قصاصات قابلة للحرق

Monday, December 19, 2011

اصعد للطابق الخامس واصرخ!



spc


على رأى عمنا الكبير طه حسين: «هذه قصة ليس فيها شىء من الخيال». تخيل أنه يقولها بصوته الفخم المهيب الذى يعامل الحروف العربية كأنها مجوهرات. صحيح أن القصة مرعبة فعلا، لكن هذه هى الحقيقة. وما الجديد؟.. كل طفل يعرف أن هذا يحدث.. الجديد هو أن هذه القصة تحدث لطبيب وزوجته، كليهما مدرس فى كلية الطب التى يتعاملان مع مستشفاها

د.وليد، ود.دينا زوجته، قضيا فترة لا بأس بها فى بعثة خارجية بكندا، وهناك تعلما اكتشافا غريبا هو أن الإنسان له قيمة، وحياته ليست كحياة صرصور. لما عادا دفعهما الحظ العاثر إلى قيادة السيارة فى تلك المنطقة بطنطا التى يطلقون عليها (الكورنيش) أو المرشحة -بتشديد الشين- ليريا مشهدا يصعب نسيانه. من الطابق الرابع لإحدى البنايات سقط ذلك الصبى الصغير صارخا جوار السيارة بالضبط

أصيب الاثنان بهلع شديد.. كانا على يقين من أن الصبى مات، لكنه كان حيا بمعجزة ما. وهكذا وقفا مع مجموعة من أهله وأبيه المصدوم، وبدأ الاتصال بالإسعاف.. تكرر النداء عدة مرات فلم يستجب أحد. جربوا الاتصال بشرطة النجدة لكن الخط مشغول للأبد

كيف يمكن نقل هذا الصغير للمستشفى؟.. هناك احتمال لا بأس به أن يكون عموده الفقرى قد تهشم، ومعنى هذا أن أى محاولة خرقاء لنقله قد تقتله أو تبقيه مقعدا طيلة حياته

لما مر الوقت الثمين تعاون الطبيب مع أهل الصبى لصنع محفة بدائية تسمح بتثبيت ظهر الصبى، ثم وضعه فى سيارته، وركب معهما الأب، وانطلق الطبيب لا يلوى على شىء نحو المستشفى وهو لا يرفع يده عن آلة التنبيه.. كانت الساعة الثالثة عصرا والزحام فى ذروته

من الممكن لمن يقدر أن يجرب مستشفى خاصا، لكن ليس هذا هو الحل بالتأكيد.. غالبا لن تجد هناك سوى طبيب امتياز يصيبه الذعر إذا رآك، ومهمته الوحيدة استدعاء واحد من كبار الأطباء، والتأكد من أنك دفعت مبلغا ضخما على الحساب.. الطبيب الكبير يصل بعد ساعتين على الأرجح. الحقيقة أن المكان الوحيد الذى تضمن أن تجد فيه أساتذة الجراحة العامة مع أساتذة التخدير مع أساتذة العظام مع جهاز الأشعة المقطعية.. إلخ.. جنبا إلى جنب هو المستشفى الجامعى.. لهذا اتخذ د.وليد قراره بأن يتجه إلى مستشفى الطوارئ الجامعى

تقول د.دينا إن سيارتهم تلقت الكثير من السباب وهى تشق طريقها وسط الزحام، بينما راحت هى تصيح من النافذة: «معنا صبى مصاب!». أى أنها قامت بدور سرينة الإسعاف تقريبا

عندما وصل الطبيب للمستشفى توقع أن مشكلاته انتهت.. هذا هو عالمه ومملكته. لكنه فوجئ بأنه لا يوجد تروللى يضع عليه الصبى. على من يريد أن ينقل الصبى أن يضعه على المقعد المتحرك. المقعد المتحرك معناه القضاء عليه

كانت هناك سيارتا إسعاف تقفان أمام المستشفى، فطلبا من المسعفين أن ينقلوا الصبى بالمحفة.. لكن المسعفين رفضوا فى كبرياء وقالوا إن محفتهم المقدسة لا تخص مستشفى الطوارئ

تعاون الطبيبان مع أقارب الصبى -الذى بدا أنه مصمم على أن يظل حيا رغم كل شىء- وصنعوا محفة بدائية تحمى عموده الفقرى، وحملوه إلى غرفة الطوارئ

هنا وجدوا المشهد الذى يصفه كل من دخل غرفة طوارئ فى كل مكان فى مصر.. سوق الثلاثاء بما فيه من فوضى وشجار وضوضاء وجنون.. لا أحد تكلمه على الإطلاق ولا أحد يعبأ بك.. هناك أطباء امتياز لكنهم لا يملكون خبرة بالطبع. وجف حلق الدكتورة دينا وهى تخبر الناس بشخصيتها ومنصبها

أما عن سرير الكشف فلا يوجد سرير كشف.. هناك صبى يموت لكن ليس من حقه أن يجد فراشا يموت عليه، وقد نصحهم طبيب الامتياز بأن يرقدوه على أريكة خشبية هناك

ثم إنه طلب أن يجلبوا تذكرة للصبى ليكتب عليها العروض

سألته د.دينا: «أين الطبيب المقيم النوبتجى؟»ـ
قال طبيب الامتياز: «إنه مشغول فى الجراحة بالطابق الخامس..»ـ

لما امتد الوقت وتعبت ويئست.. وأدركت أن إنقاذ الصبى مستحيل اتجهت إلى أبيه، وهو يبدو من الفتوات القادرين على الشجار، فقالت له ببساطة:ـ
ـ«اصعد للطابق الخامس واصرخ!»ـ

هذا ليس عنوان رواية لويلكى كولنز، لكنه الحل الأخير الذى وجدته وهى تنصرف مع زوجها يائسين، والأهم أنهما عجزا عن مساعدة الصبى فى مملكتهما الخاصة ذاتها. وفى البيت أجرت عددا من المكالمات، ودخلت الـ«فيسبوك» لتفتح موضوعا فى منتدى أعضاء هيئة التدريس هو:ـ
مقترحات لحل مشكلة مستشفى الطوارئ

وبالفعل جاءتها مجموعة من الاقتراحات المفيدة. هناك عميد جديد لطب طنطا، وهو شاب يشهد له الجميع بالنشاط والحماسة، ولسوف يغير الكثير حتما. وبالتأكيد لم يتسع له الوقت بعد، لكن من المفيد أن يسمع أبعاد المشكلة واقتراحات الأطباء فى هذا الصدد.. دعك بالطبع من أن المشكلة ليست مشكلة طنطا بل هى مشكلة كل غرفة طوارئ فى مصر كلها كما قلت

أعتقد كذلك أن هذه القصة تهز بعض قناعاتى… مثلا أنا أتهم معظم أهل المرضى -بعد الثورة بالذات- بهواية البلطجة والاعتداء على الأطباء، لأن قبضة الأمن تراخت. لكن ماذا أفعل لو وجدت نفسى فى هذا المأزق؟.. حتى الطبيبة الراقية المهذبة لم تجد سوى أن تنصح أبا الصبى بالشجار والصراخ

فعلا هى دائرة شديدة التعقيد من الفقر.. فقر المرضى والأطباء والمستشفيات.. الفقر يؤدى إلى الإهمال وقلة الاكتراث.. تولد العدوانية والمشاجرات وأخلاق الزحام.. لا أستطيع كذلك أن ألقى باللوم على الطبيب المقيم، فلربما هو فى غرفة الجراحة فعلا، لا يستطيع التقاط أنفاسه من كثرة العمل. أذكر عندما كنت أعمل فى الطوارئ وكان المريض زيد يتشاجر معى ويتهمنى بالإهمال، لأننى مشغول بعبيد. إنها لعبة الورق التى يخسر فيها الجميع

أن يستطيع المواطن العادى إنقاذ ولده الذى سقط من الطابق الرابع.. هذا هو ما يريده المواطن فعلا، وهذا هو التغيير الذى يصبو إليه، ومن أجله يذهب للانتخابات. يوم تحل الثورة مشكلة كهذه هو يوم نجاحها الحقيقى.. أما الصراعات الفرعية التى أنهكتنا فلا تهمه فى شىء