قصاصات قابلة للحرق

Monday, January 2, 2012

مروريات



spc


الحقيقة أن هناك فوضى مرورية غير عادية فى مصر اليوم، وقد أبدى صديق لى دهشته من التكاثر السرطانى للسيارات مؤخرا، كأن الناس لا يكفون عن شراء السيارات منذ قامت الثورة. السبب كما يبدو هو تراخى قبضة المرور أو زوالها، مما جعل السيارات تقف صفين وثلاثة صفوف، والسير عكس الاتجاه وكل الحرمات المرورية التى خرجت للسطح. الطرق السريعة تزداد تعقيدا، حتى إن المسافة من القاهرة إلى طنطا قد تبلغ ثلاث أو أربع ساعات.. لو أردت الوجود فى المطار من محافظتى فعليك التحرك قبلها بأربع ساعات!ـ

الحقيقة أن المصريين يحتاجون إلى ثقافة مرورية تبدأ من الصغر وتختلف عن (رجل المرور صديق الطفل -عندما تصير الإشارة حمراء لا تعبر الطريق- إلخ).. الدليل ما رأيته منذ أيام: صبية فى المدرسة الإعدادية يتراهنون على النوم فى عرض الطريق أمام السيارات المسرعة فى شارع مزدحم، والفائز هو من يسيطر على أعصابه لفترة أطول فلا ينهض إلا عندما توشك السيارة على تمزيق جسده! والجديد هو أن الصبية يسبُّون من يحاول منعهم ويركلونه فى ساقه ويقذفونه بالطوب!ـ

دائما هناك تلك السيارة السمجة التى تصر على السير عكس الاتجاه فى ساعة الذروة، دعك من العربجى الذى يصر على السير العكسى بعربته الكارو وسط الزحام.. لا أحد يجرؤ على الاعتراض فهو رجل مكافح أرزاقى، بينما نحن مجموعة من المترفين الذاهبين لشرب الخمر وممارسة الزنى

ثقافة قطع الطريق صارت أصيلة لدى الجميع.. يمكنك أن تقرأ فى الصحف كل يوم عن قرية كذا وقرية كذا التى قطعت الطريق احتجاجا على كذا. سائق تاكسى يحكى لى كيف اتصلتْ به زوجته من قريته وقالت له إنها مريضة.. قريته أقرب إلى مدينة صغيرة، لذا لا يعرف الكُلُّ الكُلَّ. عاد إلى القرية ليجد أنها محاصرة بالأهالى المحتجين لسبب ما ومنعوه من الدخول، رغم أنه أقسم لهم أنه ابن القرية!ـ

هناك كذلك ثقافة كشافات المرور.. فإما أن يطفئوها تماما فتفاجأ بشبح مظلم أمامك فجأة، وإما أن يعموك بها

معظم حوادث المرور فى مصر تأتى من لفظتى (خلص) و(اخطفها) كل واحد يريد أن يخطفها وتكون النتيجة وبيلة. إن إحساس السائقين بالخطر صفر، لا أحد يتوقع المصائب أبدا

ثقافة تدمير الممتلكات مهمة كذلك.. رأيت سيارة إسبرانزا جديدة تماما، وواضح أنها بيعت لصاحبها منذ أيام، وقد حفر أحدهم على جانبها بالسكين (عادل يحب منى) مع القلب الضرورى! السؤال هنا: لماذا لا يحبان بعضهما بعيدا عن هذه السيارة؟ وما نوعية قصص الحب التى تبدأ بهذا التخريب؟ لا شك أن الأمر لا يخلو من حقد طبقى كذلك. المطلوب (أن نحرق قلبه) ولا شك أن الفتاة ضحكت كثيرا وهى ترى مرح حبيبها

أما عن سيارات التاكسى المتنكرة فى ثوب سيارة ملاكى فحدِّث بلا حرج:ـ

عندما قررت محافظة القاهرة أن تجدد سيارات الأجرة فيها، بيعت سيارات الأجرة القديمة بملاليم مقابل أن يظفر أصحابها بسيارات حديثة يدفعون ثمنها بالتقسيط. عبقرىٌّ ما خطر له أن يبيع تلك السيارات العتيقة للمحافظات، وهناك قام البعض بتغيير لونها لتصير سيارات خاصة. النتيجة أن تلك السيارات العتيقة الملاكى ملأت محافظات مصر، ويعمل عليها سائقو سيارات أجرة، لكنهم يتظاهرون بأنها سياراتهم الخاصة.. بالتالى هم لا يدفعون ضرائب سيارات الأجرة ويظفرون بنوع من الحرية

كنت متأخرا عن موعد مهم، عندما فوجئت بسيارة خاصة عتيقة الطراز تتوقف أمامى.. رأيت السائق الذى يلف عنقه بمحرمة عريضة ويضع عوينات سوداء يصرخ فى وجهى بتلك الطريقة الهامسة:ـ
ـ«تاكسى!»ـ

هنا فهمت أنها سيارة أجرة متنكرة من تلك السيارات التى ملأت المدينة. بالطبع هو لا يبدو كسيارة أجرة لهذا لا بد أن ينادى معلنا  عن بضاعته.. فى الوقت نفسه لا يصرخ بصوت عال جدا وإلا سمعه رجال شرطة المرور!ـ

هكذا توكلت على الله وفتحت الباب وجلست. هذه ليست سيارات، بل هى أدوات تعذيب من القرون الوسطى. لا بد أن قضاة محاكم التفتيش كانوا يرغمون ضحاياهم على الجلوس فى أشياء كهذه. حددت له وجهتى فى شارع المعتصم فتوكل على الله وشغل المحرك.. ثم سألنى:ـ
ـ«شارع المعتصم؟.. أين هو؟. هل تعرفه؟»ـ

هنا فهمت أنه ليس سائق أجرة محترفا كذلك. يعتمد علىّ كلية لمعرفة الاتجاه. فهمت كذلك أنه يعتمد على الركاب من الرجال فقط. ما من امرأة ستقبل ركوب سيارة خاصة ما لم تكن امرأة خليعة. وأنا أستبعد أن تركب امرأة خليعة أو غير خليعة أداة جز الأعشاب هذه.. سوف تصاب بارتجاج مخى وتموت

رحت أشرح له أين يوجد شارع المعتصم، فقال لى بلهجة متوسلة:ـ
ـ«طبعا الأستاذ طيب وابن ناس، ويهمك أن لا تقطع عيشى.. لهذا أتوسل إليك.. أنا أدعى (أسامة محمود).. أقيم فى 82 شارع الحلو.. والآن قل لى: ما اسمى؟»ـ
قلت فى تردد:ـ
ـ«أسامة محمود..»ـ
ـ«برافو.. أقيم فى 82 شارع الحلو.. أنت ابن خالى ونحن ذاهبان لزيارة عمتك المريضة.. اتفقنا؟»ـ

شرح لى الأمر.. سيارته تبدو كسيارة أجرة متنكرة. هو يبدو كسائق سيارة أجرة متنكر.. لهذا يتوقع فى أى لحظة أن يستوقفه شرطى مرور ليطلب رخصته. شرطى المرور سوف يشك فى أننى زبون، لهذا سوف يسألنى عن اسمى وعلاقتى بالسائق، غالبا سيسألنى عن اسم السائق، فإن لم أعرف استنتج أننى مجرد زبون

فهمت.. وهكذا ظللت طيلة الوقت أردد لنفسى الدرس

لم أتنبه إلا عندما وجدت رجل الشرطة يستوقف السيارة، ينظر إلىّ فى شك كأننى أخفى فى ثيابى شحنة مخدرات، ثم ينظر إلى السائق.. تفحص الرخصة بعناية، ثم سألنى إن كنت أعرف السائق، قلت بصوت مبحوح وفم جاف بسبب الكذب:ـ
ـ«أسامة محمود.. 82 شارع الحلو، عمتى مريضة»ـ

ابتسم كأنه عاش هذا الموقف مرارا، ثم التفت إلى السائق ليسأله:ـ
ـ«وما اسمه هو؟»ـ

يا للكارثة!ـ

هنا تذكرت أن السائق لا يعرف اسمى ولم يسأل. أنا أبدو كـ(أحمد) ولا يحتاج المرء إلى ذكاء شديد ليخمِّن ذلك، لكننى بدوت للسائق (مصطفى)، وهو ما قاله. ومن الغريب أن شرطى المرور اكتفى بذلك وأطلق سراحنا

كل مشكلاتنا تبدأ بالتعليم وتعود إليه كالعادة.. نحن نحتاج إلى ثقافة مرورية تبدأ من الصغر، وأحمل هذه المسؤولية على عاتق البيت والمدرسة والدعاة. بالمناسبة: هل سمعت فى حياتك خطيب مسجد يتكلم عن آداب المرور؟!ـ