قصاصات قابلة للحرق

Thursday, July 7, 2011

إعلام.. لا ينام



spc


أخيرا نعود للكلمة المطبوعة من جديد، ويصير لنا بيت نكتب فيه بعد زمن من الكتابة على الأثير. الحق أن للورق سحرا أكيدا.. الورق الذي يحمل رائحة الحبر وينثني ويتجعد ويتسخ بالبقع، ويصلح لأن تلف فيه الخبز وأنت عائد لدارك. هذه هي الكلمة المطبوعة في ذروة مجدها، بينما الكتابة على الإنترنت سريعة البخر غير مريحة في القراءة. لكننا كنا قد قررنا أن نستمر مع «الدستور الأصلي» حيثما ذهب وكيفما صدر، ولهذا اضطر المرء إلى الكتابة على شبكة الإنترنت لفترة طويلة

مبروك يا شباب إذن.. ومبروك يا عم إبراهيم عيسى.. كنت أعرف أنك لن تستطيع الحياة دون رائحة حبر الطباعة لفترة طويلة

تضخم دور الإعلام بعد الثورة.. تضخم جدا.. ويمكن القول بلا خطأ كبير إنه صار أقوى من أي محاولة للسيطرة عليه أو احتوائه أو تنظيمه.. ومنذ أشهر ينهال علينا شلال من المقالات والبرامج الحوارية والمكلمات التي تعطي خدمة 24 ساعة، حتى إن الشخصيات الشهيرة يجري بعضها حوارات صحفية مع بعض. في ما بعد سوف يذكر التاريخ أن هذه أول ثورة تتزامن مع ثورة وسائل الاتصال مثل الفضائيات والمواقع الاجتماعية وشبكة الإنترنت، لهذا يوجد ثمانون مليون معلق ومفكر سياسي. لأسباب كهذه بدأت ظواهر إعلامية جديدة تظهر سوف نذكر بعضها

ـ1ـ ظاهرة «فشوا غلكم»: هنا تتعمد الصحف أو مواقع الإنترنت نشر خبر مستفز يثير الجنون، وتكون الدعوة عامة للقراء كي يعلقوا بالشتائم، وتكون هذه هي الفائدة الوحيدة للخبر الذي لم يزد القارئ علما أو حكمة. كأن كاتب المقال يقول للقارئ: ضع شتائمك هنا من فضلك، ثم يسترخي في مقعده ويشرب النسكافيه وهو يرى الدماء تغطي الشاشة... هل تريد عينات من هذه الأخبار؟

ـ سمية الخشاب ترشح نفسها رئيسا لمصر وتقول إن لديها قاعدة جماهيرية عريضة. طبعا يمكن تخيل تعليقات القراء على هذا الخبر الخبيث

ـ مرتضى منصور يطالب النيابة بأخذ تعهد على البرادعي بعدم التعرض له بعد ضربه. أي أن مرتضي منصور خائف من بلطجة البرادعي وإجادته اللعب بالسنجة وقرن الغزال، وهو كذلك حسب الخبر يتهم أيمن نور وأمير قطر وزوجته الشيخة موزة، ويطلب الحصول على تعهد عليهم بعدم التعرض له

ـ خرج الأطباء المعالجون والمشرفون على علاج حسني مبارك الرئيس السابق المحتجز بمستشفي شرم الشيخ الدولي من إضراب الأطباء. هذا خبر مصمم بعناية ليظهر الأطباء كخونة الثورة ويتلقوا الشتائم

ـ التقارير الخاصة بمبارك التي أجريت بمستشفى شرم الشيخ الدولي أثبتت إصابته بمرض النقرس المعروف علميا باسم «داء الملوك» والذي يصاب به الكثير من أثرياء العالم وينتج عن الإسراف في تناول اللحوم الحمراء في الطعام. طبعا هذا خبر يدل على عدم الأمانة الصحفية والرغبة في الإثارة فقط. معظم الناس عندهم ارتفاع في حمض البوليك حتى كاتب الخبر نفسه، ومريض النقرس ليس بالضرورة نهما في أكل اللحم لأن كثيرين يحصلون على حمض البوليك من الفول. هذا خبر لا قيمة له سوى جذب شتائم الناس وسخطهم، مع قدر لا بأس به من الحقد الطبقي. ومن جديد نكرر: أكره مبارك لكن بعقل

ـ دعك بالطبع من أخبار طلعت زكريا وفيلمه الجديد وتأكيده أن كرم المصريين وتسامحهم هو ما سينقذ الفيلم، بعد اتهامه الرقيق لشباب الثورة بالدعارة وتعاطي المخدرات

ـ2ـ ظاهرة الخبر الصالح لمرة واحدة
Disposable
الذي يتم تكذيبه بعد ساعات: هذه الظاهرة ناجمة إما عن تلفيق صريح لدى الصحفيين الذين يريدون ملء صفحات الصحف بأي شيء، وإما عن عدم دقة في جمع الأخبار، وإما عن تسريب من جهة تبغي إثارة حيرة الناس وبلبلة الرأي العام أو تخديره، والنتيجة هي أن القارئ لم يعد يصدق أي خبر على الإطلاق حتى الخبر الذي يقول إن اليوم هو الثلاثاء أو الأربعاء. ويكفي أن ترى ردود القراء لتجدهم لا يصدقون أن مبارك في شرم الشيخ أو أن أيا من المسؤولين في طرة.. هذه مبالغة في البارانويا طبعا لكنهم معذورون. صارت عبارة «لا صحة لما نشر عن…» أو «فلان ينفي ما نسب إليه حول…» لازمة في كل الأخبار. المشكلة كذلك هي عدم أمانة التبليغ أو إقحام الخلافات الشخصية في الأخبار، وهكذا يرى فاروق الباز مثلا أن ممر التنمية حل عبقري ووحيد لمصر يتجاهله المسؤولون لأنهم لا يبالون بمستقبل هذا الجيل، بينما يقول آخرون إنه لا قيمة له ومشروع فاشل ومجرد محاولة من الرجل لإثارة صخب إعلامي (كأنه ما زال بحاجة إلى الشهرة)، وقد يكونون قالوا هذا لتصفية حسابات مع الباز.. لكن كيف يعرف القارئ غير المتخصص الحقيقة؟ هناك حشد هائل من هذه الأخبار نذكر منها على سبيل المثال

ـ خبر احتمال العفو عن مبارك أثار الناس وأحدث الكثير من القلق، ثم تم نفيه.. ربما كانت طلقة اختبار لمعرفة حجم غضبة الشارع

ـ كل أخبار مبارك في شرم الشيخ من هذا الطراز.. إنه أحيانا مريض جدا وأحيانا هو مصاب بارتجاج أذيني أو رجفة أذينية.. وكل الأطباء الذين يعالجونه كانوا على خطأ فلم ينقذه سوى الدكتور السباعي الذي لم يمارس الطب الإكلينيكي قط. وفي الصباح تكتشف أن حالته ممتازة وأنه بخير.. وعند المساء نجده في حالة خطيرة وخبر وفاته محتمل جدا

ـ أخبار محاكمة العادلي وما قال وفعل في بداية الثورة وغرفة جهنم و… و… بعد أسبوعين من قصص ألف ليلة وليلة أعلن العادلي أنه حر ولم يحقق معه أحد

ـ هذه القارئة التي تعمل في جهاز مهم لمراقبة أرصدة الأموال ومنع غسلها، تكتب لبلال فضل يوم 28 مايو قائلة: «حتى اليوم لم يتم تجميد أي من أرصدة مبارك والعائلة (في الخارج) أو المسؤولين الواردة أسماؤهم في قرارات النائب العام بما فيها أرصدة حبيب العادلي!».. معنى هذا ببساطة أننا نعيش في عالم من الهلوسة الافتراضية أو «ماتريكس» يجعلنا راضين و«آخر انسجام»، بينما نحن نتلقى صفعات عملاقة على أقفيتنا. هذه العبارة وحدها كفيلة بإشعال عشر ثورات ولا بد من رد واضح عليها.وما زالت اكتشافات الإعلام الجديدة تتوالى..

للحديث بقية إذن