمة من عالم الشيخ إمام فعلا لكنها مختلفة تماما . أذكر منها تلك الأغنية  
الجمر لسه ف قلبنا احنا .. ما خطاش الضلوع
والحلم لسه في العيون واحنا .. لسه ف مطارحنا نبشر بالطلوع
والسجن يتعمر بأنفاسنا وناسنا .. تلمح العسكر وتسكر بالخضوع
واحنا علي جبل الخلاص
موتنا محتم بالنزول أو بالرجوع
ما لناش سبيل غير الطلوع
آن الأوان .. ما بقاش في غضب العمر جوه القلب يا عشاق مكان
يالله اصرخوا 
وبكل خوف العمر علي المهر المبارز في الضلوع 
يالله اطلقوه  
واتوجعوا لحظة ما حيشق الضلوع ساعة الطلوع اتوجعوا  
واتمتعوا لحظة ما حيطير ف الفضا فارد شراعه اتمتعوا  

أما عن اللحن يا أخي فلن تصدقه . بالفعل يمكن لهذه الأغنية أن تصنع ثورة . إنها المادة الخام للقشعريرة 

وهذه الأغنية الحزينة 
يا مصر يا أم الغلابة .. سجن الديابة ورق
زي القصور المهابة ... ف الثورة راح تتحرق
يا مصر شدي الربابة .. خللي الغنا ينطلق
يسرح يطوف ف الحواري .. يملا الغيطان والبراري

من كان يتصور أن ( سجن الديابة ورق ) فعلا .. كان علي هذه الأبيات أن تنتظر 28 عاما كي تثبت أنها حقيقية أما في ذلك الوقت فقد كانت الداخلية تبدو شيئا عصيا علي القهر بأي قوة أرضية . وكنا ننظر من النافذة فنرى جوار عمود النور ذلك الرجل الريفي ذا الجلباب والمعطف الذي يمسك بعصا ويحاول أن يبدو طبيعيا . هل هم يوزعون علي المخبرين زيهم الرسمي ( اليونيفورم ) قبل العمليات .. هل يعتقدون أنه يخدع أحدا أم أن المطلوب أن يعرف الجميع أنه مخبر 

لم ينس الشرنوبي أن يغني أغنية ظريفة يغازل فيها هذا المخبر الذي ( ترمقه عيونه الجريئة من الشباك ). وكانت هناك أغان ساخرة يقلد فيها لهجة السادات ( يا مصريكاني .. فين الأماني المعجباني .. وسنة 80 .. يا ولادي 80 .. فيلا وبواب .. خنزيرة عالباب .. وميه سخنة ف المواسير .. وعلي الجمعية مفيش طوابير )ـ

كان السادات قد وعد المصريين بقدوم الرخاء عام 1980 وانتهاء كل مشاكلهم .. طبعا لم يبد أي أثر لهذا في الأفق وما زلنا ننتظر 

أما أغنية الأفراح الحديثة فيغنيها الشرنوبي 
الحنة والصباحية 
وعرفت صبية وعيني عليها وعينها عليا .. وعين الناس مستنية
وقبل الحنة أبوها وأخوها وخالة وعمة قالوا لي : استني  
حتدخل جنة .. لابد المهر بألف وجنبيهم مية 

طبعا كان بوسع 1100 جنيه أن تحدث المعجزات في ذلك الوقت ( عام 1983) .. قبل أن تصير الحد الأدني الممكن للحياة .. وهكذا يكون علي العريس البائس أن يجمع هذا المبلغ الفادح 
وطلعت ألف
نزلت أرف
ودخت سنين وعملت الألف
لاقيت الألف ف سوق العفش ما بتكملش 
العفش بألفين وشويه

هكذا يتجه إلي النجار طيب القلب 
عم يا نجار .. أنا بالي احتار 
طب ما ترخص لي السعر يا عم .. ماهيتي يا دوب علي قد الحال
يا بني أنا شغال .. لا أنا صاحب مال
ولا بأملك ف الورشة داهيه .. غير عرقي وأجر اليومية
أعمل لك كنبه وطبلية
وخلو الشقة يا بلديا
افرشهم ف رصيف يا عنيا 
حتشيلني أوناش الداخلية 
طب سافر لبلاد مغنية 

هنا يتوقف العريس التعس وقد أدرك أن هذا هو الحل الوحيد فعلا 
عيني يا بلدي .. ضقتي عليا 
زاحموك هليبة وحرامية 
لا الحنة ولا الصباحية 
لا الحنة ولا الصباحية 

كل الغناء بالعامية .. لا .. هناك لحن لقصيدة محمود درويش الشهيرة ( سجل .. أنا عربي )... وهو لحن لا يوصف 

وهناك أغنية شبيهة بأغاني عمال التراحيل تحمل في قلبها أحزان هذه الأرض منذ عهد مينا 
وكل ما أطل
أنا المصلوب علي بابك بايد الكل
يا عشقي يا اللي أعتابك طواها الذل
أضم الشمس وترابك وأموت ف الضل 
أموت إزاي وأنا الشاهد علي بكره
أنا الفكرة 
أنا الفاس اللي دق وشق بطن الغيط 
أنا في المصنع المكنة وبرضه الزيت
أنا الرقة ف بحر النيل
وبأشرب ميتي عكرة
أنا البدر اللي ف المواويل
وتنسيني وأنا ذكري
خسارة يا مصر
يا اللي القصر يسبيكي ويقتلني
خسارة يا مصر
أنا اللي عشق نور الشمس ف عنيكي مبهدلني 

أما اللحن الذي بدأ الحفل وأنهاه به فكان 
الشمس أم الشعاع
والوردة بنت الربيع
كل المتاع مشاع
والأرض ملك الجميع

أبدا لن أنسي تلك الليلة .. ولقد رأيت عروضا غنائية فاخرة بعد ذلك لكني لن أنسي كل هذا الصدق وكل هذه الموهبة . وقد ظللنا جميعا منتشين لا نلمس الأرض برغم أن كلا منا لاحظ أن شخصا ذا جلباب يتبعه بعد الحفل وكلما توقف توقف الشخص ليتظاهر بأنه يربط الحذاء !.. هذه أشياء متوقعة 

بعد هذا تواري فاروق الشرنوبي تماما .. ثم ظهر في وسائل الإعلام يتكلم عن فوازير شريهان وأغنيته الجديدة لوردة .. الخ .. صار نجما لكني أعترف أنني كنت أحب الأول أكثر . أين ذهبت تلك الأغاني الساحرة ... بالطبع كان من الصعب أن يحييها في العهد البائد لكن لماذا لا يعاود إحياءها في العهد الجديد .. ماذا عن فيلم عن الثورة تصاحبه هذه الأغاني .. فيلم قريب من ( مرتبط بالمجد - 1976) الذي تكلمت عنه 

لو قرأ هذه الكلمات واحد ممن يعرفون شيئا عن هذه الأغاني فأنا أرجوه أن يرد علي .. هذه الألحان من الحرام أن تموت