قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, June 19, 2012

للمرة الثانية



spc


كنت أنوى فى هذا المقال الكلام عن قناة «الفراعين»، لكن الوقت ليس مناسبا على الإطلاق. كل الناس تفكر فى الانتخابات وذلك الزقاق الضيق الذى انحشرنا فيه جميعا، فلا مجال للكلام عن لعبة الإعلام.. لذا اسمح لى بتأجيل المقال قليلا. علقت الكثير من آمالى على الانتخابات.. انتخابات نزيهة تأتى بمن يريده الناس فعلا، لكن الأمور تتجه بلا توقف فى مسار مقلق، وأحداث كثيرة تحدث فى هذا الشهر الذى يفترض أن يكون الشهر الأخير للمجلس العسكرى فى إدارة البلاد. ما حدث للثورة يذكرنى بزوجة تقف على باب المحكمة وطفل رضيع على كتفها، وتنتظر أن تأخذ حقها بالقانون.. لكن متاهات القانون كثيرة وألعاب المحامين أكثر.. وموقفها يتذبذب بين الرضا بما أراده القانون وبين الغضب والتهديد بانتزاع حقها بيدها. تذكرت هذا المقال الذى كتبته منذ فترة طويلة وأرى أنه ما زال صالحا.. بل هو صالح أكثر من اللازم، لذا أرجو أن تسمح لى بإعادة نشره مع اختصار ما لم يعد له لزوم

عندما قمنا بتجديد الشقة، قررت أنا وزوجتى أن نبدأ بداية جديدة تماما وأن نتخلص من كل شىء لا لزوم له أو قبيح أو عتيق الطراز. بالفعل كانت الشقة رائعة الجمال تبدو كأنها قد جاءت للوجود اليوم فقط. بعد يومين لاحظنا أننا بحاجة إلى ساعة كبيرة فى الصالة، ولما لم يكن فى الوقت متسع فقد عدنا لتعليق الساعة العتيقة.. اخترنا مكانا مختلفا بدا لنا غريبا، وبعد قليل وجدنا أن أفضل الأماكن هو المكان القديم فعلا. بعد يوم آخر قلت لها إننى مرتبط عاطفيا بتلك اللوحة الكبيرة التى كانت معلقة فى غرفة المكتب والتى كانت توشك على التخلص منها فى القمامة.. هكذا عدنا لتعليقها وشعرت براحة لذلك. لاحظنا أن الأولاد لا يفتحون النوافذ بحذر، لذا ظهرت ذات الخدوش القديمة التى اختفت بعد الطلاء. بعد جولة أو اثنتين على معارض الموبيليا وجدنا أن أفضل أنتريه محتمل هو الأنتريه القديم الذى كنت أنوى بيعه لأول طارق

بعد أسبوعين شعرنا بشعور غريب.. ألفة مزعجة. ألفة تثير الجنون.. لقد بدأت الشقة تعود بنجاح تام إلى ما كانت عليه، والأمر يحتاج إلى قوة ملاحظة بالغة كى تدرك أنها خضعت لتجديد شاق ومكلف. وبدأت زوجتى تتحدث عن فكرة الانتقال لشقة جديدة.. هناك فقط يمكن أن تكون البداية ثورية ومختلفة فى كل شىء

لا أعرف لماذا خطر ببالى هذا المثال بالذات هذه الأيام

لست من هواة القلق على الثورة، وما زلت أجد صعوبة فى تصديق أن ما تم منذ 25 يناير تم فعلا، وأنا من المطالبين بعدم الصدام مع المجلس العسكرى، وأرى فى سيناريو الصدام حمامات دم تتوارى وراء الأفق، ولكن مجريات الأمور تصر على أن تجعلنى قلقا، ولا تفارق ذهنى مقولة قارئ ذكى علق فى موقع إنترنت قائلا: «موقفنا من المجلس العسكرى يشبه امرأة تشك فى خيانة زوجها لكنها تفضل الصمت حتى لا تخرب بيتها بيدها!». فى مثل هذه الأيام تنتهى فعلا الفترة التى طلبها مبارك لترتيب الأمور فى خطابه الثانى العاطفى الشهير.. فماذا تم فعلا؟ وكيف اختلفت الأمور عما إذا كان حرا طليقا يصدر أوامره هنا وهناك؟ للأسف -أقول لنفسى- ليس الفارق كبيرا جدا

فى فبراير ومارس كانت الشقة جديدة لامعة تفوح برائحة الطلاء، وكانت الآمال عريضة، لكننى اليوم أنظر فأشعر أن أشياء كثيرة قد عادت

ما حدث -أو كان سيحدث- لأسماء محفوظ تراجع واضح.. وفى رأيى أنها لم تهدد بشىء.. ما فعلته بالضبط هو أن قالت إنها تخشى أن تفلت الأمور. الفارق واضح بين من يخشى أن تفلت الأمور وبين من يعد بأن تفلت الأمور. وعلى كل حال هناك عشرات الطرق القانونية لعقابها غير المحاكمة العسكرية

هذا الأنتريه يبدو مألوفا.. إنه يشبه الأنتريه القديم تماما إن لم يكن هو بعينه

وماذا عن تكرار سيناريو محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وهو ما كتب العشرات عنه؟

أين الأمن؟ ما زالت الحالة الأمنية متدنية والحوادث فى كل مكان، وهناك أباطرة جريمة يظهرون فى كل يوم. كان هناك خلل أمنى واضح قبل الثورة، واليوم يأتى خلل أمنى فاضح. وفى هذه المرة نكتشف أن الساعة القديمة المعلقة فى الصالة كانت أفضل حالا فقد كانت تدق على الأقل

شقيق زكريا عزمى يمارس نوعا من البلطجة بالغة السوقية ضد خبراء لجنة الكسب غير المشروع، ويهينهم ويوشك على اغتصاب الخبيرة القادمة معهم. هل هذا شىء طبيعى بعد قيام ثورة؟ الرجل يشعر بأنه فى وضع قوى وأن هؤلاء حثالة.. نفس موقف الثرى الأرستقراطى أحمد مظهر فى فيلم (رد قلبى) مع شكرى سرحان الذى يمثل الضباط الأحرار، طبعا مع فارق هائل فى الرقى والتحضر. خبر يثير الغيظ ويثير القلق معا

إن رجل الشارع يدرك قبل سواه أن الشقة بدأت تبدو كما كانت قبل البياض. والنتيجة هى أن كل واحد أشعل فى نفسه ثورته الخاصة.. كل واحد ثائر وعنيف.. وقد صار قطع الطرق روتينا يوميا كما صار الاعتصام من قبل

لا تنكر كثرة الشروخ التى بدأت تملأ الجدران، ولا تنكر النمو السرطانى للجبهات والائتلافات ولعبة التخوين التى لا تتوقف، وذلك منذ الاستفتاء حتى اليوم، حتى صار الجميع من الفلول تقريبا بلا أى فرقة ناجية. صراع الدستور أولا أو الانتخابات أولا متوقف لأنه لا يبدو واحد منهما فى الأفق.. الشعار هو (الشجار أولا). والأسوأ أن الكل يصب البنزين على النار بلا توقف

انتهى المقال الملخص. المشكلة فعلا هى أننا نتجه لركن سوف تصير فيه الشقة كما كانت بالضبط.. كل هذا الجهد والمال والدم والانفعال سيكون بلا جدوى

السؤال هو: هل أخطأت الزوجة عندما وقفت أمام باب المحكمة تنتظر من ينصفها؟ هل كان عليها استئجار بلطجية يعيدون حقها من البداية؟ عقلى يقول (لا) وقلبى يقول (نعم)ـ

هل سيرحل الرئيس القادم فعلا بعد أربعة أعوام؟ هذا هو السؤال الأهم والأخطر