قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, October 29, 2012

للمرة الثانية



spc


كل عام وأنت بخير.. كنت أطالع بعض الصحف مؤخرا فبدا لى أن الصحافة المصرية أفاقت بصعوبة من صدمة الثورة، وبدأت -ورأسها يترنح- فى استعادة دورها فى نفاق الحاكم وتفخيم كل قرار له. بداية جديدة نعم لكنها تتحرك على ذات الدرب اللعين، وهكذا تذكرت من جديد هذا المقال الذى نشر منذ زمن فى جريدة الدستور بعنوان (لعنة البدايات الجديدة). اسمح لى بان أذكرك به

فى سن العاشرة طلبت منا (أبلة فتحية) ناظرة مدرسة الإصلاح الابتدائية أن نذهب للقاء وفد من الأطفال السوفييت جاء لزيارة مدينة طنطا. فى ذلك الوقت علمونا فى المدرسة أن الاتحاد السوفييتى يمثل لنا الصديق القوى الودود الذى يساعدنا بلا مقابل، وكانت هناك حكايات عن الطيارين السوفييت الذين يحمون سماءنا من طائرات الفانتوم الإسرائيلية.. كان اللقاء أشبه بحلم جميل..راقص الكازاتشوك.. المهرج الذى يلبس كأرنب.. أرنب سوفييتى جدا يضع فى قدميه حذاءين من فراء.. ثم ماروشكا.. الطفلة السوفييتية التى لم أتصور قط أن يوجد كائن حى أو ميت بجمالها، وكانت تتكلم العربية بطلاقة.. ثم عزفت معلمتهم الحسناء على الأكورديون فنهضت ماروشكا وصديقاتها يرقصن، فتأكد لدى أنها دمية تعمل بالزنبرك فعلا. حتى اللحن أذكره بعد خمسة وثلاثين عاما.. وفى كل لحظة كان الأطفال يتخذون وضعا مسرحيا ثابتا ويهتفون: بروسكى أرابسكى.. مش عارف إيه كده.. (تحيا الصداقة العربية السوفييتية)ـ

الاتحاد السوفييتى جميل لطيف له وجه ماروشكا ولون شعرها وابتسامتها. وفى ذلك الوقت كان الحماس للشيوعية متأججا، وكان فى مكتبة بيتنا كتاب لموسى صبرى شخصيا اسمه (شيوعيون فى كل مكان) يرى فيه أن الشيوعية سوف تغزو العالم سواء أردنا أو لم نرد، وكان سعيدا بهذا

عرفت فيما بعد أن السادات طرد الخبراء السوفييت وأعلن أن الاتحاد السوفييتى مماطل وتاجر سلاح من الطراز الرخيص.. شعرت وقتها بأن العداوة هى بين السادات وماروشكا شخصيا، ولم يكن هناك شك فى الطرف الذى سيتحمس له طفل العاشرة. كل المدرسين فى المدرسة تحولوا فجأة إلى أعداء للشيوعية وراحوا يحكون لنا مدى نذالة وانحلال السوفييت، وكيف أن الشيوعية أفيون الشعوب الحقيقى

هكذا كان علينا أن نغسل معتقداتنا ونبدأ من جديد

نفس الشىء ينطبق على عصر عبد الناصر و(ارفع رأسك يا أخى) وشعارات الاشتراكية، وكنت أنا قد نشأت فى بيت ناصرى صميم يعتقد أن عبد الناصر يعرف كل شىء ويقدر على اجتياز أية مشكلة. وفى صحف 3 يونيو عام 1967 أرانى أبى كاريكاتورا جميلا يظهر طوابير الإسرائيليين واقفين أمام دورة المياه لأنهم مصابون بالإسهال رعبا، ويوم 5 يونيو دخل أبى للقيلولة وقال لنا: «أخبرونى عندما يتم تحرير فلسطين كلها». ثم عرفنا أننا كنا مخدوعين وأننا سحقنا سحقا فى ذلك اليوم. وزارتنا بعد أيام طبيبة محجبة اندهشت لمنظرها ؛ لأنى لم أر حجابا فى حياتى من قبل.. قالت لنا إن سبب هزيمتنا هو ابتعادنا عن الدين ونسيانه.. لا أعرف أين ذهبتْ ولا مصيرها بعد ذلك، لكنها جعلتنا ندرك أن علينا أن نبدأ من جديد ونغير معتقداتنا الحمقاء

فى عصر أنور السادات قيل لنا إن عبد الناصر كان طاغية، وإن زوار الفجر كانوا يقتحمون البيوت ويغتصبون (سعاد حسنى) فى فيلم (الكرنك)، وبدأ عهد جديد دشنته موسيقا برنامج العلم والإيمان.. صار اسم السادات هو (الرئيس المؤمن) وراح الكل يتحدث عن أخلاق القرية. وصار على كل كاتب أن يكتب كتابا يشتم فيه الشيوعية فصدرت كتب تحمل عناوين مثل (تقدميون للخلف) وأعيد طبع كتاب (أفيون الشعوب: المذاهب الهدامة) للعقاد.. من لم يشتموا الشيوعية تراجعوا لخلفية الصورة بينما وثبت أسماء للمقدمة منها رشاد رشدى ويوسف السباعى وصالح جودت. ثم عرفنا أن سياسة الدول المنغلقة الغبية فى الاقتصاد هى سبب مشاكلنا، وأن علينا أن ننتجع شيئا غامضا اسمه (الانفتاح).. كل ما فات كان وهما غبيا… علينا أن نبدأ من جديد

ثم صحونا ذات يوم لنعرف أن إسرائيل ليست بهذا السوء.. الموضوع موضوع سوء تفاهم وانعدام ثقة، وفى المدرسة دخل علينا أكثر من مدرس ليشرح لنا فى حماس وهو دامع العينين كيف أن (العرب جرب) وأن معاناتنا قد انتهت.. على هؤلاء الجالسين يقاتلون بالميكروفونات فى مقاهى باريس أن يكفوا عن المطالبة بموت آخر جندى مصرى.. وعلى شاشة التلفزيون راحت أم كلثوم تغنى أغنية قديمة وجدها أحدهم فى مخازن التلفزيون، يصاحبها مونتاج لأغلفة مجلة أكتوبر ركبته المخرجة (فريدة عرمان)، و«مهما كنا.. مهما كنتم.. من حقوقنا ومن حقوقكم الحياة والسلام». مع صور باسمة ودود لبيجين وشارون وديان وجولدا مائير، وخصص أنيس منصور مجلة أكتوبر لنشر صور السادات مع قادة إسرائيل.. هذه حرب لا مبرر لها يا جماعة.. كنا مخطئين وعلينا البدء من جديد.. فى أيام الكلية تحمسنا بجنون للجهاد فى أفغانستان ولدى تخرجنا تطوع بعض الأطباء الشبان للسفر هناك لعلاج المجاهدين.. ثم عرفنا أن هذا كان مجرد مقلب ضمن سلسة المقالب المتبادلة بين الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة.. الاتحاد السوفييتى أعطى أمريكا مقلبا فى فيتنام فقرر برجينسكى أن يرد الصاع صاعين بتوريط الاتحاد السوفييتى فى دخول أفغانستان، ثم فى جهاد مقدس يهز موسكو شخصيا، ونحن لم ندر أن المخابرات المركزية الأمريكية جزء فعال ونشط فى هذا الجهاد.. فقط دفع الثمن المتحمسون من الشباب الذين ذهبوا لأفغانستان ثم عادوا ليطاردوا أمنيا فى بلادهم إلى الأبد.. بعد أعوام جاء من قال لنا إن الصحوة الدينية فى الجامعات لم تكن سوى محاولة السادات لمواجهة التيار الناصرى المتنامى، ولهذا استقدم الرجل الإخوان وأعطاهم سيطرة مطلقة على الجامعات.. ثم خرج الجنى من القمقم – على رأى هيكل – ولم تعد أى صلوات ولا أدعية قادرة على إعادته.. لقد مات السادات بيد الوحش الذى أطلق سراحه، وكل هذا الحماس الدينى قد جعل المجتمع متطرفا بدرجة لا يمكن السيطرة عليها.. سورى يا جماعة.. كنا نتحرك بشكل خطأ.. سوف نبدأ من جديد

الشيخ سيد إمام منظر القاعدة القيادى يعلن مراجعاته وأنهم كانوا مخطئين.. مخطئين عندما نثروا الانفجارات فى شوارع القاهرة وعندما ماتت التلميذات الذاهبات إلى مدارسهن.. حتى أيمن الظواهرى اعترف فى لقاء قديم مع قناة الجزيرة بأن هذه العمليات كان المقصود بها هز نظام الحكم، لكنها أثارت الشارع على الجماعة.. الاعتراف بالخطأ جميل لكن من يرد لهؤلاء الضحايا أرواحهم؟. ومن جديد نحن كنا مخطئين.. تعالوا نبدأ من جديد

الانفتاح يا جماعة كان وبالا على مصر.. سياسة الخصخصة أدت لبيع مصر كلها وقضت على ما شيده عبد الناصر فى 18 عاما.. لكنكم قلتم إن سياسة عبد الناصر كانت هى الانغلاق واشتراكية الفقر. يقولون لك: بالعكس.. كانت سياسته ممتازة وكل دول العالم تسمح بتدخل الحكومة فى الاقتصاد فى النهاية.. حتى الولايات المتحدة نفسها لم تسمح ببيع أصولها للأجانب برغم كل ما تتشدق به عن السوق الحرة. ثم يظهر أحدهم فى التلفزيون متحمسا ليؤكد: الأزمة الاقتصادية الأخيرة أكدت أنه لابد من تدخل الدولة.. من حسن الحظ أننا لم نندفع وراء العولمة تماما وإلا لضعنا كما ضاعوا

كنا مخطئين يا جماعة.. فلنبدأ من جديد.. يا سلام !.. وكيف تسترد كل ما بعته؟.. مجمع الألومنيوم على سبيل المثال لا الحصر

هكذا كتب علينا هذا العذاب السيزيفى.. دحرجة الصخرة لقمة الجبل لتسقط من جديد… فى كل يوم بداية جديدة.. فى كل يوم نكتشف أننا كنا مخطئين وقد هدانا الله للصواب أخيرا.. وهكذا يعزف الناس عن الثقة بأى شىء أو الحماسة لأى شىء.. من أدرانا أن التجربة الجديدة ليست خاطئة بدورها؟.. أليست هذه بداية خطأ آخر؟.. هنا يظهر هذا المسؤول أو ذاك ليمط شفته السفلى فى اشمئزاز: «كل هذه السلبية؟.. لا أعرف لماذا يعزف الناس عن المشاركة؟.. كيف تتقدم مصر من دون جهود أبنائها؟»ـ

أقول له: يا سيدى.. فيكم البركة.. أنت أيدتم كل القرارات فى كل العهود.. أيدتم الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية والصحوة الدينية والانفتاح والحرب والتطبيع والخصخصة وزوار الفجر وهدم السجون و.. و… ومن الطبيعى جدا أن تتغنوا بحب مصر فشمسها فى سماركم وشكلها فى ملامحكم فعلا.. ولونكم قمحى فعلا.. فقط ارحمونا واصمتوا قليلا