قصاصات قابلة للحرق

Monday, October 31, 2011

قلق



spc


لم أكن فى مصر يوم وفاة القذافى.. كنت فى الخارج ورأيت استقبال الغربيين للخبر، وهو استقبال يجمع بين الارتياح وعدم التصديق والذهول والصدمة لما ظهر فى الصور

شهر أكتوبر شهر عجيب فعلا، بصرف النظر عن حرب أكتوبر العظيمة، فهو الشهر الذى شهد اغتيال تشى جيفارا، وانتحار روميل، وإعدام مارى أنطوانيت، ومذبحة كفر قاسم، وسقوط طائرة مصر للطيران، وهو كذلك الشهر الذى تولى فيه حسنى مبارك الحكم! كلها حوادث بالغة الأهمية ويسهل أن تشم فيها رائحة ما نحن فيه

شتان الفارق بين مصرع تشى جيفارا الثائر العظيم، ومصرع القذافى الطاغية المجنون، وفى الحالتين ارتكب القاتل أو منفذ الحكم خطأ فادحا عندما سمح بالتصوير وسمح للصور بأن تتسرب. عقدة جيفارا طاردت القذافى طويلا، وأعتقد أن كل واحد من طغاة العالم العربى كان يحمل شبح جيفارا فى ذهنه بشكل ما، ربما باستثناء حسنى مبارك الذى كان أكثر واقعية وأضيق خيالا من أن يحلم بهذا الدور. ولعل الفذافى مات وهو يعتقد بالفعل أنه مناضل ثائر عظيم ظفر به عملاء المخابرات المركزية، بينما فى الحقيقة يصعب أن تجد حاكما آذى شعبه وبدد ثروته بهذا القدر. يحكى هيكل عن أحد القادة السوفييت الذى تساءل أمامه: «ماذا يفعل القذافى بكل هذا البترول؟» وراح يجرى حسبة بسيطة توصل بعدها إلى أنه لو تم توزيع ثروة ليبيا بعدل لنال كل مواطن ليبي عشرة ملايين دولار! بدد الرجل كل هذا فى مغامرات حمقاء فوق لوكيربى وفى أمريكا اللاتينية وفى قلب إفريقيا مع نادى سافارى اللعين. مسافة طويلة قطعها القذافى منذ كان ذلك الثائر الشاب الوسيم المنبهر بعبد الناصر، حتى صار ذلك المجنون منكوش الشعر ذا الوجه الخالى من أى تعبير والعينين الضيقتين الغبيتين

مشهد الموت كان قاسيا بالتأكيد، ينتمى إلى حكايات الثورة الفرنسية أو تعليق موسولينى من خطاف لحم، أو ثورة الناس على الشيوعية فى أوروبا الشرقية وما تبع هذا. فى النهاية هو شيخ وحيد يتلقى الضربات والصفعات من حشد من الغاضبين. وقد أرسل هذا المشهد رسالة خاطئة تماما إلى الغرب، بالإضافة إلى هذا هو يخالف كل قناعات المرء عن ضرورة أن يتلقى المجرم محاكمة عادلة مهما بلغت جرائمه من بشاعة. ويخالف ما تعلمناه عن الحفاظ على روح الأسير. هذه قواعد مجربة قديمة قِدَم البشرية نفسها، وتثبت أنها نافعة على المدى البعيد. يعلم الله أننى كرهت القذافى كما لم أكره أحدا فى حياتى، لكنى كرهت ما حدث له أكثر. أمس غضبنا من أهل القرية اللبنانية الذين نفذوا القانون بأيديهم فى شاب مصرى قد يكون وقد لا يكون ارتكب جريمة قتل لأم وطفلتيها، فلماذا لم نرحب بالأمر وقتها؟ الانتقام عذب ولذيذ لكنه مضر على المدى الطويل

لكن -بصراحة- لم يترك القذافى لنا الخيار. الرجل علمنا كيف نكون قساة، ووفاته بهذه الطريقة استثناء يؤكد القاعدة للأسباب التالية:ـ

ـ1ـ هذه حرب، حرب عنيفة شرسة.. وكل الاحتمالات كانت واردة. هو نفسه تكلم عن النار الحمراء وعن فتح مخازن السلاح للجميع. كان يحلم بحرب صحراء تأكل كل شىء، فليذق إذن

ـ2ـ القذافى لم يدخر جهدا فى الإعلان عن نياته وارتكاب الفظائع. ليس لويس السادس عشر الذى كان أميل إلى المسالمة والمهادنة. ولو أتيحت للقذافى الفرصة لفعل ذات الأفعال وأكثر مع أى مواطن ليبى

ـ3ـ وجود القذافى حيا كان سيشكل رمزا مهما ضد الثورة. وبالتأكيد كان القتال سيستمر وقتا أطول حتى لو تم أسره. فى عالمنا العربى يوجد لكل طاغية أتباع يدافعون عنه ويعتبرونه زعيما ملهما قرر الغرب أن يحاربه

لى صديق جاء من ليبيا مؤخرا وجدته يتبنى ذات وجهة النظر لشدة الغرابة، ويرى أن ليبيا سقطت فى يد تنظيم القاعدة وكل عام ونحن بخير

ـ4ـ العامل الأهم فى رأيى -ورأس الذئب الطائر- هو التطويل والتراخى فى محاكمة مبارك (هو لسه بيتحاكم؟ أنا نسيت). هذا مثال واضح لكل شعب يثور فى العالم العربى. لا محاكمات، إنها باب خلفى لهروب الطغاة. سراديب القانون ودهاليزه لا نهاية لها، وبفضل هذه الدهاليز تتعثر ثورة مصر العملاقة منذ ثمانية أشهر، ومعنى هذا الدرس أن الديكتاتور القادم فى العالم العربى سيُمزق فى ذات اللحظة ولن يحاكم. هذا خبر مهم لعبد الله صالح والأسد. أعتقد أن القذافى هو آخر ديكتاتور يبقى بانتظار نهايته ولا يفر

ـ5ـ ستظل صورة القذافى الممزق وهو يمسح الدم عن عينه محفورة فى أذهان كل ديكتاتور. هذا دواء ضرورى ومفيد، رغم أنه مر كالعلقم

الخلاصة: الإعدام دون محاكمة وبيد الجماهير الغاضبة خطأ قاتل، ومثال لا يجب الاقتداء به أبدا، لكننا فى حالة القذافى نقول إنه قابل للفهم والتفسير. الاعتماد على منطق (أصلكم ما جربتوش) أو (اللى إيده فى الميه مش زى اللى إيده فى النار) سلاح خطر وسوف يستخدمه الجميع بشكل خطأ. القضاء المستقل النزيه هو المقياس الوحيد الذى يضمن أن لا يُمزق أخوك أو ابنك أو أنت نفسك يوما ما

ننتقل من هذا المشهد المروع إلى مصر، فمن الواضح تماما أن هذا هو السيناريو البديل لمصر لو لم تحقق الثورة أهدافها، ولو لم يشعر الذين خرجوا ليموتوا -أو ماتوا فعلا- فى ميدان التحرير أنهم ظفروا بما أرادوا

لا شك أن هناك كثيرين يتمنون لو أن الصدام مع الجيش حدث منذ البداية لتتضح الأمور بين الأبيض والأسود دون ميوعة الرمادى، أو لو أن المتظاهرين نجحوا فى الوصول إلى مبارك فى القصر الجمهورى. عندها ماذا كان سيحدث؟ أنا أؤمن أن المصريين ميّالون إلى السلام، لكنى كذلك أعرف أن غضبة الجماهير قوة كاسحة لا يمكن السيطرة عليها أبدا

أعرف جيدا أن المجلس العسكرى برهن بوضوح على أنه لا يستطيع قيادة بلد جامح ضخم بحجم مصر، والاحتكاكات تتزايد يوما بعد يوم. هناك من يقول إنها مصيدة عمدية تقود الجماهير إلى الغضب فالصدام، من ثم يصير فرض الأحكام العرفية مبررا. نظرية يبدو كل يوم أنها أقرب إلى الحقيقة وأنا أؤمن بها بشدة، لهذا كنت دوما من دعاة التهدئة، لهذا أضع أملى كله على الانتخابات، الفرصة الأخيرة لنا، لكن كيف تتم الانتخابات وأمناء الشرطة يحاصرون مديرى الأمن؟ ورجال الحزب الوطنى يمسحون على بطونهم فى شغف متأهبين للعودة؟ هل تلغى الانتخابات بسبب الانفلات الأمنى؟ أسئلة لا أعرف إجابتها.. فقط أعرف أن هذا أملنا الأخير حتى لا نرى مشاهد مثل التى رأيناها فى ليبيا