قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, September 12, 2011

طبيب من السويس - 2



spc


وما زلنا مع خطابات صديقى الطبيب الذى يكتب من السويس، وكان يشرح لى الوضع الفريد الذى وجد نفسه فيه بين مطرقة البلطجية وأشباههم وسندان الجيش فى المستشفى الذى يعمل فيه. وقد تلقيت قبل ذلك خطابات عدة من أطباء يفضلون العمل من دون المعطف الأبيض، حماية لهم وتسهيلا للإفلات من الخطر. تذكرت ما فعله رجال الشرطة يوم 28 يناير عندما تخلصوا من ثيابهم.. لكن منذ متى صار الطبيب والشرطى فى سلة واحدة؟! تلقيت -بعد نشر المقال- مكالمة هاتفية من السيد وزير الصحة، يؤكد فيها أنه تأثر بالرسالة وأسلوب الطبيب السويسى البديع كثيرا، وأنه يتابع الموضوع باهتمام، وقد راق لى أن لدينا اليوم وزراء يهتمون بالصحف وما يقال فيها

نعود إلى خطابات صديقى الطبيب. كما قلت هو شاب مصرى جدا، شريف جدا، حساس جدا

هذا الخطاب أقدم نوعا، ويحكى فيه تجربته فى يوم جمعة الغضب.. وهو ينقلك إلى داخل الحدث بطريقة فريدة.. أنت تعرف أن السويس كانت دائما من أكثر المناطق التهابا فى كل صراعات وثورات مصر، ولم تخيب الظن فى ثورة يناير

يقول صديقى: «ولكن عن ماذا أتكلم؟ إننى لا أعلم حتى عمّا أتكلم ولا أعرف حتى كيف أخرج انفعالاتى على الورق. عندما أسترجع يوم جمعة الغضب لا أستطيع أن أصف شعورى وقتها.. هو خليط من الحماس والقلق والخوف والشعور بالأهمية والترقب والغضب والحيرة  وأيضا الفزع، وأحيانا كان الفخر وأحيانا الخزى. إنك طبيب يا سيدى وربما تفهم مقصدى، فقد عملت فى شبابك فى استقبال المستشفيات ولا أعرف هل خبرت العمل فى مستشفى حكومى غير مؤهل بإمكانياته وأطبائه غير المدربين على التعامل مع الكوارث.. العمل وسيارة إسعاف تأتى كل دقيقتين محملة بمريض يعانى من إسفكسيا الاختناق أو مصاب برصاصة مطاطية، وقد كانت حالات الاختناق بالغاز أو إصابات الرصاص المطاطى من الأيام السعيدة الأولى للثورة (قبل 28 يناير). أيام القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطى الأليف قبل أن يدرك القتلة أن هنالك رصاصا أكثر مفعولا، وفى الجمعة (28 يناير) كانت خبرتى الأولى والمروعة مع الرصاص الحى، مرة أخرى لا أستطيع أن أصف شعورى، لحظتها اختلط الإنسان بالطبيب. اختلط البكاء بالدماء، كانت الأجساد المصابة تنزف أمام أعيننا والروح تفارقها ببطء ونحن عاجزون عن فعل شىء، لم تفلح كل محاولات الإنعاش القلبى الرئوى، كان المريض الذى نشعر أنه لا أمل منه نتركه لنزيحه جانبا حتى نستفيد من مكانه على الترولّى لمريض آخر فى الانتظار

أنا يا سيدى لم أعش أيام الحروب، ولكن لا أعتقد أن الأمر كان يختلف كثيرا باستثناء أن الشهداء هذه المرة قتلوا برصاص مواطنيهم ممن يتحدثون نفس اللغة ويعيشون على نفس الأرض، مهما حاولت أن أصف يا سيدى فلن تسعفنى الكلمات فماذا أصف.. هل أصف لك مناظر الجثث وقد فقدت بريق الحياة وكلهم شباب فى العشرينيات؟ هل أصف لك بكاء الممرضات وانهيارهن وهن يرين إخوانهن يموتون أمام أعينهن؟ هل أصف لك عويل سيارات الإسعاف وهى تأتى بمصاب غالبا سيفارق الحياة بعد دقائق؟. هل أصف لك عدم كفاية الأطباء رغم عددهم الكبير بسبب توزيع بعض المصابين على العناية المركزة وبعضهم إلى غرف العمليات؟ هل أصف لك المشهد المحطم للأعصاب الذى على أثره فقدت ثلاث ممرضات الوعى واندفع الباقون فى بكاء حاد، وطفل  فى الثالثة عشرة من عمره يموت أمام أعيننا جميعا برصاصة غادرة فى رأسه؟!.. نعم يا سيدى إنك لم تخطئ قراءة الجملة فمن ضمن شهداء السويس طفل فى الثالثة عشرة من عمره رأيته يموت أمام عينى برصاصة طائرة فى الهواء أطلقها خائن من الشرطة.. لم يكن الطفل مشاركا فى المظاهرات، بل كان عائدا مع أمه وهى تسرع الخطى إلى بيتهم.. دماء فى كل مكان، وإسعاف وأهال يأتون بمصابين كثر على دراجاتهم البخارية وفى سياراتهم الخاصة بعد امتناع الإسعاف لمدة ساعتين عن إحضار المصابين بسبب إطلاق القناصة النار على سيارات الإسعاف

من قال إن شهداء السويس فى يوم الجمعة عشرون شهيدا؟! إن من استشهد أمام عينى فى هذا اليوم فى المستشفى العام وحده لا يقل عن عشرين شخصا، بالإضافة إلى من مات بعدها بيوم أو يومين ومن لم يأت إلى المستشفى، ومن أخذته الإسعاف مباشرة إلى ثلاجة الموتى.. وهناك من دفنه أهله بلا تصريح أو شهادة وفاة.. لا أعتقد سيدى أن المحاكمة لهؤلاء القتلة -أو رأسهم- كافية ولا أعتقد أنه حتى إعدامهم سيكون شافيا لقلب الأم التى فقدت طفلها أو شافيا لقلب أى أم فقدت ابنا فى هذه المعركة غير متكافئة

ووسط كل هذا أتذكر أهلى فى (…) لأدرك حقيقة أننا معزولون عن العالم الخارجى، فالعباقرة قد أعادونا ثلاثين عاما إلى الوراء، فكان أى طبيب متخصص نحتاج إليه ندعو الله أن يظهر قبل أن يموت المريض، فالمستشفى ليس به مكبرات صوت لاستدعاء الأطباء أو سنترال داخلى، والموبايل هو الوسيلة الوحيدة للتواصل بيننا

لا أدرى ماذا أقول يا د.أحمد، فأنا لم أستجمع شتات نفسى حتى الآن وشعور الغضب داخلى يزيد يوما بعد يوم وحتى الهتاف فى مظاهرات السويس اليومية لا يريحنى، بل يزيدنى غضبا.. لا أعرف ماذا أفعل ولكنى فى النهاية أتذكر أن واجبى كطبيب لا يقل دوره فى علاج الجرحى والمصابين عن دور من شاركوا فى المظاهرات  (هذا من وجهة نظرى)ـ

نحتاج فقط يا د.أحمد إلى أن نتحمل قليلا ولنا فى أهل غزة أسوة حسنة فهم يأكلون ويشربون ويتناسلون أيضا بجانب أصوات القنابل وشح السلع الغذائية منذ أكثر من عشرين سنة، ولا أعتقد أننا وصلنا إلى ربع صعوبة حياتهم

لا أعلم حتى، هل أتفاءل أم أتشاءم وأنا أتشاجر فى اليوم مئة مرة مع من لا يزالون يحنون إلى أيام ما قبل 25 يناير؟! (أيام الأمان والرخاء والهدوء والعدل والحكمة وتجنب الحروب)!!!!ـ

لا أعلم، هل أتفاءل أم أتشاءم وأنا أسأل طبيبا ممن يحنون إلى الأيام القديمة سؤالا واحدا «ألم تشعر بالظلم أبدا من قبل فى حياتك؟! هل تشعر أنك أخذت حقك فى هذا البلد؟!»ـ

هل تعرف لماذا اخترت هذا الخطاب بالذات؟.. لأنه يحمل فى طياته الرد على أسئلة طبيبنا السويسى التى ألقاها الأسبوع الماضى. لهذا كانت الثورة ضرورية، ولهذا علينا أن نتحمل الفوضى التى خلفتها العاصفة لبعض الوقت، فبرغم كل شىء نحن نتحرك ببطء إلى الأمام. عندما تكون طبيبا فى بلد عربى فى أثناء ثورة فعليك أن تتأهب لعلاج الرصاص الحى، فالقادة العرب بارعون جدا فى قتل قومهم كما يفعل الأسد الذى لم يطلق طلقة واحدة على إسرائيل. لقد رأيت الرصاص بعينيك وسمعته وشممته لكن هناك عصابة كاملة تمارس مؤامرة الصمت (أومرتا) على طريقة المافيا، لتقنعك أن الرصاص انهمر من السماء وأطلقته أشباح. ورغم هذا كله هناك مجانين (لا يزالون يحنون إلى أيام ما قبل 25 يناير ) ويهتفون: آسفين يا ريس!!!ـ