قصاصات قابلة للحرق

Monday, October 8, 2012

أربعمائة عام فقط



spc


بالطبع احتفل كثيرون بمرور مئة يوم من حكم مرسى، فهى مناسبة تمنحهم فرصة ممتازة للتشفى والانتقام واقتناص الأخطاء. المقارنة بين ما وعد الرجل به وما تحقق فعلاً مغرية بشدة، والأهم أنها حق طبيعى للمواطن لا يجسر أحد على مناقشته

بالطبع دار جدل قوى بين من يرى أن المئة يوم كانت حافلة بالإنجازات، وقد بالغ هؤلاء بشدة لدرجة اعتبار كل خطوة وكل خطاب وكل زيارة إنجازًا تاريخيًا، وسمعنا من يصف مرسى ببطل حرب أكتوبر !.. يبدو أن داء تحويل الحكام إلى آلهة مستعص غير قابل للعلاج عندنا.. والنتيجة هى أنهم قادرون على إفساد أى حاكم مهما حسنت نواياه. أنتظر فى رعب أن أسمع الهتاف سيء السمعة (بالروح بالدم نفديك يا مرسي) لأدرك أننا لم نتغير بعد الثورة قط

الطرف الآخر من الجدل هو هؤلاء الذين يرون أن المئة يوم تجربة فاشلة لم تحقق أى وعد وامتلأت بالأخطاء والتسول، وإن ولاء مرسى الأول ليس لمصر ولكن للإخوان. بعض هؤلاء ما زالوا يعتقدون أن مرسى اختطف نتيجة الانتخابات، وفاز بهامش ضئيل (على الحركرك). استمرار هذا الجدل مؤذ لأن أحدًا لا يعاير الفائز فى الانتخابات فى الدول المتقدمة بالهامش الضئيل الذى فاز به.. متى فاز صار رئيسًا للجميع، وعلى سفينة البلاد أن تستمر فى الإبحار تحت قيادته.. رأيى الخاص يقع بين الطرفين، وأرى أن مشاكلنا بالغة التعقيد وكثيرة جدًا، وأننا خرجنا من تجربة اغتصاب مصر لمدة 30 سنة، وبعدها تفككت صواميل الدولة توطئة لإعادة جمعها بشكل أردناه صحيحًا .. ميراث ثقيل ومضن لكننا ننتظر.. إن الفترة الباقية من رئاسة مرسى سوف تكون صاخبة وعسيرة، ولسوف ننتقد الرجل ونعاتبه ونعارضه.. لا شك فى هذا، لكننا لن نضع أمامه الحفر ليسقط فيها

المشكلة الحقيقية فى رأيى تكمن بعد انتهاء أربع سنوات.. ماذا لو فشل الرئيس فعلاً واكتشف المواطن أنه كان الخيار الخطأ.. هل يمكنه أن يستبدله ؟.. لو كان هذا ممكنًا فالثورة قد نجحت، ونحن على الطريق الصحيح مهما تعثرنا أو تأخرنا.. من الناحية النظرية هذا ما سيحدث فعلاً.. هناك انتخابات ستتم ولسوف يذهب المواطنون لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، وسوف يأتى من هو أصلح أو من هو أقدر على الوصول للجماهير. المشكلة هى أن الإخوان أقدر على الوصول للجماهير فعلاً باستعمال سلاح الدين. وقد قلت فيما سبق إن من يستعمل سلاح الدين فى السياسة قادر على البقاء للأبد.. هذا معناه أنهم جاءوا ليبقوا

لقد رأيت عشرات المواقف المماثلة: الرجل يقف أمام باب اللجنة يهاجم الإخوان ويتهمهم بالكذب والتلاعب واللؤم.. يقول إن شعبيتهم قد تدنت وقد أتيحت لهم الفرصة كاملة فلم يستغلوها، وقد تغير الزمن كثيرًا فلم يعودوا هم الطرف الضعيف المظلوم الذى تتعاطف معه، بل صاروا قادرين على الظلم .. الخ. الخ.. كل هذا كلام يذوب أمام القدرة التنظيمية الكاسحة للإخوان.. يقول الرجل هذا ثم يدخل إلى اللجنة، ويخرج بعد دقائق فتسأله من اختار ؟.. يقول لك وهو ينظف إصبعه من الحبر:ـ
ـ«الإخوان طبعًا»ـ

من سواهم ؟.. تارة يقول لك لأنه لا يعرف سواهم، وتارة يقول إنهم برغم كل شيء قوة منظمة كاسحة.. لكن الحقيقة التى لا تغيب لحظة هى أنه يشعر أنه أدى بذلك واجبًا دينيًا. هذا هو السيناريو المتوقع بعد أربع سنوات، ومهما كان أداء مرسى وحكومته ومهما كانت حالتنا الاقتصادية وقتها.. فسوف يدخل المواطن اللجنة ليختار الإخوان (عشان دول بتوع ربنا) بينما العلمانيون والليبراليون كفرة.. إنهم لا يريدون الدولة الدينية لأنهم يكرهون الإسلام ولأنهم صنيعة الغرب

اللحية تكسب دائمًا فى مصر. هذه قاعدة لا تفشل.. وكما يقول إبراهيم عيسى فى مقال سابق: « لهذا اقعد يا سيدى اشرح للناخب فى الفيوم من هنا لبكرة واقتل نفسك حماسا مع الناخب فى أسيوط لتشرح أن الإخوان وسياستهم سر تدهور الأوضاع وأنهم فشلة ولا يصلحون لإدارة البلاد، ولن تجد رد فعل إلا أنك علمانى ليبرالى ملحد تريد أن تطفئ نور الله»ـ

ها نحن أولاء فى البداية، وداعية شهير يقول إن توزيع مطبوعات أو الدعوة لحزب الدستور كفر صريح، ومن يوزع منشورات الحزب حكمه كحكم من يبيع الخمر. هكذا بدأت المعركة فهل هى متكافئة بالله عليك ؟.. وما هو موقف الفلاح الجالس يلتهم البتاو والبصل فى حقله، وموقف مبيض المحارة والسباك ونجار المسلح من كلمات كهذه ؟.. سوف يقتنع بها حرفيًا. وما زال استخدام سلاح الدين فى خطبة الجمعة لفرض آراء سياسية مستعملاً بشدة. أرسل لى د. احمد حسين عضو مجلس نقابة الأطباء والناشط السياسى المشاغب دائمًا، يقول: «رصدت عن طريق زملائى ببعض المحافظات تخصيص جزء من الخطبة الثانية لظهر الجمعة 5 أكتوبر ببعض المساجد لتناول ( إضراب الأطباء ). والمحافظتان اللتان تم رصد ذلك فيهما هما محافظة سوهاج فى عدد 5 مساجد ومحافظة بنى سويف فى مسجد أبو سبيحة بمنطقة الدهشورى بمدينة بنى سويف، وقد علمت من أحد أساتذتنا بمحافظة أخرى أن مدير إدارة الدعوة اتصل به لعلاقته الشخصيه به وأفهمه أنه مقرر تناول موضوع الإضراب فى المساجد. تم شرح الإضراب للمصلين على أنه إضراب لزيادة رواتب الأطباء الذين هم أعلى فئة ويتقاضون أعلى رواتب وأنهم يُضربون لتوجيه المواطنين للكشف بعياداتهم الخاصة، ويذهب أحد الأئمة وبالتحديد إمام مسجد الصحابة بسوهاج – والتابع لجمعية الصحابة المملوكة لجماعة الإخوان المسلمين – إلى إقرار أن من يشارك فى الأضراب فهو آثم، وأن المشاركين فى الأضراب هدفهم إسقاط رئيس الدولة وإسقاط حكم الإسلاميين»ـ

يقول د. أحمد: «ماذا لو ذهب بعض المصلين إلى المستشفيات الحكومية ليتحروا الدقة فى معلومات الإمام التى أقرها فى الخطبة وماذا لو اطلع هولاء المصلون على استمارة مفردات مرتب طبيب شاب ليجدوا أن راتبه الأساسى لا يتعدى 300 جنيه ومجموع دخله من العمل الحكومى لا يتعدى 1300 جنيه…!. إن استخدام منابر المساجد كأبواق للنظام الحاكم، وصبغ السياسة بالدين، لهو إعادة لاستخدام نفس أدوات نظام مبارك بأشد شراسة وضراوة، يتبارى نظام الإخوان فى الإضافة إليه واستحداث ما هو أكثر منها خطورة ويستخدمونها بغاية الاستهتار والتى لن يدركوا مخاطره عليهم إلا بعد أن يفاجأوا بنزوح المواطنين إلى ميدان التحرير»ـ

قد تتفق أو تختلف مع إضراب الإطباء، لكنه بالتأكيد موضوع سياسى لا يطرح فى خطبة الجمعة، لأن ذلك يعطى من يهاجمونه قدسية وحصانة.. لا أحد يجادل الإمام أو يجرؤ على مغادرة المسجد قبل الصلاة، وبالتالى هو سلاح غير عادل بتانًا

هذا السلاح سوف يستعمل كثيرًا جدًا.. وسوف يربح المعركة دائمًا. ومن جديد أقتبس من مقال إبراهيم عيسي: «المعركة القادمة لن يفرق فيها إدارة الإخوان للحكومة أو الرئاسة، بل يفرق فيها قدرتك على الرد على اتهامك بمحاربة الله ورسوله»ـ

على القوى المدنية والليبرالية أن تدرك هذا، ولا تقع فى ذات الخطأ الساذج كل مرة.. إذ تعتقد أن الجماهير سوف تنتخب جيفارا وتترك الشيخ الدمنهورى. وفى كل مرة يقولون إنهم استفادوا من أخطاء الماضى.. ثم تكون هزيمتهم ساحقة وتواجدهم فى الشارع صفرًا. عليهم أن يبعدوا أذهانهم قليلاً عن وسط البلد وساقية الصاوى وكافيه ريش وينظروا إلى منية شنتنا عياش ودفرة وتفهنا العزب، حيث الكتلة المخيفة العملاقة التى ستحدد رئيس الجمهورية القادم، والتى يقال لها فى كل جمعة إن كل القوى السياسية باستثناء الإخوان والسلفيين أعداء الإسلام. إما أن يحدث هذا وإلا فعلينا أن نعتاد وجود الإخوان على رأس السلطة طيلة الأربعمئة عام القادمة