قصاصات قابلة للحرق

Monday, July 23, 2012

لحظة الوصال



spc


توفى عمر سليمان.. عرفت الخبر من المذياع وأنا أقف فى طابور البنزين فى الواحدة ظهرًا تحت الشمس الحارقة، فلا أنكر أننى شعرت بنوع من الشجن إذ تذكرت هذا الرجل فى الماضى، عندما كان غموضه وصمته يوحيان بالكثير، وخطرَ للبعض أنه يصلح فعلاً لتولى المسؤولية بعد مبارك، ثم بدا واضحًا أنه ينتمى إلى الجانب الآخر بقوة، وأنه آن للشافعى أن يفرد ساقيه.. شاءت الأقدار أن يعلن سليمان بنفسه وبصوت مبحوح نهاية عصر مبارك. وما زال كثيرون يعتبرونه هو الطرف الثالث أو اليد الخفية التى حركت الثورة المضادة وكل هذه الأحداث. لا ننكر أن الرجل كان قويا وكان يعرف الكثير فعلا. سوف أتجاهل طبعا تلك الإشاعات القوية التى تقول إنه لم يمت فى الولايات المتحدة ولكن فى سوريا، فى أثناء اجتماع المخابرات المتفجر إياه، الذى أودى بحياة وزير الداخلية ووزير الدفاع معا

أقول إننى سمعت هذه الأخبار قبل بدء شهر رمضان، وأنا أقف فى طابور البنزين العملاق الممتد بلا نهاية.. الشمس حارقة والسيارة تركزها أكثر عليك، لكن عداد الوقود شارف على النهاية فعلا وهذا معناه أن التموين مسألة حياة أو موت، وأنه لا داعى للمجازفة بتشغيل تكييف السيارة.. لا أستطيع الخروج من الطابور لأنى محاصر بعجلات الشاحنات العملاقة العطشى للسولار

كنا نعرف يقينًا أن أزمة الوقود ستتفاقم مع قدوم مرسى، بينما بالطبع لو فاز شفيق لحلت الأزمة خلال أيام. السبب هو أن قوى كونية تحاول أن يفشل مرسى بأى ثمن ويثور الشعب عليه، أو يسقطه المجلس ويأتى برئيس جديد. تعاطفت معه كثيرا.. لكن مشكلة البنزين قائمة وخانقة.. وهى ليست مشكلة هينة

أنظر إلى مؤشر الوقود فى سيارتى.. لقد مر نصف ساعة، ولا أجرؤ على إيقاف المحرك لأن الطابور يتحرك ببطء منتظم. وهذا معناه أننا نبدد فى طابور البنزين كمية مماثلة لما نبدده ونحن نتحرك

الشاب الذى فى السيارة أمامى قد أنهى الوقود تمامًا، لهذا سلم أمره لله.. إنه مشعث الشعر طويل اللحية محتقن الوجه غارق فى العرق، يدفع سيارته دفعًا كلما تحرك الطابور. دنا منى وقال ناصحًا:ـ
ـ«يجب أن تتأكد أولا من أن هناك بنزين 92.. هذا الطابور يقف من أجل بنزين 80»ـ

مسحت العرق الذى أغرق نظارتى وقلت:ـ
ـ«لو كانت هذه المحطة تضخ مياه مجارى فلن أرحل. سأضع أى شىء لديهم حتى لو كان محلول فنيك أو زيت تموين. لم يعد لدىّ وقود يسمح بالذهاب لمحطة أخرى»ـ

ميل رأسه وبدا غامضًا وهو يقول:ـ
ـ«هناك.. عند كوبرى قحافة.. لو دخلت يمينًا.. هناك من يبيع جراكن بنزين 92.. يمكنك أن..»ـ

تجاهلت اقتراحه وإن وعدته بأن أفكر فى الأمر
هكذا لو كانت أزمة البنزين حقيقية أو مفتعلة، فمن الواضح أنها أول مشكلة فشل مرسى فى حلها فعلا، وهى تقضى على الحياة فى مصر تمامًا. دعك من تكدس السيارات الذى يعطل المرور تمامًا

عندما يتكلم المرء عن رئاسة مرسى، فنحن فى وقت مبكر جدا، لهذا نطلب حلا للمشكلات العاجلة. لا نطلب حلا للمواضيع بعيدة المدى مثل العدالة الاجتماعية والبطالة والأمية.. إلخ

مشكلة المرور مثلا تتفاقم يومًا بعد يوم. التكدس والاختناق فى كل مكان، والنزول بسيارة فى بعض شوارع المدينة نوع من الانتحار. هناك وجود مرورى لكنه غير كاف وغير فعال، والدليل عدد من يمشون فى الاتجاه المعاكس أو يركنون سياراتهم صفا ثالثا ورابعا

لو ذهبت عند الاستاد فى طنطا ليلا لوقفت ساعة كاملة.. السبب أن هناك حفل زفاف والشباب يوقفون سياراتهم بعرض الشارع ليستعرضوا مهاراتهم فى عمل «خمسات»، وهى حركة خطرة غير مسؤولة يمكنها أن تقتل عشرة أبرياء فى كل مرة. يجب أن تنتظر حتى يعبر هؤلاء القوم عن فرحتهم قبل أن يسمح لك بالمرور. لو أن الشرطة سحبت رخصة أو رخصتين لتوقفت هذه الظاهرة، أما عن نفسى فدعنى أؤكد لك أنه لو كان أبى أو ابنى مريضا، وأنا عاجز عن الوصول إلى المستشفى بسبب هؤلاء، فلسوف أشترى مسدسا وأفرغه فى أول شاب مائع من هؤلاء. سوف يكتبون يومها عن الطبيب المجنون الذى فقد احترامه للقانون وآمن بشريعة الغاب! لكنى سأكون قد استرحت

الزبالة تتراكم بلا توقف.. عشرات ومئات أكياس الزبالة فى كل شارع من طنطا، ومن الواضح أن الشركة التى تجمع هذا كله «مقموصة». فى دوران الفاتح جزيرة فى نصف الشارع قرر الناس أن يصنعوا منها نصبًا تذكاريًا لإله الزبالة عند الرومان. بالفعل هو مشهد لا يمكن أن تصدقه ما لم تره

على فكرة كتبت هذا المقال ثلاث مرات، لأن الكهرباء انقطعت مرتين! الكهرباء تنقطع فى منطقتى بطنطا أربع مرات أو خمسا كل يوم، وفى كل مرة أتصل بالشبكة فيقسم لى الموظف أن العمال ذهبوا للإصلاح حالا. فى أيام امتحانات الثانوية العامة كنت أتصل بشرطة النجدة مباشرة. هل هم يستبدلون السلك التالف بسلك فاسد فى كل مرة؟ لماذا ينقطع النور كل ساعتين، وماذا لو كنا نستعمل المصاعد؟ دعك من أن ضخ المياه ضعيف جدا فلا بد من موتور للرفع. أى أن انقطاع الكهرباء معناه انقطاع النور وانقطاع الهواء «بلا مراوح أو أجهزة تكييف» وانقطاع الماء. لا بد أن تفر من بيتك.. ربما تقرر أن تستمتع بوقتك فى محطة بنزين أخرى!ـ

الحقيقة يا سيادة الرئيس هى أن حياتنا سيئة جدا وتزداد سوءا من بعد الثورة، وقد صبرنا كثيرا آملين أن الخلاص من عصابة مبارك سوف يؤدى إلى مستقبل أفضل مع الوقت. لو كان هناك من يحاربك بشراسة؛ فهذه معركتك الأهم وهذه ثورة التصحيح الخاصة بك. يجب أن تكون قاسيا حازما

لحظة لأن الطابور يتحرك وأنا أطفأت محرك السيارة

أدرت المحرك من جديد… بينما الشاب يدفع السيارة أكثر

اتصلت بالبيت لأبلغهم أننى سأتأخر. لا مجال للمغادرة وسط هذا الطابور المحكم والشاحنات التى تحاصرنى. بالطبع الشبكة ساقطة ولا يمكن الاتصال. ترد تلك السيدة تخبرنى أن هذا الهاتف قد يكون مغلقا.. مسكينة هى.. يتم لعنها والدعاء عليها 30 مليون مرة كل دقيقة بلا ذنب جنته

هنا ظهر ذلك الفتى الذى يحمل جركن، قادما من داخل البنزينة وهو يلوح بيده
ـ«خلاص.. جبرت!»ـ

يقولها بلهجة المنتصرين. هكذا عرفت أن البنزين انتهى. انتظرت 16 سيارة فى الشمس الحارقة لينتهى البنزين وأنا على بعد سيارتين من أرض الميعاد.. من لحظة الوصال


لم أعد أطيق مصر.. لم أعد أتحملها فعلا.. ساعدنى كى أحبها من جديد يا سيادة الرئيس