قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, October 23, 2012

فيليكس.. لا مؤاخذة.. وأشياء أخرى



spc


مؤامرة فيلكس:ـ
كان العالم كله ينظر هناك إلى الفضاء، حيث كان واحد آخر يفتح بابا جديدا للبشرية.. لو لم تهتم بنتائج الوثبة العلمية، فهى قد أضافت الكثير لإيماننا بقدراتنا وعلمتنا أننا أقوى مما نعتقد

المغامر النمساوى فيلكس بومجارتنر – وهو ليس صغير السن – يصعد لارتفاع 128 ألف قدم فى كبسولة من الألياف الزجاجية والإكريليك

لابد أنه فى ذلك الوقت تقريبا كان هناك من يبيع البوظة على الطريق الزراعى السريع فى مصر، ملوحا بالكيس البلاستيكى داعيَا سائقى اللورى إلى رى عطشهم

وفى مكان آخر كانت ثلاث سيارات تمشى على الطريق السريع عكس الإتجاه، وسائقوها يكتفون بتشغيل الإشارات المتقطعة وهم يطلقون السباب من النافذة، لاعنين أبا من لا يعجبه هذا

وقف المغامر على لوح تزلج ونظر للأرض التى تغلفها السحب بلونها الأزرق الصافى، وخطر له أن وثبته هذه هى الأولى لكن من الممكن جدا أن تكون الأخيرة.. قرأ كثيرا عن طبقة الستراتوسفير لكن هل تخيل يوما أن يعبرها؟.. وقال كلمته التى صارت شهيرة جدا: يجب أن نرتفع جدا حتى نعرف كم نحن صغار

لابد أنه فى ذلك الوقت كانت مدرسة الأقصر قد فرغت من قص شعر تلميذتيها الطفلتين اللتين أرادت إرغامهما على ارتداء الحجاب.. تقول إن طفلا قدم لها المقص متحديا فاضطرت للتنفيذ. ماذا لو قدم لها مسدسَا إذن؟ هل يجب على المرء استعمال السلاح الذى يقدم له لينقذ هيبته؟

وثب فيلكس
لابد أن سرعته بلغت 1300 كيلومتر فى الساعة، أى أنها تجاوزت سرعة الصوت
القفزة استمرت أربع دقائق قبل فتح المظلة

تشبه القفزة التى وثبها الرجلان المتصارعان فى ميدان التحرير نحو بعضهما.. أحدهما من الإخوان والآخر من الليبراليين، وفيما بعد سيزعم كل واحد منهما أن بلطجيا مندسا هو من ضرب الآخر.. فى كل مواجهة يستحيل أن تتهم أحدا لأن كل طرف سيزعم أن البلطجية هم من فعلوا هذا وهم المسؤولون عن الدماء التى تسيل. لكن الإخوان خسروا كثيرا جدا فى ذلك اليوم عندما أردوا أن يعلنوا فى التحرير أن هناك قوة واحدة وإرادة واحدة وقانونا واحدا: هم.. وكان الصراع.. وولدت مبررات الجمعة التالية

فيلكس لا يبالى بهذا وهو مستمر فى السقوط.. لقد انفتحت المظلة

فى الوقت ذاته تحرك طابور البنزين بمقدار سيارة واحدة للأمام

عربة الزبالة لم تأت اليوم لهذا ارتفعت جبال القمامة فى ذلك الشارع…. وهناك من هلل فرحا لأن مرسى قرر عقاب المشير وعنان، وقالوا إن هذا دليل على أنه لم تجر أى صفقات معهما.. ثم أنكرت الحكومة ذلك وأقيل رئيس تحرير الجريدة التى نشرت الخبر.. ماذا كان مصدره إذن؟

قدما فيلكس لمستا الأرض.. تخلت عنه ساقاه فسجد على ركبتيه وهو لا يصدق أنه رأى الأرض من جديد

بعد أسبوع علق أحدهم فى موقع إنترنت قائلا: « ومين اللى قالك أصلا يا أستاذ إنه نط فعلا من الارتفاع ده؟ ضحكوا عليك بالفيلم اللى ذاعوه؟؟؟ دى أكيد لعبة تليفزيونية سخيفة من ألاعيب الغرب التى لا تنتهى ليقنعنا بتفوقه الوهمى علينا.. وهم فى غيهم يعمهون. فوووووووق!». قال لى صديقى إن كاتب هذه الكلمات يمزح بلا شك.. الأمور لم تصل لهذا السوء والتخلف بعد. قلت له: يا رب.. أرجو أن تكون دعابة أو مقلبا، وإلا فنحن أبقار ترعى العشب ولا تعرف أى شيء عما يدور حولها، ولا أمل فعلا

لا مؤاخذة:ـ
صديقى عمرو سلامة المخرج الشاب المليء بالحيوية، صار من أيقونات الثورة المهمة بالنسبة للشباب.. بالتأكيد لا ننسى مقاله (أنا اتضربت ليه؟) عندما كان ضابط شاب يوشك على تكرار مأساة خالد سعيد معه، وبعدها توالت مدوناته ومقالاته. تميز عمرو سلامة بالجدية وعدم الاستسهال فى زمن مبتذل بطبعه، وقد شبهت فيلمه الجميل (زى النهارده) بعازفة كونشير رقيقة راقية تمشى وحدها فى زقاق مليء بالشبيحة والبلطجية. بعدها قدم فيلما شديد الجدية عن مريضة إيدز تريد أن تعلن ذلك أمام المجتمع الذى يعتبر ما حل بها عقابا عادلا (بينما هى لم تزن قط). أسماء كان فيلما أنيقا جادا يدل على أن هناك سينمائيين لم ينهزموا بعد

مشكلة عمرو سلامة هى أنه سليم الطوية.. لقد تصور أن الأمور اختلفت بعد الثورة وأن النظام الذى سقط هو كذلك (منظومة) الأفكار البالية لدينا. لقد قدم سيناريو فيلم يدعى (لا مؤاخذة) إلى مسابقة دعم وزارة الثقافة وأمام لجنة تحكيم من فنانين وأدباء، وربح السيناريو دعما قدره مليون جنيه. لما جاء دور الرقابة، اصطدم السيناريو بصخرة عملاقة.. إذن الوزارة تمنح الفيلم جائزة باليد اليمنى، ثم تمنعه رقابتها باليد اليسرى. السبب؟.. السبب أنه فيلم يلعب دور المبضع الذى يشق جرحا حساسا خطيرا.. بكلمات المخرج نفسه: «أحداث الفيلم عن طفل مسيحى يترك مدرسته الأجنبية ليلتحق بمدرسة حكومية، وبسبب اختلاف مظهره وثقافته يقوم التلاميذ بالسخرية منه فى أول يوم فيخاف منهم، يظنونه مسلما لأن اسمه مثل أسماء المسلمين (هانى عبد الله) فيقضى السنة كلها متظاهرا أنه مسلم وخائفا من فضح سره وعندما يفضح السر، وعلى عكس توقعاته يعامله الجميع باحترام مبالغ مصطنع خوفا من شبهة الطائفية، فيشعر بتمييز آخر، التمييز الإيجابى، فيقوم هو بسوء استغلال الموقف إلى أن يتصادم فى النهاية مع صديقه المسلم الذى كان يسخر منه قبل معرفة أن دينه مسيحى، وينتهى الفيلم بعقاب الاثنين بعد ذروة صراع درامية بينهما.». موضوع حساس وخطر بالتأكيد.. وقد قامت الرقابة بالواجب ورفضت الفيلم لأنه – حسب كلامها – يبالغ فى إظهار التمييز الدينى فى مصر، وأنه لا يجوز إظهار المجتمع المصرى على أنه مجتمع عنصرى طائفى. المشكلة قائمة وخطرة لكنهم مصرون على منطق الشيخ الجالس جوار القس من أيام مبارك. لجنة التظلمات فى وزارة الثقافة رفضت الفيلم دون إبداء أسباب.. طلبوا منه تغيير عنوان السيناريو ففعل ذلك. أطلق على الفيلم اسم (تانية إعدادي).. هكذا أفلت من تهمة إظهار التمييز الدينى ليدخل فى تهمة (تشويه المؤسسة التعليمية). يقول سلامة إن غرفة صناعة السينما دعته لاجتماع يحضره وزير الثقافة ورئيس الرقابة وطلب الوزير من رئيس الرقابة أن يجيز الفيلم ووعدوه بذلك.. وهو ما ننتظر حدوثه. المشكلة هى أن للدعم تاريخا محددا بعده سيضيع نهائيا

كان بوسع المخرج الشاب أن يبتعد عن عش الدبابير، وأن يقدم فيلما عن خريج شاب يعمل فى فندق فى شرم الشيخ، ويقابل البنت بتاعته ذات المايوه البكينى هناك، أو عن عصابة تخطط لسرقة مصرف وتمشى نحو الشاشة بالسرعة البطيئة، بينما يدوى خلف رجالها انفجار مروع.. لكنه مصمم على أن يقول فيلمه شيئا مهما وجادا ويمس مشاكلنا فعلا، وأنت تعرف أن المشكلة التى يحكيها ليست من تلفيق خياله الخصب. رفض الرقابة الروتينى الذى يحمل رائحة الأختام والملفات الحكومية وشاى السبرتاية والأستاذ عبد الظاهر الشمندورى سوف يجعلنا نفقد عملا مهما وجميلا، كما أنه سيجعلنا نوقن أن شيئا لم يتغير