قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, October 17, 2011

أربعون عاما



spc


التاسع من أكتوبر عام 1973: هناك حصن واحد من حصون العدو فى سيناء ظل منيعا، وهو الحصن الموجود فى طريق «بورسعيد-رمانة-العريش الساحلى». حقا لم يكن العدو الإسرائيلى بالقوة ولا الشراسة المتوقعتين كما قيل لجنودنا فى التدريب. لكن رغم هذا يظل تسليحه متقدما وقويا جدا

كانت الحرب تتخذ مسارا عجيبا لم يخطر ببال الإسرائيليين فى أسوأ كوابيسهم. لقد حاول العدو الهجوم بلواءين مدرعين.. فى كل مرة يفشل الهجوم ويؤسر قائد اللواء

جرب الإسرائيليون القيام باستطلاع بحرى لكن البحرية المصرية أغرقت لهم أربعة قوارب

فى الجو -مملكة الإسرائيليين- تعلموا درسا قاسيا، هو أن صواريخ سام السوفييتية لا تمزح. فى يوم واحد سقطت عشر طائرات فوق المعابر

المصريون يتقدمون

لقد سيطروا على ست عشرة نقطة من النقاط الحصينة.. فى نفس اليوم بالضبط استردت القوات السورية بلدة القنيطرة.. كانت إسرائيل فى ورطة حقيقية.. وكما قال تقرير الحرب المصرى: العدو يحاول تثبيت الجبهة السورية ليتفرغ للمصرية

إن ديان قد فقد أعصابه تماما، وعندما طلب رؤساء التحرير الإسرائيليون لقاءه، راح يردد:ـ
ـ«مذهل ! مذهل ! من المرعب أن تقاتل شيئا كهذا.. يبدو أن المصريين عندهم سلاح بلا نهاية»ـ

فى ذات اليوم حدثت عملية مصرية رائعة. الجنرال ماندلر قائد المدرعات الإسرائيلية، يجرى اتصالا هاتفيا مع أركان حربه، ويحدد موعدا للقاء فى مكان ما فى سيناء. فى ثوان تلتقط المخابرات الحربية المصرية المكالمة، وتفك الشفرة. تنطلق مقاتلة حربية مصرية لتوجه صاروخا نحو مدرعة الرجل، فتدمرها وتقتله ثم تعود إلى قواعدها

جولدا مائير تطلب نائبها إيجال آلون.. لقد وعد اللبنانيون بأنهم لن يسمحوا للجيش السورى باستعمال قواعدهم، لكنها تخشى أن لا يصدقوا فى هذا الوعد.. لذا تطلب من الطيران الإسرائيلى أن يدمر محطة رادار البارقة فى لبنان حتى لا تقدم معلومات للسوريين

ينطلق نداء من أجل إنقاذ إسرائيل

السفير الإسرائيلى فى واشنطن يوقظ كيسنجر وزير الخارجية، من نومه.. كيسنجر متضايق يشعر بأن فى هذا ميلودرامية لا تتحملها الأمور. لكنه يدرك أن الأمور خطرة فعلا عندما يوقظه من جديد

الحقيقة -كما يقول له- هى أن إسرائيل فقدت فى أربعة أيام خُمس طيرانها وربع دباباتها!ـ

عندما يعرف نيكسون بهذا يصاب بالرعب، ويصدر أوامره بتسليم إسرائيل ما تريد من طائرات الفانتوم، وما تريد من أحدث الأجهزة الإلكترونية التى لم يستعملها الجيش الأمريكى ذاته

يتصل كيسنجر بالسفير الإسرائيلى ويقول له:ـ
ـ«يجب أن تحشدوا أصوات اليهود فى الكونجرس.. ويجب على هؤلاء أن يضغطوا على الرئيس نيكسون لينقذ إسرائيل بسرعة.. !!»ـ

لقد انسحبت قوات العدو إلى خط المضايق بعد سقوط خط الدفاع الأول وخط الدفاع الثانى. لكنه رغم كل شىء قام بقصف دمشق على سبيل التأديب

كان هذا هو يوم تطوير الهجوم فى الخطة المصرية، وهو ما لم يتم لأسباب يدور حولها جدل طويل حتى اليوم

فى الشوارع عرف الجميع أنهم حققوا شيئا غير معتاد، ومن المذياع راح صوت وردة يغنى: وانا على الربابة باغنى. ومن مكان ما خرجت أغنية على إسماعيل: ماشيين.. رايحين.. شايلين رايات النصر

التاسع من أكتوبر 2011: لم يكن هناك ما ينذر بالهول القادم فى ماسبيرو. أنا مررت هناك عصرا، وكان الجو ناعسا هادئا لا مشكلة فيه سوى الزحام، وكان الجنود فوق مدرعاتهم يراقبون الشارع فى كسل. لم يخطر ببالى أن الدماء ستغطى هذا المكان وأن بعض هؤلاء الجنود سوف يحترقون فى مدرعاتهم.. دماء ذكية لشباب مسيحيين كانوا وقود ثورة يناير، ودماء جنود كانوا يؤدون واجبهم فى حراسة منشآت الدولة

كيف بدأ كل شىء؟ هذا ما ستعرفه التحقيقات التى ستظل سرية للأسف.. هناك فريق يرى أن الجيش بدأ بإطلاق النار على مسيرة سلمية من المسيحيين تتظاهر بسبب ما حدث لكنيسة المريناب. فريق آخر يرى أن المسيحيين بدؤوا بمهاجمة الجيش وإطلاق أعيرة نارية. فريق ثالث يتحدث عن بلطجية مندسين كالعادة لخلخلة الأمن. عن نفسى أنا أؤمن أن المسيحيين تعرضوا لتعصب وظلم شديدين، أفضيا للوضع المؤسف الذى رأيناه.. إنه العنف الذى تطور هذه المرة إلى درجة أعلى مع الشحن السابق وتوتر الناس فى كل مكان أمام مستقبل غامض، والمناخ الطائفى العام. كانت تكفى شرارة. إنه صدام الشعب مع الجيش.. حلم النظام الفاسد المخلوع

أما عن كون الجيش لم يرد فمن السذاجة أن أحسب هذا.. وبالطبع رد الجيش كان عنيفا

يقول قارئ صديق: «لماذا تجاهلت أنت وباقى الكتّاب الآخرين مظاهرة الأقباط يوم الثلاثاء 4 أكتوبر 2011 التى فضتها الشرطة العسكرية بالقوة؟ ولماذا تجرى قوة الشرطة العسكرية المكلفة بتأمين التليفزيون يوم 4 أكتوبر وراء الأقباط من ماسبيرو إلى عبد المنعم رياض إلى التحرير إلى طلعت حرب؟ لماذا لم يصور التليفزيون هذه الواقعة على الرغم من أنها تجرى تحته مباشرة؟ لماذا تجاهلتم الفيديو الذى يظهر فيه الشاب المسيحى رائف، الذى تم ضربه من أكثر من 15 عسكرى شرطة عسكرية وأمن مركزى يوم 4 أكتوبر بجوار المتحف؟ لماذا من الأساس تتم مطاردته من ماسبيرو إلى المتحف؟ والأقباط المسلحون لماذا لم يستخدموا السلاح عندما تمت مهاجمة المسيرة للمرة الأولى عند نفق السبتية؟ لماذا يصطحب الأقباط الذين ينوون على العنف سيدات وشابات وأطفالا معهم؟ لماذا يتجاهل الكتّاب شهادات الشهود الذين رأوا الشرطة العسكرية تلقى بجثث قتلى فى النيل؟ وماذا عن اقتحام قناتى «الحرة» و«25»؟ وماذا عن صوت «شد أجزاء السلاح» الذى ظهر جليا على الهواء على قناة «الحرة»، واليوتيوب موجود والفيديو موجود؟»ـ

أقول له إن هناك فارقا بين عنف الشرطة العسكرية وضربها المتظاهرين -وهو ما ثبت عدة مرات ونرفضه بكل قوة- وإطلاق النار على المتظاهرين بلا أى استفزاز ودون أن يطلق أحد رصاصة على الشرطة. أما عن موضوع الجثث التى ألقيت فى النيل فيحتاج إلى تحقيق عاجل. لقد اقتحم رجال الجيش الاستوديو على مراسل «الحرة»، وتعاملوا بانفلات أعصاب واضح، لكن رغم هذا تصر قناة «الحرة» على أن الجيش لم يبدأ إطلاق النار.. فما هو تفسيرك؟

فى التاسع من أكتوبر عام 1973.. بلغ الحلم المصرى ذروته، وكان الجيش مشغولا فى صراع مع الصهاينة. فى التاسع من أكتوبر عام 2011 بدت الحرب الأهلية فى الأفق، وكان الجيش مشغولا فى صراع مع أبناء وطنه.. فماذا فعلناه بأنفسنا خلال أربعين عاما؟