قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, April 11, 2012

المريض التالي - 4



spc

هناك عند هذا المنحنى في الطريق، حيث اصطدمت عشرات السيارات بالحاجز الحديدي من قبل فالتوى وتشوّه، كان السياج تالفًا.. وكان ذلك المنحدر الذي يقود إلى الترعة

هذا هو المكان الذي توقّف عنده المهندس مينا.. كان واثقًا من أنه رأى شيئًا أسفل هذا المنحدر، لكنه لم يستطع أن يحكم ما هو.. فقط هو شيء لا يبعث الراحة في النفس، توقّف بعيدًا عن مسار العربات المندفعة وانحنى ليلقي نظرة أدقّ

بالفعل.. هذا ثوب أو معطف ممزق.. جسد بشري يتعلق بغصون الأشجار البارزة من المنحدر، ومن الجلي أنها أنثى كذلك.. كان قلبه يتواثب بين الضلوع عندما مدّ يده لجيبه وطلب رقم الشرطة

عندما جاءت سيارة الشرطة بعد وقت طويل، استطاع شرطيان أن يجرّا الجثة إلى أعلى.. القصة واضحة، لقد قتلها أحدهم ثم ألقى بها من فجوة السياج للهاوية، وتعلّقت بالغصون، تأمل الضابط الوجه

تأمل الضابط الوجه إنه قد تشوه بالرعب وآثار دماء ـ(رسوم: فواز)ـ

إنه قد تشوه بالرعب وآثار دماء، لكن يمكن بسهولة أن تدرك أنها كانت جميلة يومًا ما، كانت تلبس معطفًا.. وجد يده تمتد لتعبث في جيبها ثم خرجت ببطاقة هوية صغيرة.. هي إذن من النساء اللاتي يحملن الهوية في الجيب وهذا يسهّل الأمور

قرّب البطاقة من عينه وقرأ:ـ
ـ"شاهنده منصور محمد.. مهندسة اتصالات"ـ

ثم نظر إلى الوجه المذعور، وغمغم:ـ
ـ"ترى من قتلك أيتها الحسناء؟.. والأهم.. كيف قتلك؟"ـ

***********

عندما فتحت الخادمة الباب وجدت تلك السيدة النحيلة واقفة هناك.. ثمة قوة نفسية كاسحة لدى بعض الأشخاص الناحلين -حيث تتكفل العينان القويتان اللتان تضخمتا من فقدان الوزن- بجعل نظرتهم لا تقاوم
ـ"د. هجرس موجود؟"ـ

أرادت الخادمة أن تغلق الباب فلم تستطع.. لم تجد في نفسها القوة، وعندما أفاقت كانت تقف داخل البهو جوار المزهرية العملاقة، والسيدة النحيلة تقف أمامها

قالت كلامًا بصوت مبحوح لا تعرف ما هو.. وهنا سمعت صوت سيدتها ثريا تسأل عما هنالك

قالت وهي تعرف أنها ستتلقى اللعنات:ـ
ـ"مريضة تسأل عن د. هجرس"ـ
قالت ثريا في عصبية وتوحش:ـ
ـ"مريضة؟ منذ متى يأتي المرضى للبيت؟"ـ

ونظرت للسيدة النحيلة، كانت ترتدي ثيابًا أنيقة.. أنيقة لو أننا في الستينيات.. نفس التأثير الغريب لو أنك رأيت رجلاً يلبس طربوشًا نظيفًا مكويًا اليوم، قالت السيدة النحيلة وهي تنظر لها بذات الثبات:ـ
ـ"أريد كشفًا منزليًا.. إن ابنتي مريضة"ـ

ونظرت ثريا للعينين الغائرتين والشحوب الشديد وشعرت بقشعريرة.. في عصبية قالت:ـ
ـ"الدكتور لا يقوم بكشوف منزلية.. أعطيها عنوان العيادة واصرفيها يا زكية"ـ
ـ"أريد كشفًا منزليًا.. إن ابنتي مريضة"ـ

المخيف أن السيدة تتصرف وتتكلم كأنها لا تسمع حرفًا مما يقال
ـ"سوف ترحلين وإلا طلبت الشرطة"ـ
لكنها أدركت أن الأمر يتجاوز طلب الشرطة.. هذه السيدة مخيفة فعلاً، وعلى الأرجح

على الأرجح غير حقيقية

بدأت ترتجف.. يدها تهتز بلا توقف... ولا تعرف متى ولا كيف ظهر الطباخ العملاق من المطبخ، هذه المرة قبض في صمت على ساعد السيدة واصطحبها إلى الباب وأخرجها وأغلقه

لا تعرف كيف كانت ستتصرف لو طال الأمر.. هناك قوة ساحقة غلبتها لكن ما هي؟
وفي عصبية تحسست الهاتف وطلبت رقم زوجها

***********

نظر د. هجرس للهاتف الذي يتوهج بلا توقف.. اصمتي يا ثريا فلست بسعة نفسية لسماع هرائك الآن.. فيما بعد أرجوك

كان جالسًا في سيارته وقد قام بتشغيل المكيف.. يرقب المساحة الخالية أمامه
مساحة يلعب فيها الصبية وتنبح الكلاب على بعضها. لم ترد شاهنده حتى اللحظة وقد بدأ يقلق.. يقلق من أن تكون هي البادئة بالرحيل.. ليس هذا من حقها.. هو الذي سيرحل

كم هو بحاجة إليها.. لا بد من امرأة في مكان ما كي تدفن حزنك العميق بين ذراعيها.. لا بد من امرأة تبكي بين خصلات شعرها.. هذا غير عادل

هناك تمتد المقابر الريفية.. بعضها ينمّ على ثراء وفخامة، وبعضها ينمّ على فقر وتواضع حال.. طين جاف. يصعب عليه أن يصدق حالة التساوي التي يتكلم عنها الزاهدون والشعراء.. لا يرى مساواة حتى في الموت؛ هناك من يموت ثريًا وهناك من يموت فقيرًا.. هناك من ينام في بيت من رخام ثمين، وهناك من يغطى بطين جاف

نظر لساعته.. موعد العيادة يقترب والسائق صبري ما زال هناك في المقبرة، كان يتخلص من صبري في اللقاءات النسائية طبعًا، لكنه يعترف بأنه مفيد، يساعده على التعامل مع الحثالة دائمًا.. دعك من أنه يشعر بحنين للأيام الشعبية الأولى.. من حين لآخر يحلم بطبق من الكشري أو لحمة الراس أو السمين... هنا كان السائق يتصرف

هذه المرة كان العنوان موجودًا في سجلات المستشفى وكان واضحًا، القرية.. المركز

بعد دقائق عاد السائق وهو يلهث بسبب كرشه الضخم. جلس خلف المقود وهو يتنهد براحة بسبب الجو المكيف

بعد دقائق عاد السائق وهو يلهث بسبب كرشه الضخم ـ(رسوم: فواز)ـ

سأله د. هجرس في برود:ـ
ـ"خيرًا؟"ـ
قال السائق وهو ينظر للخلف ليتراجع بالسيارة:ـ
ـ"بالفعل يا سيدي.. لقد نبش اللحاد مقبرة (عز الشباب عبد السميع) ليلة أمس.. يجب أن أقول إنه طلب الكثير من المال"ـ
ـ"والنتيجة؟"ـ
اندفع السائق نحو الطريق المرصوف وقال:ـ
ـ"فارغة طبعًا! لا توجد جثة!"ـ
لا توجد جثة

هناك من تحمل نفس الاسم في المستشفى الآن
فرك د. هجرس يديه وقال في شرود:ـ
ـ"كنت أتوقع هذا.."ـ

***********

"اشفني يا دكتور.. سأحمل لك هذا الجميل ما حييت"

***********

كان الهاتف ما زال يتوهج عندما اجتازت السيارة بوابة المستشفى

لا بد أن الأطباء المقيمين أصيبوا بالشلل الذهولي أو العقم عندما فوجئوا بظهور د. هجرس في هذه الساعة.. إنه موعد عيادته، ومن المستحيل أن يظهر في هذه الساعات، وهو على كل حال لم يكن ألطف أستاذ في المستشفى

كان طلبه محددًا وهو يفتح باب مكتبه:ـ
ـ"أريد أن تجلبوا لي المريضة التي تدعى (عز الشباب عبد السميع).. حالاً!"ـ

.......

يُتبع