قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, September 20, 2011

ميدلوثيان وأقدام الجماهير



spc

اقتلوا بورتيوس!ـ

بورتيوس اللعين!ـ


من اللحظات الدرامية الشهيرة في تاريخ أسكتلندا، ما حدث مع الضابط بورتيوس عام 1736

كان هناك إعدام وكانت هناك جماهير ترغب في منع هذا الإعدام، وإنقاذ حياة المتهم، وهو مهرّب اسمه ويلسون. السمنة تقتل.. هذا شيء معروف، وفي حالتنا هذه كانت المقولة صادقة جدًا؛ فويلسون كان على وشك الهرب من السجن لكنه فشل في عبور الفتحة بسبب بدانته 

تم الإعدام برغم كل شيء وبرغم اتجاه الشارع الميال للعفو، وتدلت الجثة من حبل المشنقة. هنا هاجت الجماهير وبدأ الشغب.. وكان قائد الحرس هو الكابتن بورتيوس، الذي أمر قواته بإطلاق النار في الهواء

ما حدث هو أن مفهوم الهواء عند بعض الجنود كان ملتبسًا نوعًا، وقاموا بالتصويب على مستوى منخفض.. مما أدى لقتل الكثيرين

هكذا دارت الأمور، وعندما انقشع الغبار وجفت الدماء وزالت رائحة البارود، كان الكابتن بورتيوس نفسه في سجن تولبوث بتهمة قتل المتظاهرين (نحن في إدنبره فلا تخلط الأمور!)ـ

ظلت أنشوطة المشنقة تتأرجح أمام الرجل أثناء المحاكمة، والحقيقة أنه كان ثملاً عندما أصدر أمر إطلاق الرصاص للقوات، لكنه دافع عن نفسه بحرارة، مؤكدًا أن ما فعله كان دفاعًا عن النفس ضد الغوغاء

المحكمة رأت أنه على حق، وفي النهاية قررت تبرئته

كانت هذه الحادثة هي واقعة الساعة في إدنبره، وكان كل رجل في الشارع ينتظر المحاكمة وربما ينتظر الإعدام كذلك.. هكذا اشتعلت الشوارع بالغضب

اندفعت الجماهير إلى سجن تولبوث، وكانت الأبواب موصدة، فقاموا بتحطيمها باستعمال براميل القار المشتعل. ثم إنهم اندفعوا للداخل لتحقيق عدالتهم الخاصة.. أخرجوا بورتيوس إلى ساحة جراسماركت. هناك جاء فريق آخر بقسّ اختطفوه وقد كاد الذعر يقتله، وجعلوه يساعد بورتيوس على تلاوة الصلاة، ثم إنهم شنقوا الضابط المتهم

اغتاظت حكومة لندن جدًا، لكن لم يكن في وسعها سوى تغريم إدنبره ألفي جنيه وعزل العمدة.. وتم صرف تعويض لأرملة الضابط

قلب ميدلوثيان هو اسم سجن تولبوث، وهو عنوان رواية للسير والتر سكوت يحكي فيها هذه القصة
لا أعرف لماذا يبدو الأمر مألوفًا

هناك ثلاثمائة عام مرت تقريبًا على هذه القصة، لكن رائحتها واضحة ومميزة جدًا

الفارق الوحيد هو أن بوسعك التعاطف نوعًا مع الكابتن بورتيوس؛ لأنه بالفعل قد أمر قواته بإطلاق النار في الهواء.. القوات تصرفت بحماقة. أما هنا في مصر وبعد ثورة يناير فكل شيء يقول إن التعليمات صدرت من أعلى لاستهداف المتظاهرين، والفيلم الذي رأيناه جميعًا يُظهر الفتى الذي يكشف صدره أمام رجال الشرطة، ثم يطلقون الرصاص عليه بلا تردد كأنه كلب مسعور، وهذا الفتى لم يكن يهددهم في شيء ولم يكونوا في حالة دفاع عن النفس

بعد هذا رأينا من ماتوا في ميدان التحرير بالرصاص المنهمر دون أن يشكّلوا أي خطر على رجال الداخلية. وقد سمعت امرأة تقول صارخة لمذيع الجزيرة
ـ"دعك من هذا الهراء الذي يقولونه.. أنا هنا واقفة في ميدان عبد المنعم رياض، وأؤكد لك أن الشباب يتساقطون بأعداد لا تصدّق"ـ

هذا هو ما حدث فعلاً وما تعرف أنت أنه حدث، وما يعرف حسني وجمال وعلاء بيه مبارك أنه حدث

لكن ألعاب المحامين لا تنتهي ومسالك القانون شديدة التعقيد. كان لي صديق أودع مبلغًا من المال في إحدى شركات توظيف الأموال.. فلما طالب برأس ماله إثر تعثّر الشركة نصحه العارفون بأن يستعوض الله خيرًا في هذا المال؛ لأن رجل توظيف الأموال الملياردير يملك جيشًا من المحامين، وبوسعهم أن يجعلوا صاحب الحق لصّا ويُدخلوه السجن!ـ

ألعاب المحامين لا تنتهي، ومن الواضح من تلكّؤ المحاكمات وبطء العدالة وتراجع الشهود عن أقوالهم أننا دخلنا أحد هذه الأنفاق المظلمة.. لن أندهش جدًا لو صدر حكم نهائي يدين الشعب المصري!ـ

هنا مشكلة أخلاقية حقيقية:ـ
لو اعتمدت على القانون فقط فلن تجد أدلة كافية؛ لأنه لا أحد يدوّن أوامر كهذه.. ولو اعتمدت على القانون فعليك أن تتحمل النتائج

لو لم تعتمد على القانون فأنت تمارس لعبة "حاكموه وأعدموه".. لماذا تحاكمه إذا كنت قد اتخذت القرار مسبقًا؟

فقط أنا أرتجف من اللحظة التي تعلن فيها المحكمة براءة الجميع، وربما تدين ضابطًا أو اثنين أو جنديًا أو اثنين.. لا مانع من قطع بعض الرءوس الصغيرة أو إلقاء بعض الجثث للكلاب إذا سمحت لي بالتعبير

عندها... من يستطيع السيطرة على غضب الجماهير وانفعالها؟ ربما يتكرر سيناريو بورتيوس حرفيًا بعد ثلاثمائة عام، ولن تكون التجربة سعيدة أو سارة بالتأكيد على الجميع

إن ما يحدث اليوم هو أنهم يطئون أقدام الجماهير بلا توقف.. وهذا عمل خطر. يمكنك فهم ما فعله الاسكتلنديون قديمًا عندما اعتبروا الحكم غير عادل وغير رادع

الجواب يكمن في قانون الغدر الذي لا يبدو أنهم ينوون إعادته للحياة أبدًا برغم أنهم وعدوا بهذا مرارًا. والجواب يكمن كذلك في الإرادة.. أن توجد إرادة حرة ترغب في عقاب هؤلاء فعلاً، بدلاً من هذه المتاهات القانونية وهذا المستنقع اللزج الذي غرقنا فيه ولا نعرف كيف سنخرج. لكن الأيام تمر ونحن ندرك يوما بعد يوم أنه لا أحد يرغب في عقاب أحد.. ولعل المطلوب هو أن يموت مبارك والعادلي بالشيخوخة، ونموت نحن مللاً، وعندها يعم الخير الجميع

لا تطئوا أقدام الجماهير من فضلكم.. هذه لعبة بالغة الخطر.. صدّقوني