قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Wednesday, June 1, 2011

بعد أربعة أشهر



spc


ما زال المرء يجد صعوبة في تصديق أن ما حدث في 25 يناير قد حدث فعلا . لا أنكر أن القلق يلتهم تفكيري والاطمئنان ما زال بعيدا بعد أربعة أشهر ونيف من انطلاق الشرارة , لهذا يرجع المرء من آن لآخر إلي الخواطر المتناثرة التي كتبها أيام الثورة أواخر يناير ونصف فبراير كي ينتشي قليلا ويثق بهذا الشعب . لهذا أرجو أن تسامحني إذا شعرت أنني أقول كلاما تعرفه جيدا

وصلتني الدعوة لتلك الوقفة يوم 22 أو 23 يناير من عام 2010 وكانت رسالة إلكترونية تحمل عنوان جماعة 6 إبريل . في 6 إبريل كانت أول بروفة لثورة شبيهة منذ أعوام وقد أحدثت قدرا معقولا من النجاح لكن الأمن المصري قد قهر الشرارة سريعا وكانت هناك نسبة عالية من العيون المفقوءة بسبب الرصاص المطاطي . منذ ذلك الحين أتلقى بانتظام دعوات لوقفات احتجاجية من تلك الجماعة وهي غالبا تكون في حدود مائتي شخص يهتفون في مثلث الرعب الأمني الواقع عند نقابة الصحفيين محاطين بألوف مؤلفة من جند الأمن المركزي بثيابهم السود وعصيهم وصيحاتهم المرعبة ( هوه هوه )ـ

توقعت أن الأمر لن يتجاوز هذه الحدود وجاء يوم 25 يناير الذي يوافق عيد الشرطة ولم نسمع شيئا .. في الصباح كانت هناك بضع قلاقل في لبنان استحوذت علي اهتمام قناة الجزيرة وعند الظهيرة بدأت المظاهرات تتشكل في ميدان التحرير وميدان عبد المنعم رياض وعدد من المدن المصرية 

هنا أصابني الذهول .. لم أتصور قط حجم ولا اتساع هذه المظاهرات حتي أنه عند السابعة مساء بدا أن الأمور تفلت من الدولة تماما .. لقد تم احتلال ميدان التحرير بالمعني الحرفي ومعه مدينة المحلة الكبرى  ـ المعقل الصناعي الأخطر في الدلتا - ومدينتي كفر الشيخ والسويس . وكانت المواجهات الأمنية عنيفة إلى درجة لا توصف لكن بدا أن المتظاهرين شديدو الثبات . رفعت سماعة الهاتف وبصوت متحشرج قلت لصديق لي 
ـ' أعتقد أن الأمر أفلت من النظام .. سوف يحتاج إلي الجيش 'ـ 

راح يضحك ساخرا مني . قال لي إن الدولة في مصر عتيقة عريقة في القمع ولا يمكن أن تزعزعها مظاهرات خمس ساعات لكني لمحت علامات النهاية بشكل ما .. ما أراه يختلف عن أي ذكرى سابقة باستثناء 18 و 19 يناير عام 1977 التي أطلق عليها (مظاهرات الخبز) وأطلق عليها السادات (انتفاضة الحرامية)ـ

تتزايد الأمور والحشد ... وفي يوم الجمعة التالي الموافق 28 يناير جاءت الدعوة للتظاهر بعد صلاة الجمعة . وجلسنا نستمع إلي خطبة الجمعة .. طالت جدا جدا وكانت كلها كلام عن عدم شرعية الخروج علي الحاكم وحرمانية التظاهر .. الخ .. تبادلنا النظرات .. ورأينا كثيرين من المصلين يلبسون حذاءهم ويغادرون المسجد دون أن يكملوا الخطبة . هذه الخطبة لم يكتبها الإمام قطعا بل كتبها (مراد بيه) أو (أشرف بيه) ضابط أمن الدولة في مكتبه . وقد تكررت الظاهرة في كل مسجد في كل مدن مصر تقريبا . (بعد نجاح الثورة راح نفس الإمام يطري علي الثوار ويهنئنا علي أننا صرنا قادرين علي الكلام بلا خوف)ـ

في ذلك اليوم حدث أغرب شيء في العالم . توقفت الهواتف المحمولة عن العمل وتوقفت شبكة الإنترنت تماما . عمى إلكتروني ورقمي كامل وضعونا فيه حتى أننا عدنا للماضي مئة عام .. لقد قرر النظام أنه ما دام الاتصال بين الشباب يتم عبر الإنترنت وعبر الهاتف المحمول .. إذن فالويل لهما .. أما عن قناة الجزيرة فتلاشت من أجهزة التليفزيون ... وبدا أن الحرب الإلكترونية في ذروتها .. تتلاشى الجزيرة فيتم البحث عنها .. ثم تتلاشى من جديد ... الخ .. قناة سي إن إن ترينا ما يحدث في شوارع القاهرة مع تعليق يقول : 'الحقيقة أن مصر لم تعرف قط يوما كهذا !'. ومصطفي الفقي علي قناة الجزيرة يتساءل في دهشة : أين الرئيس مبارك .. لقد حان وقت ظهوره؟ !. فجأة صار (منا) وليس (منهم). التليفزيون المصري وقنواته الفضائية يرسم لنا قاهرة مليئة بالورد ونيلا هادئا صافيا 

لا أعتقد أن هناك حكومة قد بلغت هذا الحد من قمع المعلومات من قبل.. أما من يتصل بالمحمول طلبا للغوث أو الإسعاف فله الله . لكن بدا بوضوح أن النظام لم يعد يبالي بصورته أمام العالم أو يدعي أنه متحضر . وكان هذا اليوم من أعنف أيام الثورة على أنه انتهى نهاية محتومة هي أن الأمن تراجع تماما وقد أنهى آخر ما عنده ونزع الضباط ثيابهم وفروا من سخط الجماهير .. وعند السابعة مساء كان الأمن قد ذاب تماما واستعان بقوات الجيش . كنت أقل زوجتي بالسيارة لنوبتجيتها في المستشفى فلم أستطع أن أفتح عيني من رائحة الغاز المسيل للدموع برغم أن شارع البحر كان خاليا من الناس تماما فقد انتقل الزحام لمواضع أخرى من المدينة .. ومن بعيد كنت أسمع صوت الرصاص والانفجارات الصادرة من تدمير قسم أول وقسم ثان بطنطا على أيدي البلطجية 

مبارك يظهر في ساعة متأخرة بعد ثلاثة أيام من الأحداث ليلقي خطابا لا قيمة له تقريبا .. وكما يقولون : متأخرا جدا .. قليلا جدا .. كل ردود أفعاله متأخرة وبطيئة وفي كل مرة يتصرف ككاتب قصص بوليسية يحاول أن يقدم للقارئ آخر شيء يتوقعه في كل خطاب 

الغباء الأمني : ذلك المزيج الفريد من الشراسة والغباء الذي لا تجده إلا لدى الضباع . كان المتظاهرون يسجدون لله خلف إمامهم عندما تقدمت مصفحة الأمن وراحت ترشهم بالماء بلا توقف . أدرك كثيرون القيمة الرمزية للمشهد وانضموا للساجدين الذين واصلوا الصلاة غير مبالين بسيل الماء . لو أن أبا لهب أو شارون كان في القاهرة لما جرؤ علي تجاوز هذا الخط الأحمر لكن الحقيقة هي أن الأمن كان قد فقد أعصابه تماما ولم يعد يحاول أن يرسم ابتسامة متحضرة وسوف يظل هذا المشهد خالدا لأنه قد تم تصويره . ترى عربات الأمن تندفع وسط صفوف المتظاهرين لتسحق عشرات منهم وترى ذلك الشاب الذي يقف بلا سلاح أمام القناصة فيلوح بذراعيه في حركة مسرحية جديرة بقصص مكسيم جوركي .. للأسف لم يكن القناصة من قراء مكسيم جوركي وقد أطلقوا عليه طلقة واحدة أردته صريعا وسط صراخ النسوة اللاتي صورن المشهد . هذا الموقف جدير وحده بأن يشعل ثورة 

كلما هبت الشعوب العربية غاضبة ظهرت صورة جمال عبد الناصر من مكان ما .. عبد الناصر يصر علي العودة فلا يريد أن يترك الشعب العربي وحده أبدا 

العبرة بالنهايات : مبارك بطل حرب أكتوبر الواعد أنهى حياته برقصات الفرح في الشوارع والرقص فوق الدبابات وعبارات التهاني يتبادلها 85 مليون مصري لرحيله .. لشد ما تتألم النفس إذ ترى ما وصل له هذا الرجل بسبب التعالي واحتقار شعبه والالتصاق بكرسي الحكم وابنه جمال وكل المليارديرات الذين ترك لهم بلدا بحجم مصر كي يتسلوا بإدارته. أبدا لن يتذكر أحد حسني مبارك بحرب أكتوبر بعد اليوم .. سوف يتذكرون أنه الرجل الذي كاد يحرق مصر وكاد يشعل فيها الحرب الأهلية لمجرد أن يبقى يوما آخر 

كانت السياسة واضحة : إما أن أستمر في الحكم أو أسلمكم مصر محروقة علي طريقة نيرون (وما زالت هذه السياسة قائمة). بدا هذا واضحا في عبارة (أنا أو الفوضى) التي كررها في خطابه وكان التنفيذ علي الأرض جليا .. لقد انسحبت الشرطة تماما من الشوارع .. لم يعد هناك رجل مرور واحد وفي الوقت ذاته أحرقت كل أقسام الشرطة في البلاد تقريبا وفتحت السجون ليخرج منها الخطرون تحت تهديد السلاح .. الخطرون الذين سطوا على أقسام الشرطة ليأخذوا السلاح ومن ثم سادت ظاهرة البلطجة والسطو المسلح . بدا واضحا أن النظام يمارس عقابا جماعيا على الشعب المصري .. انهوا هذا العصيان قبل أن تتبخر البلاد . وكنت على يقين أنه في لحظة من اللحظات أصدر النظام تعليماته للدبابات بإطلاق المدافع علي المتظاهرين أو وطئهم بالجنازير كما حدث من قبل في الصين ورفض الجيش طبعا . ما كنت لأندهش لو حدث هذا لأن النظام برهن عن احتقار واستخفاف بالمصريين يفوق الوصف 

الإعلام المصري مارس لعبة قذرة : اللعبة التي مارسها الإعلام هي لعبة التخويف حيث راحت مكالمات ربات البيوت المذعورات تنهمر على وسائل الإعلام : أنا خائفة وعصابات البلطجية تملأ الشارع .. انقذونا !.. لا تخافي .. سوف نرسل لك الجيش حالا .. بالفعل بدأت اللعبة تؤتي ثمارها . وترددت عبارة 'ما الذي فعله بنا هؤلاء المجانين .. كنا مظلومين يستلب حقنا ومالنا وكرامتنا لكننا كنا في أمان !'. وفي هذا المناخ تتضخم الشائعات بقوة .. الحافلة التي أنزل البلطجية من فيها من نساء واغتصبوهن .. من الذي رأى هذا .. لا أحد .. كل واحد سمع هذا من فلان .. وفلان سمع هذا من فلان .. الإعلام المصري يمارس الكذب ثم الكذب ثم الكذب .. هذه قلة من العملاء تلقت تدريبا علي الإرهاب في إيران والموساد . وتنهمر المكالمات ليقسم كل من يتصل أن هناك عملاء يتكلمون الإنجليزية يملأون ميدان التحرير وهم يوزعون علي كل شاب يهتف ضد مبارك 20 يورو ووجبة كنتاكي . وفي المجتمع المصري سادت دعابة تسمية الكشري والفول باسم كنتاكي 

البقاء في السلطة ستة أشهر أخرى لم يكن لمجرد الحفاظ علي كرامة الرئيس أو تسليم البلاد في سلام كما قال مبارك .. وإلا فماذا يستطيع عمله في ستة أشهر مما لم يستطع عمله في ثلاثين عاما .. لا شك أن المطلوب كان فترة تسمح للحيتان بترتيب أمورهم وإخراج ما تبقي من أموال لهم في البلاد وإخفاء آثار جرائمهم . لقد انكشف جزء من المجرور ففاحت روائح عطنة .. لكن غطاء المجرور ظل يخفي الكثير وقد كانوا حريصين علي إبقاء الغطاء فترة أخرى

عندما يصلني خطاب ملهوف من سوريا وخطابات ملهوفة من تونس ومن السعودية ومن .. ومن ... وعندما أجد أن فرحتهم حقيقية برحيل الطاغية حتي لأوشك أن أرى الدمع في عيونهم . فليقل من يريد ما يريد لكن الوحدة العربية حقيقة .. وحدة اللغة والجغرافيا والتاريخ المشترك بعد ما علمونا لبضعة عقود أن هذا وهم صنعته الحكومات الشمولية العتيقة . دعك من التهاني للشعب المصري من كندا وكوريا والنرويج وفرنسا و .. و ... إن هذه الشعوب لا تحترم سوى الكرامة مهما بدا أنها تشفق علي الشعوب المقهورة 

هذا الحدث يذكرنا بثورة 1919 ويتجاوزها .. لقد استخرج من النفوس المصرية طاقتها والكثير من حماستها وتوهجها .. كما قال أحد الشباب : لقد عرفنا الطريق لميدان التحرير وسوف نعود كلما اقتضى الأمر. إن الدكتاتور القادم لا وجود له أو سيفكر كثيرا جدا قبل أن يظلم شعبه . إن الغد صعب والتحديات جمة لكنك على الأقل من يصنعه وليس لجنة السياسات

ويريدون أن يضيعوا هذه السيمفونية العذبة الجميلة في مظاهرات طائفية وفئوية حمقاء ونغرق بين ضيق أفق البعض والمؤامرات التي اجتمعت عليها ذئاب الحزب الوطني التي دفعت الملايين لتدخل المجلس ثم وجدت نفسها في الشارع والمتسلقون الذين جاءوا من فراغ وذئاب أمن الدولة التي تملك الوسيلة والرغبة في تدمير كل شيء ودول تمثل أعداءنا ودول تمثل الرجعية 

يجب أن نلزم الحذر ولا نضيع كل شيء .. يجب أن نتماسك ونؤجل المصالح الذاتية بعض الوقت . يجب أن نعمل ونتفهم ونتسامح وإلا فنحن نخون تلك الأيام القدسية .. نخون كل شهيد لقي ربه من أجلنا