قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, August 16, 2011

ما زال صالحا



spc


منذ عام تقريبا كتبت هذا المقال فى جريدة الدستور الأصلى، والفكرة هنا هى أننى عدت لقراءته فوجدت لشدة ذعرى أنه ما زال صالحا. الفارق الأكيد الوحيد هو أن مشروع التوريث انتهى، وعصر مبارك قد تلاشى مهما زعم هواة نظرية المؤامرة. لكن ما زال السؤال حيا ومشروعا: متى يصير هذا المقال ميتا وغير صالح؟

ـ«كنا داخل الطائرة فى مطار كوالالمبور العاصمة الساحرة لماليزيا، التى تجمع ما بين سحر آسيا العريقة وتحضُّر أى دولة غربية حديثة، عندما لاحظنا أن الضباب كثيف أكثر من اللازم خارج المطار. ثم عرفنا أن هناك حريق غابات هائلا جعل الرؤية فى العاصمة شبه معدومة، وأن هناك حالات اختناق لا بأس بها. لكن الطيار قدّر أن الرؤية معقولة لأن الدخان لم يبلغ المطار بعد، وهكذا انطلق على الممر وسرعان ما صرنا فوق السحاب، وصارت كوالالمبور وحريق غاباتها ذكرى بعيدة. من حسن الحظ أنهم سيطروا على الحريق سريعا فلم تحدث كارثة كالتى حدثت فى روسيا

كان هذا شعورا ممتعا وقاسيا فى آن، أن تترك المشكلات على الأرض وتفر.. صحيح أنه لا يخلو من النذالة، فأنت تخليت عن إخوانك فى الإنسانية لمجرد أنك محظوظ وأن لديك مقعدا فى الطائرة. لكن الحماسة لم تكن لتبلغ بى درجة أن أصرخ ليوقفوا الطائرة وأنزل

كلما قرأت عن المشكلات المنهمرة على مصر فى الفترة الأخيرة تساءلت عن طريقة الحل.. من أين يبدأ مَن يبدأ، وكيف تستمر السفينة طافية فوق الموج العاتى؟ ثم أُدرك أن جيلى لم يعد لديه وقت كاف لحل أى شىء.. عليه أن يركب الطائرة ويصعد.. بلا هبوط هذه المرة. هذا يعنى ببساطة أن المشكلات كلها سوف تنهمر على رأس ابنى.. لقد خدعته وهربت بنفسى بينما يواجه هو كل هذه الأخطار

آسف يا بنى.. سيكون عليك أن تفهم هذا اللغز المحير الذى لا بد أن الأمم تحكيه لبعضها على القهاوى مع كثير من الـ (هع هع هع) و(كفك). وسائل الإعلام تتحدث عن أن مصر تعتزم إعادة شراء الغاز الطبيعى الذى تصدره إلى إسرائيل، بسبعة أضعاف السعر الذى تدفعه الدولة العبرية، والسبب هو نقص الغاز الطبيعى مما أدى للعجز عن مواجهة الضغوط على شبكة الكهرباء فى موسم الحر الشديد. الجانب المصرى ينفى هذا ويسخر منه، لكن صحيفة إسرائيلية تقول إن الحكومة المصرية قررت إعادة شراء 1.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى، بنحو 14 مليار دولار. أى أننا سنشترى ما كان ملكنا بسبعة أضعاف سعره

سيكون عليك فهم هذا يا بنى والتوصل إلى جواب

سيكون عليك كذلك أن تفهم لغز القمح الذى يبدو أنه لن يسمح لنا بالاكتفاء ذاتيا منه أبدا. سيبقى وسيلة ضغط وتهديد دائمة، لكن أحدا لا يريد أن يوجِد حلولا.. صحيح أن الكانتالوب والفراولة طعمهما ألذ، لكنك لا تستطيع صنع رغيف من الكانتالوب.. صدقنى

سيكون عليك كذلك فهم لماذا تتسرب آثار مصر بهذه السهولة والسرعة، وكيف تتم سرقة لوحة (أزهار الخشخاش) وهى قد سرقت من قبل؟ يُخيَّل إلىّ أن من يرونها فى المتحف يرونها فى اللحظات النادرة التى لا تُسرق فيها، ومن جديد يتبين أن نظام الأمن هيكلى والكاميرات تالفة.. إلخ. ولسوف تدرك مع التدقيق أن ما دعا إليه البعض قديما يتحقق؛ ألا وهو بيع تحف متحف محمد محمود خليل لسداد ديون مصر، لكن أحدا لن يسدد ديون مصر، سوف يسددون القسط الرابع من ثمن فيلا بورتو مارينا، وألف رحمة على محمد محمود خليل الثرى الأمثل نصير الثقافة والفنون الذى جمع هذه التحف من ماله، ليهديها إلى شعبه. لابد أنه يتقلب فى قبره ألف مرة يوميا. كنت فى زيارة لمتحفه عندما رأيت لوحة لديلاكروا (ولعله كان فلاسكويز) معلقة جوار باب شرفة مفتوحة، وقد حمصتها الشمس تماما حتى كادت الألوان تذوب والقماش يحترق.. قلت لأحد الأمناء هناك إن هذا إهمال جسيم، فقال فى ملل إنهم طلبوا ستائر سميكة لهذه الغرفة من وزارة الثقافة منذ ثلاث سنوات فلم يفعل أحد أى شىء.. والعهدة على كلام الرجل طبعا

أما عن أزمة ماء النيل فلسوف تحاول أن تفهمها، ولو شاءت رحمة الله فلن نصل إلى الصورة المخيفة التى نهابها جميعا والتى وصفتها كتب التراث. متى تراجع دور مصر وتراجعت هيبتها حتى تجتمع دول الحوض لتعلن توقيع اتفاقية توزيع جديدة لماء النيل؟ اتفاقية بديلة عن اتفاقية 1929، منفردة عن مصر والسودان اللتين رفضتا هذه الاتفاقية وأعلنتا أنهما لا تلتزمان مطلقا بها. إثيوبيا تعتمد فى الزراعة على الأمطار الغزيرة جدا لكنها مصممة على بناء 70 سدا على مجرى النيل. الكل كان ينذر من أن نصل إلى وضع كهذا، ومنذ أعوام طويلة قال هيكل إن مهمة حاكم مصر الرئيسة تنحصر فى شيئين: تأمين مياه النيل والحفاظ على الوحدة الوطنية. وما يسمونه مغامرات ناصر فى أفريقيا كان هدفه أن يبقى لمصر هيبة ودور عند المنابع. لقد انسحبت مصر وتكومت على نفسها تاركة المجال لإسرائيل كى تعبث كما تريد

سيكون عليك كذلك يا بنى أن تواجه ظاهرة انقطاع الكهرباء والمياه، وأن تقرأ تصريحات المستشار عدلى حسين، كذلك التصريح الذى ألقاه فى فاعليات ملتقى الفكر الإسلامى بالحسين، وقال فيه إن هذه الأزمات تضاعف ثواب الصائم! ولو سمح لى أن أسأله عن هذه المدرسة السياسية الجديدة: مدرسة تعذيب الناس كى يُغفر لهم. ولو سمح لى أن أعرف ما يفعله عندما ينقطع التيار الكهربى عنده فى بيته.. هل يقبل الأمر فى تبتل لأن ثوابه قد تزايد، أم يتصل ليوقع الرعب فى قلب هذا المسؤول أو ذاك؟

هناك كذلك مشكلات التعليم والأسعار التى جعلت كل بيت فى ضائقة، والتهاب الكبد الوبائى والفشل الكلوى و.. و.. لا أدرى هل هو النحس أم أن أخطاءهم تراكمت بسبب طول بقائهم؟

سيكون عليك أن تحل هذا كله يا بنى، وبعدها ستكون الحياة رائعة

نعم يا بنى.. ربما يمتد بى العمر حتى التسعين، لكنه سيكون مقلبا قاسيا فعلا. اعتقادى أننى سأركب الطائرة قريبا وأحلق مبتعدا لأننى رجل محظوظ. صحيح أنها رحلة بلا هبوط، وصحيح أنها لن تكون من مطار كوالالمبور، لكن لا تنكر أننى سعيد الحظ»ـ

كان هذا المقال منذ عام، والحقيقة أننى فى شهر أبريل 2011 أقلعت من المطار فعلا ثم عدت إليه بإرادة ربانية.. وما زلت أنتظر اللحظة التى يصير فيها هذا المقال كالطربوش لا يصلح للعصر. ربما يحدث هذا ببطء لكن عِدونى أن يحدث