قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, March 28, 2012

المريض التالي - 2



spc

طلب هجرس زجاجة من النبيذ الأبيض مع السمك كما هي العادة، فلما جاء الساقي صبّ لشاهنده في كأسها ثم صب لنفسه.. يحب عينيها مع هذه الشمعة المتراقصة. الموسيقى عذبة.. يحب هذا المكان بالتأكيد.. دعك من أنه مكان آمن

نظر لساعته.. يعرف أن ثريا لن تتصل به قبل ساعة؛ تعرف أنه لا يرد على المكالمات طيلة وجوده في العيادة، وتعرف أن هاتف العيادة مشغول دائمًا.. مضت فترة طويلة منذ قامت بجولة تفتيشية، أما هو فيغادر العيادة مبكرًا ويأتي إلى هذا المطعم على الطريق السريع، حيث تنتظره شاهنده أو غادة أو ريهام أو مي
دائمًا هناك واحدة.. لو كانت لديه مزية فهي أنه لا يملّ ولا يكره ترديد ذات الكلمات

ينظر حوله في عصبية.. المشكلة أنه معروف وناجح.. ظهر في التلفزيون عدة مرات.. لا بد من وغد يعرفه بشكل أو بآخر.. لكنه على كل حال كان يحرص على وضع النظارة السوداء، وكان صارمًا بالنسبة للعدسات.. يسمع غالق الكاميرا كأنه قِط

شاهنده فتاة جميلة فعلاً وفاخرة. يعرفها منذ عام، والمشكلة كالعادة أنها تعتقد أن وقت الجد قد جاء.. هل سنتزوج أم لا؟ هذا شيء يغيظه فعلاً؛ كان يعتبر نفسه ثمينًا جدًا، ولا يصدّق أن تعتقد فتاة أن بوسعها الحصول عليه.. هذه إهانة لا شك فيها، مثلما تتضايق الفتاة عندما تكتشف أن مديرها يعتبرها "متاحة".. تمنى مرارًا لو يصفعها ويعاقبها على هذه الأفكار.. النساء ممتعات فعلاً.. لا يستطيع الحياة من دونهن، لكن يجب أن يمارس ببراعة ذلك الفن.. أن يستمتع بهن ثم ينسحب بنعومة، وفي الوقت نفسه لا يجعلهن غاضبات لدرجة الانتقام.. لقد تلقّت زوجته ثريا مكالمات من قبل ووصلتها رسائل.. لسوف تصدّق الخطاب التالي بالتأكيد.. السيناريو الأسوأ أن يجدها فوق رأسه الآن

شاهنده فتاة جميلة فعلاً وفاخرة ـ(رسوم: فواز)ـ

ثريا حمقاء هستيرية ولن تتصرف بحكمة.. سوف تفضحه بالمعنى الحرفي للكلمة
ـ"تبدو شاردًا.."ـ
قالتها شاهنده وهي تجرع ما بقي في كأسها

قال وهو يصلح ربطة عنقه:ـ
ـ"لا شيء.. كان يومًا مرهقًا في العيادة.. لم أحبّ الحالات التي رأيتها اليوم"ـ
ـ"صعبة؟"ـ

فكّر حينًا ثم قال:ـ
ـ"ليس موضوع الصعوبة.. المشكلة هي أن المرء يبحث عن أدواته أحيانًا فلا يجدها جاهزة.. هل تفهمين؟"ـ
ـ"لا.."ـ
ـ"أنت تقودين سيارة.. ألم يأتِ يوم ركبت فيه السيارة فشعرت كأنك نسيت القيادة؟ كأن مستواك انهار فجأة؟"ـ

ثم الْتهم ما في طبقه بسرعة.. سوف ينهيان العشاء سريعًا ثم يوصلها لسيارتها المتوقفة في مرآب عام ويعود لبيته.. اللقاءات الحميمة تتم عندما تعتقد ثريا أنه ذاهب لمؤتمر في الإسكندرية أو فايد... إلخ. ليس اليوم

***********

في المرآب اتجهت إلى حيث تركت السيارة
كانت الخمر تلعب برأسها قليلاً، وشعرت أن خطواتها غير ثابتة.. لقد رحل هجرس منذ دقائق ليلحق بزوجته.. أين كانت السيارة الفكترا البيضاء؟ هي في مكان ما هنا

معظم حوادث التحرش والاغتصاب في الولايات المتحدة تتم في المرآب
لماذا تذكرت هذه المقولة الآن؟ نحن لسنا في الولايات المتحدة والحمد لله.. الوضع هنا أسوأ وقطع الطريق يتم ليل نهار على الطريق الدائري.. ليتها كانت في الولايات المتحدة إذن

تذكرت هذا وهي ترى ذلك الشبح القادم من بعيد وسط الظلال والضوء الخافت من الكشافات على الجدار
ماذا يريد؟ خطواته ثابتة وبطيئة جدًا.. لا يمكن أن يكون هدفه البحث عن سيارته

تذكرت هذا وهي ترى ذلك الشبح القادم من بعيد وسط الظلال ـ(رسوم: فواز)ـ

بدأت تتراجع للخلف وهي تتمنى ألا تتعثر.. هذا الشخص ليس طبيعيًا.. يبدو أن معها الحق.. إنه خطر أو مريب أو مثير للتوتر أو

ركضت إلى صف جانبي وراحت تجدّ السير وسط السيارات الواقفة
نظرت للخلف فرأت أن ذلك الشيء يصر على اقتفاء أثرها

بدأ قلبها يخفق بعنف.. هجرس.. هجرس يا أحمق.. لماذا رحلت؟ كان يجب أن تنتظر حتى أركب السيارة أمامك
هجرس كان وسيمًا له عينان قاسيتان.. من الواضح أنه لا يملك أي حنان أو رقة، وبالتأكيد لا يؤثر الفتاة بحمايته، لكنه يصلح.. يصلح ليحميها بعض الوقت.. الرجال مفيدون؛ لأنهم يلتحمون مع المهاجم ويموتون، وبهذا يمنحون المرأة فرصة الفرار
سمعت صوت المحرّك
سيارة تعود للخلف خارجة من موقفها

اندفعت نحو السيارة وقرعت على الزجاج الجانبي، وقبل أن يكمل الزجاج الهبوط فتحت الباب وألقت نفسها بالداخل
ـ"بسرعة!.. انطلق!"ـ
لم يفهم مشكلتها لكنه على كل حال فعل كما قالت

وبعد لحظات كانت السيارة تغادر المرآب وتنطلق على الطريق
ـ"ما هي مشكلتك بالضبط؟"ـ

كان ينظر للشارع أثناء القيادة، لكنه كان يختلس لحظات يدير فيها وجهه لها.. وعندما التقت العينان أدركت أنه شاب في الثلاثين، ناحل جدًا.. شاحب جدًا.. له عينان غاطستان توشكان على الغياب في جمجمته.. لكنها شعرت أنه جميل
قالت وهي تشهق:ـ
ـ"شعرت بأن هناك من يلاحقني.. سيارتي بالداخل.."ـ
ـ"كان بوسعك أن تقولي ذلك وكنا سنذهب معًا لتركبيها.."ـ

نظرت لذراعه الناحلة.. لو كان مطاردها ذبابة فهو على الأرجح لن يستطيع مقاومتها
قالت له وهي تراقب الطريق المظلم:ـ
ـ"آسفة على تطفّلي.. لكن لو شئت استكمال جميلك فلتدر دورة، ثم عد بي إلى المرآب.. يمكن أن تراقبني إلى أن أركب.."ـ
ولاحظت شيئًا آخر أثار توترها
هي بالتأكيد تهذي.. الخمر تعبث برأسها.. ما تراه لا يمكن أن يكون حقيقيًا
ألا ترى ذلك معي؟

.......

يُتبَع