قصاصات قابلة للحرق

Monday, March 26, 2012

عند طرفى المنحنى



spc


قلبى الخفاق  أضحى مضجعك …  فى حنايا الصدر أخفى موضعك
قد تركـت الكـون فى ضوضائه … واعتـزلت الكـل كـى أحيا معـك

قرأت هذه الكلمات الرقيقة فى مجلة «الهلال» فى وقت ما من السبعينيات، ومعها قصيدة أخرى تقول على لسان سيدنا يوسف عندما راودته امرأة العزيز عن نفسه:ـ
هو ذا الثوب خذيه.. إن قلبى ليس فيه

أصابتنى الدهشة عندما عرفت أنها أشعار البابا شنودة الثالث، فلم أكن أعرف أنه شاعر حساس لهذه الدرجة، وفى ما بعد ارتبطت الترنيمتان فى ذهنى بلحن عبقرى وضعه ملحن نوبى. حتى تلك اللحظة لم أكن أذكر عن البابا شنودة سوى ذكرى مبهمة من عام 1971. جثمان البابا كيرلس جالسا على مقعده.. البابا شنودة يلقى خطابه الأول. فى ما بعد عرفت الدور بالغ الأهمية الذى لعبه الرجل طيلة عدة عقود من تاريخ مصر. رحيله بالتأكيد خسارة فادحة، ولحظة كنا جميعا نخشاها. اختلفت معه كثيرا عقائديا وسياسيا، لكن لم أنكر لحظة أنه رمز بالغ الأهمية، وقد استطاع ببراعة أن يقود السفينة عبر صخور وعرة وأمواج عاتية، مبديا خليطا من الحزم والعطف الأبوى، ورأيى الخاص أنه جنب مصر الكثير من الأهوال. وعلينا أن نتذكر أنه رفض حتى آخر لحظة أن يزور القدس حتى لا يقال يوما ما إن مسيحيى مصر هم خونة العالم العربى. لو تذكرت الأحداث لوجدت أنه لعب غالبا دور قضبان الجرافيت فى المفاعلات النووية.. كان يبرد المفاعل ويهدئ التفاعل ويمنعه من الانفجار. بالنسبة إلىّ كان اختلافى مع سياسته يتعلق بالذات بتأييده لمبارك والتوريث، وبالتأكيد كانت لديه حساباته الخاصة باعتباره مسؤولا عن كل مسيحيى مصر، دعك من موقف (الأب الذى يعرف أكثر). كما لم أفهم قط موقفه من موضوع وفاء قنسطنطين، وهو الذى كان بوسعه تهدئة الأمور بلقاء تليفزيونى قصير

ينتمى البابا شنودة إلى جيل الرهبان الشباب من أمثال مكارى السوريانى والأنبا جريجوريوس، الذين كانوا أساقفة دولة لا ينتمون إلى مناطق جغرافية محددة. إنه نظير جيد خريج كلية الآداب، الشاعر والصحفى الذى انخرط فى سلك الرهبنة. كان قوى التحمل لدرجة أنه سجن نفسه أحد عشر عاما فى دير وادى النطرون متفرغا للترجمة والنسخ. ثم صار مسؤولا عن مدارس الأحد وكليات اللاهوت، وصار نجما لدى الشباب المسيحى بدرس الجمعة الذى اعتاد أن يلقيه عليهم. عندما تولى عرش البابوية بعد البابا كيرلس كان مصمما على إخراج الكنيسة القبطية من وضع العزلة الذى كانت فيه. وفى ذلك الوقت كانت للكنيسة القبطية فروع مهمة فى كندا وأمريكا مما أعطاها استقلالا عن الدولة، هنا ظهرت شخصيته القوية وثقافته وقدراته اللغوية المتمكنة، بل إنه وقع إعلانا مشتركا مع البابا بول الجالس على عرش الفاتيكان، وبالطبع كلنا يعرف الصدام الشهير بينه وبين الرئيس السادات، الذى آمن أن البابا شنودة يسعى لزعامة سياسية لا دينية فقط

عندما توفى البابا شنودة بدأت ردود الأفعال لدى جميع الأطراف. على الطرف الأقرب من المنحنى كان موقف السلفيين متوقعا وواضحا، وإن كنت قد دعوت الله مرارا أن يخيبوا ظنى.. تمنيت لو قالوا كلمات محايدة على غرار: «نعزى مسيحيى مصر وإن كنا نؤكد اختلافنا الشديد مع الأنبا شنودة، لكننا نرثيه باعتباره رمزا وطنيا مهما». كلمات كهذه لا تؤذى عقيدتك، ولا تخل بالولاء والبراء، وتؤكد اختلافك مع الرجل بشدة، وتؤكد كذلك احترامك له.. وهى فى الوقت نفسه أقرب إلى أخلاق الفرسان. لا أخفى إعجابى بنادر بكار المتحدث باسم السلفيين، فهو وجه ذكى يزن كلماته بدقة، وأعرف أنهم سيختلفون معه، وسيفقدونه بالتأكيد لهذا السبب بالذات: أنه ذكى يزن كلماته بدقة. لكن حتى بكار لم يستطع أن يقول سوى كلمات مراوغة مثل: شريعتنا تمنع الوقوف حدادا على أحد. ماذا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ مرت به جنازة فقام، فقالوا له إنه يهودى، فقال أليست نفسا؟ قرأت فى الإنترنت جدلا محموما حول هذا الحديث يحاولون إثبات أنه موضوع وغير صحيح! أما على الطرف الأكثر عنفا فلسوف نقابل الشيخ وجدى غنيم. كنا نتبادل شرائط الشيخ وجدى غنيم خلسة أيام الكلية، وأشهد أنه كان متحدثا شديد الذكاء زلق اللسان، كما أنه يتمتع بنظرة ثاقبة ساخرة لا يملكها مارك توين نفسه، حتى إنك لتضحك دامعا أو تبكى ضاحكا على ما وصل له حال الأمة، لكن خطابه مع الوقت والتقدم فى العمر يزداد عنفا، ولا أعتقد أن ما قاله يقرب الناس من الإسلام أبدا، وما حدث له فى تونس مؤخرا معروف للكل

على الطرف الآخر من المنحنى، قرأت لكتاب كثيرين ما أثار دهشتى. تذكرت قصة ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا عندما توفى خصم سياسى له، ونقلوا له الخبر، فقال فى حماسة: لقد خسرت بريطانيا اليوم رجلا من أنبل وأعظم رجالها وأصدقهم عملا. ثم توقف ومال على محدثه ليسأله فى شك: هل أنت متأكد من أنه مات حقا؟

هذا هو ما حدث بالضبط.. لقد قرأت فى الأعوام السابقة شتى الاتهامات للبابا شنودة بقلم كتاب كثيرين. هناك من أكد يقينا أنه يخفى المتفجرات فى الأديرة (وهو على كل حال طرف لا يكف عن الافتراء سواء على الثوار أو على المسيحيين)، وهو تأكيد كان يمكن أن يؤدى إلى أن تسيل الدماء لتملأ النيل. وهناك من قال يقينا إن البابا شنودة دولة داخل الدولة، وهناك من قال إنه يرتب كل حوادث الفتنة الطائفية مع مبارك، ليصنع لنفسه سلطة سياسية، ويعطى مبارك فرصة لمزيد من القمع. أى أن (مبارك) والبابا كانا يجتمعان لترتيب تفجيرات كنيسة القديسين، وكمية المتفجرات المستعملة ثم يتصافحان ويضحكان

قرأت كل هذا فى الأعوام الماضية بأقلام كتاب كثيرين.. الآن وقد توفى البابا انقلبت مواقفهم 180 درجة، وراحوا ينشدون القصائد الحزينة الباكية، حتى ليوشكوا على إنشاد قصيدة نزار: قتلناك يا آخر الأنبياء.. ومن جديد أتساءل: من الذى كان يكيل الاتهامات للرجل أمس؟ ماذا لو كانت كلماتهم اليوم أكثر عقلانية وتتسق مع اتهاماتهم السابقة؟ يعنى: «اختلفنا كثيرا مع قداسة البابا شنودة، لكننا بالتأكيد نشعر بأن فقده مصاب فادح وحدث جلل»، هذه كلمات معقولة ومتزنة

سوف نعرف أهمية هذا الرجل فى الفترة القادمة، وأدعو الله أن لا نتعلم ذلك بالطريقة الصعبة، عندما يكون علينا التعامل مع من يرى أن المسلمين ضيوف ثقلاء على مصر، ويجب أن يرحلوا، ومن يردد أن الأقباط يستوردون المتفجرات ويكدسونها فى الأديرة.. عندما يصير المفاعل بلا جرافيت يبطئ من التفاعل فالانفجار