قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, June 4, 2012

الفتاة أم النمر؟ - 2



وما زلنا واقفين أمام البابين المغلقين عاجزين عن الاختيار، مفعمين بالتردد والخوف. هل نختار هذا الباب أم ذاك؟ خلف باب منهما فتاة حسناء وخلف الآخر نمر شرس. وكاتب القصة ستوكتون فضّل أن يترك القصة عند هذه النقطة

لقد تمت الانتخابات، وبصراحة يجب تحديد موقفك.. هل هى مزورة؟.. إذن قدم ما يثبت ذلك.. لكن عندما يقول القضاء إنها ليست كذلك، تعلن أن القضاء مخترق وتعلن الاعتصام.. إذن لماذا دخلت هذا المستنقع أصلا ولماذا دخلت الانتخابات؟.. ثم بعد هذا تقول إن الشعب أحمق (وابن مرة) واختار اللباس المتسخ.. حدد موقفك.. الانتخابات مزورة أم الشعب أبله؟.. مستحيل أن يستقيم الأمران معا.. دعك من أنهم لم يكفوا عن الكلام عن الشعب المعلم الذى اختزن حكمة 4000 سنة، فصار (ابن مرة) فى لحظة عندما اختار خيارًا لا يروق لهم. تناقض مروع من صفوة مثقفة أصابها الاضطراب فلم تعد تعرف ما تقول.. خبير دستورى يطالب مرسى بالاستقالة، بينما يؤكد خبراء دستوريون أن هذا كلام فارغ لأنه يعنى نجاح شفيق بالتزكية.. تخبط فى تخبط. كل هذا لعب عيال شبيه بما كنا نفعله فى المدرسة الابتدائية.. نلعب كرة قدم.. لو بدأنا نخسر نكتشف أن كرة القدم لعبة مملة ونأخذ الكرة ونعود للبيت. يجب قبول الحقيقة: مرسى أو شفيق.. هذا ما أراده الناخب المصرى.. أعترف بهذا حتى لو كنت أنا قد اخترت حمدين صباحى وتحمست له

يجب أن تختار: هل تريد ديمقراطية أم لا؟ لا توجد ديمقراطية انتقائية. فى عام 2005 كتبت مقالا فى جريدة «التجمع» أثار السخط علىّ، فحواه أن الديمقراطية لن تأتى سوى بالحزب الوطنى أو الإخوان. لا يوجد حل ثالث قبل مئة عام من الممارسة والصواب والخطأ.. لن تعلن الانتخابات فيذهب الناس لانتخاب د.جلال أمين. إما أن تقبل هذا أو تطالب بالديكتاتور العادل. اليوم أقرأ هذا الرأى مرارًا فى كتابات عدة.. وقد كتب د.يوسف زيدان، يقول: «قُلتُ إن أفلاطون -وهو أول من تحدَّث عن الديمقراطية- اعتبرها أسوأ أنظمة الحكم السياسى، لأنها تؤدى إلى غلبة الغوغائية وتغليب رأى العوامِّ الذين هم فى غالب الأمر ليسوا مؤهَّلين للحكم الصائب على الأمور، لجهلهم وقلة معرفتهم وخبرتهم… ولذلك، كان الرأى عندى أن نُقصر العملية الانتخابية فى المرة الأولى على عدد محدود من الناخبين، وهو فى الواقع عدد وفير، فيكون حق الإدلاء بالصوت الانتخابى فى أول مرة نختار برلمانا ورئيسا للجمهورية مقصورا على المتعلِّمين ثم يصير بعد سنوات مشاعا للجميع.. فاغتاظ الأكثرون من هذا الكلام!»ـ

هذا كلام لا يخلو من منطق صائب.. لكن يجب تطبيقه أولا قبل أن تلوم الجماهير على خياراتها التى لا تروق لك. حتى يتم ذلك يجب أن تقبل حقيقة أن صوت د.يوسف زيدان له نفس قيمة عم بيومى بائع الخبز فى شارعنا، وبالتأكيد لن يختار عم بيومى فاتسلاف هافيل رئيسا للجمهورية

بالنسبة إلى شفيق فيبدو الأمر واضحًا تمامًا.. هذا مرشح يواجه أكثر من 35 بلاغا، ويقول إن مبارك هو قدوته ومثاله الذى يحتذى، وهو الذى أعطى مبارك الفرصة كى يخفى آثار جرائمه ويؤمن ثروته، وكان يعرف كل شىء عن المذبحة التى تتم بالجمال بينما هو يخاطب الصحفيين مرحبًا بالثوار. على كل حال هو يستفيد جدا من الهجوم العنيف الدموى الذى يشنه الإخوان عليه.. وحظه أرجح باعتبار أن المجلس العسكرى يسانده، مع كل رجال الحزب الوطنى وكوادر أمن الدولة السابقين. شفيق سوف ينتقم ببساطة.. وكلامه لا يحتمل تفسيرات كثيرة على كل حال. ألا ترون الشر فى عينيه، وعضلة الغل تنقبض فى خديه؟.. سوف يصفى الحساب مع كل من قال لا له أو لعصر مبارك. يقول المازحون إنه سيبنى ميدان التحرير كله بحيث يستحيل استخدامه للتظاهر، ويقولون إنه سيزيل التجمع الخامس من الوجود انتقاما لما حدث له هناك

بالنسبة إلى الإخوان يبدو الأمر أكثر تعقيدًا.. إنهم ليسوا (شفيق) بالتأكيد، وكما قالت كلمة جميلة نفاها المخرج خالد يوسف فى ما بعد: «خلافنا مع شفيق جنائى، بينما خلافنا مع الإخوان سياسى». لكن المشكلة هى أن من سينتخب مرسى إنما ينتخب الإخوان كلهم

لم يتول الإخوان الحكم بعد، لكنك تستطيع أن تلاحظ كيف بدأ يتكون لوبى إخوانى كامل من المصالح فى الريف.. العُمودية.. المجالس المحلية.. رؤساء مجالس القرى.. بدأت (أخونة) الدولة بالفعل ويمكن تصور ما ستكون عليه الأمور بعد أربعة أعوام. كل هذا مع شعور عام بالقوة والتعالى لا شك فيه. هم قادرون على البقاء بعد أربعة أعوام سواء فى شكل مرسى أو فى شكل تناسخ آخر.. أنت تعرف أن من يتحدث بالدين قادر على البقاء للأبد، وتعرف أن من يسيطر على الريف قادر على البقاء للأبد، وقادر على إخراس معارضيه الذين سيكونون وقتها كفرة أو خوارج لا معارضين.. يوما قال المرشد السابق للصحفى سعيد شعيب: (طظ فى مصر وأبو مصر واللى فى مصر.).. كيف يحكم مصر من يؤمن أنه طظ فيها؟ كيف يحكمها من قال إنه لا ينوى دخول انتخابات الرئاسة ومن قال (مشاركة لا مغالبة)؟.. ومن رفض أن ينزل لمظاهرات يناير إلا عندما بدا الطرف الأقوى واضحا؟ هل تريد دليلا آخر؟.. لو قرأت هذا المقال على الإنترنت فلتطالع كم الشتائم الشرسة التى ستنهمر على رأسى أسفل هذا المقال، لأن لجانهم الإلكترونية لا تتوانى عن تمزيق أى واحد يتجرّأ ويفتح فمه، محاولة عمل سقف لا يتجاوزه رأس أى كاتب، وهذا يدل على رفض تام للاختلاف. سيقول أحدهم كالعادة: «أنتم خايفين من الإسلام ليه؟». هذه عبارة أخرى تخيفنى فعلا لأنهم يؤمنون أنهم الإسلام ولا أحد سواهم. قرأت مقالا للأستاذ هويدى يتساءل فيه عن سبب تنازل الإخوان وإعطائهم ضمانات ما داموا هم الطرف الأقوى فعلا؟ كقاعدة: موضوعية فهمى هويدى تتخلى عنه عندما يأتى الإخوان فى الموضوع

الفتاة أم النمر؟ اعتقادى الخاص أن هناك نمرًا شرسًا وراء كل باب. لهذا لن أفتح أى باب. يقول البعض إن هذا معناه صوت لشفيق ويقول البعض إنه صوت لمرسى. أؤمن أن عدم التصويت فى مصلحة مرسى لأنه كان يملك الأصوات الأعلى، كما أن أصوات من اختاروا حمدين وأبا الفتوح والعوا وخالد كلها ستصب عنده، مع كل الليبراليين الذين أعلنوا أنهم سيختارونه على مضض (ومنهم علاء الأسوانى وبلال فضل). وهذا الظن يؤكده اللواء سيف اليزل: «مقاطعة جولة الإعادة تصب فى اتجاه المرشح الرئاسى الدكتور محمد مرسى وليس الفريق أحمد شفيق». حمدين صباحى فضل أن لا ينتخب أى طرف لأنه ضد ديكتاتورية الدين وديكتاتورية الدولة. ويقول د.يوسف زيدان: «ما أراه صوابًا ولا أُلزم أحدًا به. وهو باختصار، أن لا نُسهم فى لعبة الخداع والتخييل، ونُضفى المشروعية على ممارسةٍ هزلية ليس الغرض منها بناء البلاد، بل إتاحة مزيد من الوقت لتسوية الأوضاع المعلَّقة، مع تضييع مزيد من الوقت على البلاد فى تلك المرحلة الحرجة». لن يذهب.. أختلف معه فى مقاطعة الجولة الأولى لكنى أتفق معه فى الوضع الحالى

تعلمت أن صوتى لن يحدث فارقا، خصوصا فى مواجهة كتلة التصويت المرعبة فى الريف. لكنه صوتى.. وهو ثمين بالنسبة إلىّ على الأقل، واختيارى لمرسى معناه أننى أريد أن تظل مصر إخوانية للأبد.. واختيارى لشفيق معناه أننى كنت منافقًا فى كل حرف كتبته منذ بدأت ممارسة الكتابة.. لهذا سأترك البابين مغلقين باختصار شديد، وسأجلس وأنتظر