قصاصات قابلة للحرق

Thursday, August 25, 2011

الكالكوليتور هو اللى بيقول!



spc


أحب البرادعى كثيرا وأثق فيه، وليكونن من حسن حظ هذا البلد أن يتولى قيادته رجل مثله عبر الأعوام الثلاثة العسيرة القادمة. وهو الفرصة الوحيدة -والأخيرة- كى تتعايش كل فئات المجتمع المصرى وكل التيارات الفكرية فى إطار الحقوق والواجبات والاحترام. أحبه وأؤمن بأنه هز الكثير من الصدأ المتراكم على النفوس، ويمكن قياس أهميته بشراسة الحملة التى تهدف لتشويهه معتمدة على سخافات من طراز (العميل الأمريكى الذى أدى لغزو العراق) أو (داعية العلمانية).. إلخ.. هذه الحملة التى رددناها مرارا، لكن من افتعلوها أتباع فلسفة (نقول طور يقولوا احلبوه) لا يقرؤون سوى ما يكتبونه هم، حيث التفوا حول أجهزة الكمبيوتر يتلقفون كل حرف عن البرادعى على شبكة الإنترنت ويردون عليه سبابا. هناك أتباع النظام السابق وأمن الدولة الذين عرفوا البرادعى عندما رأوه أول مرة، وعرفوا أنه جلادهم وقرروا أن مهمتهم فى الحياة هى قطع رقبته. وهناك من يهمهم بأى شكل ألا تكون فى مصر دولة مدنية، والذين يرون أن أفغانستان نموذج حضارى مشرف فعلا، والذين يرون أن عمرو موسى يجيد انتقاء رابطات عنقه بعكس البرادعى الذى يبدو مثل موظف مسن أرهقته المسؤوليات

من أغرب ما قرأت كلمات فتاة تعلق على البرادعى قائلة: «لن أنتخبه لأنه سيخسر بالتأكيد.. وأنا غير مستعدة لتضييع صوتى على مرشح سيخسر!» تأمل المنطق العجيب! سوف أترك البرادعى يخسر لأنه سيخسر

كما قلت أنا أحب البرادعى وأمقت المحاولات الخائبة لتشويهه، تلك المحاولات التى نجحت للأسف مع قطاع كبير من الناس، أولئك الذين لا يدققون فى خياراتهم. لكنى فى الوقت ذاته أجد محاولات لدعمه أقل ما يقال عنها إنها سخيفة

فى فيلم (استقالة عالمة ذرة) يظهر الفنان الظريف سيد زيان فى دور سباك نصاب. يجرى بعض إصلاحات فى بيت العالمة ثم يخرج الآلة الحاسبة فى (ألاطة) ليحسب: مئة جنيه فك مواسير.. مئة جنيه رجلشة مواسير.. مائتا جنيه تسليك بالوعة.. إلخ
لما اعترض صاحب البيت على هذه الأرقام المبالغ فيها، قال سيد زيان وهو يشعل سيجارة أمريكية: «مش أنا اللى باقول يا أستاذ.. الكالكوليتور هو اللى بيقول!»ـ
كأنما الكالكوليتور سلطة علوية سماوية لا تناقش، وكأنما ليس هو من قام بتغذية الجهاز بالأرقام

وصلنى خطاب يحمل عنوان: (هل تعرف كيف تختار رئيس الجمهورية؟) ويحمل توقيع أستاذ محترم فى علم الاجتماع. بداية الخطاب أتفق معه تماما: الأمر المقلق والمحير هو تفكير كبار المثقفين والكتاب حول هذا الموضوع، وهم كثيرون. وكان آخرهم الدكتور ممدوح حمزة، حيث يقول إن البرادعى لا يصلح لرئاسة الجمهورية لأنه «عاش برة» ثم يأتى كاتب آخر وهو الأستاذ عمرو صابح فى جريدة العربى (14 أغسطس) ويقول فى مقال طويل إن «البرادعى بطل من ورق فى 25 يناير». والحقيقة أن الحبيبين حمزة وصابح ينطبق عليهما المثل الشعبى «ما لقاش فى الورد حاجة قال دا أحمر الخدين» الذى يعيش بره يرى النور فيدرك الظلام ويشعر به، والذى يعيش بره لا يُلَوث ولا يتعود على الخبائث الاجتماعية فلا يشعر أنها مصائب

ثم يقول الأستاذ إن لديه معايير يحكم بها بين المرشحين لرئاسة الجمهورية لاختيار الأفضل. هنا نعرف منذ البداية أن هذا الكلام العلمى غرضه أن يبرهن لنا أن البرادعى هو الأفضل.. كما قلت أنا موافق تماما على البرادعى لكن هذا ليس منهجا علميا. كأنه يقول فى دراسة طبية: سوف أثبت لكم أن البنسلين أفضل من الكلورامفنيكول. المفترض من الدراسة أن تثبت هذا أو تنفيه

المعايير كما يعرفها الدكتور هى

المعيار الأول: الخصال الشخصية، وله درجة أهمية تقدر بـ20 درجة من 100. وتعنى قدرة الشخص على الاتصال والتواصل وقدرته على الاستماع والإنصات والتعاطف مع الآخر ووضع نفسه موضع الطرف الآخر «التقمص الوجدانى» وحسن الحديث، والإخلاص، والتواضع، وحب الوطن والشعب، والبيئة التى نشأ فيها التى تحدد مدى شبعه وعدم انتهازيته. ويرى الدكتور أن البرادعى يستحق 19، بينما يستحق عمر موسى (هكذا كتب اسمه) 16 درجة

المعيار الثانى: المعرفة، درجة أهمية تقدر بـ30 درجة. وتعنى الثقافة والمعرفة العالمية والرؤية بالنسبة للتنمية وبناء الدولة والقدرة على التفكير العلمى المنظم ومعرفة العلاقات الدولية وأساليب التفاوض والفكر الاستراتيجى. البرادعى نال 28 درجة بينما للأسف حصل مرتضى منصور على 5

المعيار الثالث: الدافعية، درجة أهمية تقدر بـ15 درجة. وتعنى الرغبة المخلصة والاستعداد للتضحية من أجل تحقيق مطالب الثورة، والتفكير المتواصل والمبادرة من أجل ذلك. حصل البرادعى على 15 درجة، بينما عمرو موسى نصفه

المعيار الرابع: القدرة، درجة أهمية تقدر بـ35 درجة. وتعنى القدرة التنظيمية والإدارية بالدرجة الأولى التى تتمثل فى وضع ووضوح الأهداف والوسائل وتحديد حجم العمل وتقسيمه وتوزيعه والرقابة والتقييم وتعديل الاستراتيجيات والخطط، ثم تعنى أيضا القدرة على العلاقات الاجتماعية الإنسانية. البرادعى يحصد 33 درجة، بينما يحصل مرتضى منصور على 5 وعمر سليمان على 25

النتيجة النهائية هى أن البرادعى مناسب للرئاسة بنسبة 95% بينما بعده مباشرة حمدين صباحى (80%) ثم عمرو موسى (74%) (البسطويسى 70%) (عمر سليمان 64%) (شفيق 61%) (الأشعل 59%) (أبو الفتوح 58%) (العوا 55%) (نور 53%) (بثينة كامل 50%) (أبو إسماعيل 47%) (حتاتة 45%) (بلال 44%) (مرتضى 22%) (عكاشة 8%)ـ

كلام جميل جدا ويوحى بأنه علمى دقيق، وكما يقولون: الكالكوليتور هو اللى بيقول. لكن هذه الأرقام انطباعية تماما ولا تدل سوى على رأى الأستاذ الدكتور. هذا نموذج آخر للعلم الزائف الذى يوحى للناس بالدقة والعمق لكن لا معنى له على الإطلاق، فما هى الطريقة التى استند إليها ليثبت أن دافعية البرادعى ضعف دافعية عمرو موسى وأنه قريب جدا من بثينة كامل؟ هل شق قلب حمدين صباحى ليتأكد من أنه أقل إخلاصا للثورة من البرادعى؟

هل معرفة مرتضى منصور نصف معرفة بثينة كامل؟ وهل البسطويسى أقل معرفة من عمرو موسى؟ وماذا عن القدرة التنظيمية؟ هل حتاتة يملك نصف قدرة حمدين صباحى؟ من قال هذا؟

كما ترى هى ألاعيب لفظية.. ومشكلة مصر هى أنها غارقة حتى الأذنين فى هذا العلم الزائف

نعم أنا متحمس للبرادعى جدا لهذا أرفض بشدة أن تستخدم هذه الألعاب الرقمية فى تدعيمه، خصوصا أنها ستعطى تأثيرا سلبيا على الرجل. أتمنى أن يصير رئيس الجمهورية -لو كان لنا فى الطيب نصيب- بعيدا عن الكالكوليتور اللى بيقول