قصاصات قابلة للحرق

Friday, February 22, 2013

في شارع المشاط - 4



spc

-9-

الأرانب الصغيرة أهم شيء في الكون، وبعدها فليذهب الكل إلى الجحيم

عندما تراك الأرانب الصغيرة فإنها تتدافع نحو قدميك، وهي تحرك أنوفها بتلك الطريقة الساحرة.. أقدامها الصغيرة تدوس على أصابع قدميك برفق جميل، أما عندما يمسك الأرنب الصغير بأذنه ليمشط فراءها فهو يذكرك بحسناء تجدل ضفيرتها عند النهر، العيون الواسعة المفعمة براءة وتهيبا.. كتل بيضاء تتواثب كأنها ندف قطن حي

عندما تراك الأرانب الصغيرة تتدافع نحو قدميك ـ (رسوم: فواز) ـ

هكذا كانت لمياء تفكر وهي تقف في الحديقة الخلفية للبيت تلقي فتات الخبز للأرانب. هي ليست حديقة بالضبط بل هي أقرب إلى مسقط أو سماوي تم استغلاله للزراعة.. هناك شجيرتان صغيرتان وأسرة أرانب وأسرة دجاج.. هناك قط رمادي صغير يتمنى لو ظفر بشيء يوما ما لكن هذا مستحيل، لذا تعلم أن يحترم نفسه ويتعايش، كأنه زير نساء يتعامل مع زميلات عمل حسناوات ولا يريد أن يُطرد بسببهن

تفرغ من هذا ثم تتجه إلى مقدمة البيت التي تطل على شارع المشاط، حيث تجلس أمها هناك خلف سور الشرفة وقد وضعت عليه كوب الشاي بالنعناع.. أوراق خضراء نديَّة تطل وسط البخار، وفي يدها طبق من الأرز تنقيه.. هناك مشكلة بصرية، لذا تجهد عينها في النظر من تحت إطار النظارة

بعد قليل يأتي القط ليثب إلى حاجز الشرفة ويجلس جوارها ويقر.. هنا تتربع لمياء على الأرض جوار القدم المجعدة المليئة بالعروق، وتتأمل مسام الجلد في شغف وفضول

كسول.. لا تعرف شيئا عن العالم.. مفعمة بالجمال.. هادئة الطباع.. هذا هو مزيج الطباع الذي تتوقعه من فتاة نشأت في شارع المشاط

كانت تسأل أمها في فضول:ـ
ـ هل تسمعين عن حوادث القتل هذه؟
فتقول الأم في شرود:ـ
ـ أسمع
ـ كلها في شارع المشاط.. لقد مات أربعة

تقول الأم:ـ
ـ كلنا يعرف ذلك.. ونعرف أن القصة مستمرة.. سوف يموت آخرون
ـ والسبب؟
ـ نحن لا نسأل أسئلة.. سوف تعرفين عندما تكبرين
وتواصل الأم تنقية الأرز في هدوء تام.. بينما لمياء تتأمل الشارع الهادئ من جديد متسائلة عن البيت القادم والضحية التالية

-10-

كنت جالسا في الجريدة أدخن وأرمق الفضاء من النافذة الضيقة
هنا دق جرس الهاتف فرفعته في كسل.. جاء الصوت المميز يقول:ـ
 ـ هديتك في السلة أمام الجريدة

بالطبع كان من المستحيل أن نراقب سلة المهملات للأبد أو نضع كاميرا تراقبها.. ربما يصير هذا حتميا فيما بعد. أما الآن فعليّ أن أهرع للصندوق لأرى.. ليس لي من دور إلا التيقن من صحة نظريتي أو فسادها لا أكثر.. من الصعب أن أمنع جريمة القتل التالية

هرعت خارج الجريدة وبحثت في صندوق القمامة.. خمس مرات في شارع المشاط.. هذا رقم مرتفع جدا.. السفاح الذي قرر أن واجبه إبادة سكان الشارع، وهم قوم مسالمون جدا ينتظرون دورهم كالخراف في المذبح.. هذا شعور قوي أشعر به كلما رأيت شارعهم

في شارع المشاط لا توجد سياسة.. في شارع المشاط لا توجد دولة ولا حكومة.. في شارع المشاط لا توجد أوبئة.. إنه شارع غريب متفرد على هامش الوجود.. على هامش التجربة الإنسانية ذاتها، وعلى الأرجح سوف أبحث عن شخص يعرف تاريخ هذا الشارع.. من هو المشاط؟

كنت أفكر في هذا وأنا أعبث في صندوق القمامة
أخيرا أخرجت الطرد.. فتحته في لهفة كالعادة
كان مبطنا بورق الزبد الشفاف.. وقد التفَّ حول حرف ذهبي صغير.. حرف
D
يبدو أنه منزوع من قلادة ذهبية.. خفيف جدا، فلا أحسب أنه كلف صاحب الطرد الكثير من المال
هرعت إلى داخل الجريدة وطلبت عزت

جاء صوته المتململ شأن من أيقظته من نوم محبب.. فقلت في انتصار:ـ
ـ شارع المشاط من جديد
أطلق السباب على الفور:ـ
ـ الله يخرب بيتك! ما الهدية هذه المرة؟
ـ حرف ذهبي
ـ ومعنى هذا؟
ـ البيت الذي يحمل رقم خمسين طبعا
أطلق سبة أخرى وأدركت أنه يرتدي ثيابه والسماعة تحت ذقنه.. سوف يفتح أبواب الجحيم حالا

أرسل إلينا القاتل قطعة من ذهب ليقصد البيت رقم 50 ـ (رسوم: فواز) ـ

-11-

في لحظة رائقة من التفكير ، أدركت أن القاتل ينذرنا بجرائمه بطريقة مبتكرة، هي العناصر التي ترمز لانقضاء السنين.. أنت تعرف العيد البرونزي والعيد الماسي... إلخ

عندما أرسل إلينا حزاما جلديا في طرد، ماتت الضحية في البيت رقم ثلاثة.. العيد الثالث هو العيد الجلدي
عندما أرسل إلينا رباط حذاء كان يتحدث عن البيت رقم 13
عندما أرسل إلينا صورة ياقوتة كان يتحدث عن البيت رقم 40.. العيد الأربعون هو العيد الياقوتي
وعندما أرسل لنا طبقا من الصيني في طرد كان يتكلم عن البيت رقم 20
اليوم هي قطعة من ذهب.. إذن هو يتحدث عن البيت رقم 50

هذا يسهل الأمور.. ليست كل الأرقام مرتبطة بعناصر.. هذا يعني أن البيت رقم 23 مثلا أو البيت رقم 51 آمن تماما.. سوف يكون الخطر مقتصرا على الرموز المعروفة

هذا يسهل الأمور كما قلت.. لكن السفاح يغش بشكل واضح، صار يرسل إليّ الطرد بعد الجريمة وليس قبلها.. هكذا لا يمنحنا فرصة الاستعداد

النقطة الثانية هي الفهم.. لماذا يفعل ذلك ولِمَ اختار هذه الطريقة؟ لِمَ اختار شارع المشاط أصلا؟ ولماذا ينذرني أنا؟
ألغاز لا نهاية لها.. وفي نفسي تلاعبت رغبة خبيثة كريهة؛ لا تدعه يتوقف الآن يا رب! لو توقف لمتنا والفضول يخنقنا لمعرفة المزيد.. فلتستمر الجرائم إلى أن يرتكب خطأ جسيما أو نصير نحن عباقرة ونعرف كل شيء

كنت أفكر في هذا كله بينما السيارة تندفع نحو شارع المشاط.. السرينة تنطلق مولولة.. وعند مدخل الشارع أبطأ السائق السيارة ومضى بسرعة الرجل العادي نحو البيت الذي يحمل رقم خمسين
ترجّلنا سريعا وهرع عزت يدق الباب بقبضته كما يرى في السينما

قلت له في هدوء:ـ
ـ لا تتحمس جدا.. أعتقد أننا جئنا بعد فوات الأوان كالعادة
انفتح الباب.. هنا تراجعنا للخلف بسبب هذا الوجه الرقيق الذي تفتَّح في وجوهنا فجأة كزهرة.. فتاة شابة كانت ترمقنا في رعب، فشعرنا بأننا ألعن مجموعة من الأوغاد في التاريخ.. كيف تقع وجوهنا على هذه الشبكية الرقيقة؟

قال لها عزت بصوت مبحوح:ـ
ـ نحن من الشرطة.. هل أمك هنا؟
استدارت للخلف وصاحت:ـ
ـ ماما
ومن مكان ما ظهر قط فضولي.. ثم ظهرت سيدة عجوز تمشي كالبطة بسبب الروماتيزم المفصلي، وترتدي قميص نوم باهتا رثَّا

كانت عيناها متسعتين في ذعر.. وتساءلت ورائحة البهارات تتصاعد منها:ـ
ـ شرطة؟ لماذا؟
ابتلع عزت ريقه ثم قال:ـ
ـ هل أفراد أسرتك بخير؟ كم عدد أفراد أسرتك؟
ـ أنا وابنتي فقط

نظر إليّ عزت نظرة ذات معنى.. إما أنني أحمق وغبي، وإما أن الجريمة لم تقع بعد.. وهذا يعني أن استنتاجي كان ذا منفعة أكيدة

.......

يُتبع

Monday, February 18, 2013

من ملفات الحرب - 3



spc


بما أن علاقتى قوية بالشباب، يمكننى أن أقول لك إنهم ينقسمون حاليًا إلى الغاضبين والغاضبين جدًا والمشتعلين غضبًا، والمحبطين والمفعمين بالحيرة، والذين بدءوا فعلاً فى إجراءات الهجرة. هناك كذلك تلاميذ مدرسة القوقعة الذين قرروا ألا يشاهدوا نشرات الأخبار وألا يسمعوا برامج الحوار، ويشاهدون روتانا كلاسيك فقط حيث الأفلام الأبيض والأسود. دائمًا أتلقى أسئلة لا أعرف إجابتها.. وسط فوضى الأخبار هذه ومع كل هذا التضليل الإعلامى من كل الأطراف يصعب أن تحدد الاتجاه الصحيح. لا أملك إجابات لكن أملك العديد من الأسئلة:ـ

Thursday, February 14, 2013

في شارع المشاط - 3



spc

-7-

القتلى:ـ
طفل صغير
فتاة مراهقة
شاب

وسائل القتل هي الخنق.. ضربة قوية على الرأس في حالتين
كلهم من سكان شارع المشاط
في كل الأحوال لا توجد استفادة واضحة؛ لا يمكن تحديد هدف الجريمة، هذا قاتل فنان يمارس القتل للقتل كما أن الفن للفن "آرس جراتيا أرتيس"، لا يريد سوى الذعر والدم

ليس هناك مكسب مادي من هذه العمليات
في كل مرة هناك مكالمة هاتفية وهناك طرد يصلني في صندوق القمامة، كان هناك رباط حذاء وكان هناك طبق شاي صغير وكان هناك حزام جلدي
ما معنى هذا؟

كنت جالسا في مكتب عزت والدخان ينعقد في هواء الغرفة، يمكنك أن ترى الأشباح تنتظر وتحملق فيك منتظرة ما ستقول، فإذا نهضت فرّت منك مبتعدة وتبددت
قال عزت:ـ
ـ النقطة الأكثر أهمية، لماذا أنت بالذات؟

هذه هي المشكلة، يحسبون أنني لست بالأهمية التي أراها في نفسي، لذا قلت بكبرياء:ـ
ـ أنا صحفي حوادث مهم، لو كنت قد لاحظت هذا
ـ ليس هذا مبررا؛ نحن لسنا في الولايات المتحدة؛ عدد الأميين عالٍ هنا والناس لا تهتم بالصحف؛ لن تحدث مقالتك ذعرا عاما أو تمنح القاتل شعورا بالأهمية

ابتلعت الإهانة في غيظ وواصلت التفكير.. ثم سألته:ـ
ـ لماذا شارع المشاط؟
تثاءب وفك ربطة عنقه قال:ـ
ـ طبعا لأن أهل الشارع آذوه نفسيا في وقت ما، أو هو يتصور أنه المهدي المنتظر وقد كلّفته السماء بقتل سكان هذا الشارع بالذات، يمكنك أن تكتب عدة قصص تتخيل فيها سبب اختيار الشارع، لكن الخيارات محدودة
ـ وماذا يجمع بين الضحايا؟
ـ ربما كان الأمر عشوائيا
ـ لا أعتقد.. هناك نوع من التخطيط لا شك فيه
ساد الصمت.. بعد قليل قال لي:ـ
ـ أعتقد أننا سنراقب الشارع لفترة، وأنت سيكون عليك أن تخبرني بمجرد تلقي الهدية القادمة

-8-

الكلام سهل على كل حال؛ يمكنك أن تكون حذرا مفتوح العينين ليوم.. يومين.. أسبوع.. شهر، لكن الزمن عدو الحذر، بعد قليل تتعلم أنه لا شيء يحدث وتتراخى قبضتك ويتدلى جفناك وتتثاءب

كانت هناك مراقبة على هاتف الجريدة، استمرت ثلاثة أسابيع ثم توقفت، عندما تكون سفاحا يجب أن تتصل بانتظام حتى لا يملّك الجميع وينسون أمرك

هكذا كان هناك مخبران أو ثلاثة، بعد قليل صارا يذهبان إلى مقهى بعيد لتدخين الشيشة، بعد فترة لم يعد أحد يراقب الشارع، بعد فترة نسي الكل القصة

وكنت في مكتب الجريدة أكتب عن مشاجرة حدثت في شبرا بين تاجرين، وكانت عزة زميلة العمل تفرّغ بعض الصور التي التقطتها بالكاميرا الرقمية، هنا دق جرس الهاتف
رفعت السماعة، جاء الصوت المألوف:ـ
ـ هديتك في السلة أمام الجريدة

دق جرس الهاتف حين كنت في مكتب الجريدة

هذه المرة لم أتردد ولم أطلب عون أحد، اتصلت بعزت أخبره أن يرسل رجاله إلى شارع المشاط فورا وأن يكثّفوا الرقابة
ـ على ماذا؟ الشارع طويل
ـ لا بد من الوجود الأمني، لا بد أن يعرف الجميع أن هناك وجودا أمنيا؛ أرسلوا سيارتي شرطة تطلقان سرينة عالية، ولتمضيا في الشارع عدة مرات
ثم ابتلعت ريقي لاهثا وأردفت:ـ
ـ سوف أرى هديتي هذه المرة وأخبرك بها

انطلقت إلى الخارج حيث صندوق القمامة، الناس ينظرون إليّ بشك وأنا أمد يدي في الصندوق في لهفة؛ لا أبدو لهم جائعا إلى هذا الحد
وجدت الطرد اللعين فأخرجته، وفتحته حيث أنا، يوم يقرر الرجل أن يرسل إليّ قنبلة فلن أنجو منها حتما

هذه المرة لم تكن هناك هدية معينة، كان هناك صورة صغيرة من مجلة، والصورة تمثل قطعة ياقوت كبيرة يبدو أنها كانت في إعلان عن صائغ باريسي مشهور، مجلة خليجية على الأرجح، دسست الصورة في جيبي وحملت الطرد الفارغ

لقد حلل رجال الشرطة الطرود السابقة فلم يجدوا بصمات سوى بصماتي بطبيعة الحال، لا يوجد أي شيء يدل على المرسل، بالطبع لأنه وضع الطرد بنفسه ولم يرسله من مكتب بريد
هرعت إلى الجريدة فاتصلت بعزت أخبره بما وجدت.. صورة ياقوتة.. لا توجد معلومات أخرى.. سلام

وانطلقت إلى شارع المشاط بأسرع ما أمكنني
شارع هادئ جميل؛ بالفعل يحب المرء أن يعيش فيه وينعم بهذه السكينة التي تختلف تماما عن عالم القاهرة الصاخب المزعج الملوّث بالعادم، لكن وغْدا ما قرر أن يفسد هذا كله

منذ اللحظة الأولى أدركت أن رجال الشرطة قاموا بعمل ممتاز؛ هناك عدة سيارات تجوب الشارع الهادئ الذي لم يعرف إلا الدرّاجات، وهناك أكثر من رجل يقف، رجال الشرطة بالثياب المدنية المفضوحة جدا إياها، والتي تجعل أي أعمى يدرك أنهم رجال شرطة، هذه الأكتاف العريضة والشوارب الكثّة والنظرات المخيفة، لكن ليكن، مهمتهم هي ترويع القاتل وليس خداعه

كان عزت يقف هناك أمام بيت من طابقين، وضحكت عندما رأيته ولوّحت بذراعي لكنه كان واجما فلم يكلف نفسه بهز رأسه
عندها عرفت ما حدث
لقد تأخرنا، أو لعل القاتل أرسل الطرد بعد الجريمة وليس قبلها

عندما هرعت إليه نظر إليّ في حيرة وقال:ـ
ـ تأخرنا.. امرأة في الثالثة والأربعين من عمرها، هناك من تسلل إلى البيت وطعنها حتى الموت، كانت وحدها لأن زوجها في العمل والأولاد في المدرسة
ـ وهل حدث شيء؟
ـ لا شيء كالعادة، لا سرقة، لا اغتصاب، لا خلافات معروفة، هذه من جرائم المزاج لا أكثر، قتل للتسلية

كانت الإسعاف تعوي عواءها الكئيب الشبيه بالندّابات الأجيرات، وهي تحاول أن تجد وقفة مناسبة تسمح بنقل الجثة، ثم ظهر رجلان يحملان محفّة عليها ملاءة ملوثة بالدم
هنا لاحظت شيئا تكرر في حوادث القتل السابقة
هؤلاء القوم غير مهتمين؛ لا توجد علامات لوعة من أي نوع، كنا سنرى جارة باكية وجارة منهارة وأطفالا فضوليين، لكن هؤلاء القوم يتعاملون ببرود غير معتاد

ملحوظة غريبة ومهمة، لكن لا سبيل لنقلها لعزت، سوف يسخر مني
وقفت أنظر إلى مدخل البيت، مدخل جميل تحيط به النباتات ويوحي بالسلام، رقم البيت هو 40، هل يستخدم السفاح متوالية هندسية معينة للقتل؟

دعنا نتذكر
أول بيت حدث فيه القتل رقمه هو.. لا أذكر
البيت الثاني رقمه 13
البيت الثالث رقمه 20
هذا البيت رقمه 40

سألت عزت عن رقم أول بيت، البيت الذي قتل فيه الطفل خنقا، بدت عليه الدهشة ثم فتح مفكرته وراجعها، قال لي:ـ
ـ رقم ثلاثة
رحت أفكر في عمق
وفجأة وصلت إلى الحل الصحيح
الأمر واضح وليس معقدا على الإطلاق

.......

يُتبع

Tuesday, February 12, 2013

من ملفات الحرب - 1



spc
* تصحيح واعتذار *

المقال تم نشره بالفعل في العدد الورقي
وتم التأكد من أرشيف الجريدة
http://tahrirnews.com/_Handlers/PDFHandler.ashx?path=4-2-2013.pdf

لكنه لم ينشر على موقع الجريدة اﻹلكتروني.. ربما سهوا أو بطريق الخطأ
http://tahrirnews.com/columns/ahmed_khaled_tawfik1

*******


الطرف الذي خطط لهذا كله طرف بارع فعلاً وقد حقق نصرًا ساحقًا.  الكل يحذر من الحرب الأهلية الآن بينما أعتقد أنها مستعرة فعلاً منذ عام تقريبًا.. لا أملك هذا التفاؤل.. والأهم هو أنهم اختاروا العيد الثاني للثورة من أجل تدميرها نهائيًا.. لا شك أن كل مصري – لو عاش – سيشعر بتوتر كلما اقترب تاريخ 25 يناير القادم

Monday, February 11, 2013

من ملفات الحرب - 2



spc


معدلات العنف تتزايد حتى بدا أننا نقترب جدًا من حقبة السيارات المفخخة والاغتيالات.. فقط هى فترة تدريبية قبل المرح الحقيقي. ولهذا تكلم أنت كل واحد فى الحافلة .. فى التاكسى .. عند الحلاق .. فى كل مرة تجد الاكتئاب والإحباط واليأس على وجوه الجميع بعد ما تحولت الثورة إلى كابوس. يجب أن نتكلم أولاً عن طنطا التى أفلتت من قبضة الأمن مرتين فى أسبوع واحد .. هذه المرة القصة تحرق الدم فعلاً ولابد أن تثير جنونك. نفس سيناريو خالد سعيد حرفيًا مما يوحى بأن الداخلية لم تتعلم شيئًا أو أن عقيدة العنف أقوى من أى دروس، وذلك الفتى الرقيق النحيل محمد الجندى الذى يعرفه سكان طنطا جيدًا .. يعرفونه ويعرفون مسكنه وأهله ويعرفون أنه لن يحمل سنجة أو زجاجة مولوتوف فى أى ظروف. إنه ابن الجميع. هذا الفتى قد تحول إلى كومة عظام مهشمة وقيل إنه قد اختطف إلى معسكر للأمن المركزى ليتلقى الضرب والتنكيل عدة أيام، وفى النهاية ألقوا به فى الشارع بنفس بروتوكول خالد سعيد. وقيل إنه أصيب فى حادث سيارة فى ميدان عبد المنعم رياض. نفس ما قالوه عن خالد سعيد بصدد ابتلاع لفافة مخدرات هشمت وجهه تمامًا. لم يكن أحد على استعداد لتصديق أى تفسير سوى تأثير التعذيب، واشتعلت المظاهرات فى طنطا وقضت المدينة ليلتين فى غاية السوء، خاصة أنك تعرف باقى السيناريو: سقوط ثلاثة أو أربعة متظاهرين بطلق نارى واندساس البلطجية . إلخ. لحسن الحظ لا قتلى حتى اللحظة. من ناحية اندساس البلطجية تم هذا بنجاح تام، ولو انطلقت بسيارتك على الطريق السريع نحو طنطا يومها، لرأيت عشرات الدراجات البخارية من طراز (ثلاثة على موتوسيكل – شبشب بإصبع – سنجة) منطلقة كلها إلى طنطا للمشاركة فى الحفل والنهب أثناء انشغال الشرطة. وتكرر هذا السيناريو يومى الاثنين والجمعة فى أسبوع واحد. كانت أحداثًا عنيفة لكن الإعلام النصاب كعادته وجدها فرصة ممتازة ليقول (حرب شوارع من بيت لبيت فى طنطا!)، بينما الحقيقة هى تجمهر أمام المحافظة ومديرية الأمن وبضع زجاجات مولوتوف وبضع طلقات غاز.. فوضى عارمة لكنها ليست حرب شوارع. المشكلة هى أنك لا تعرف ما هو التصرف الصحيح. يصعب تصديق سيناريو حادث السيارة، فذكرى خالد سعيد لم تفارقنا.. وكيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟. حتى لو صح هذا فلن يصدقه أحد. لا تستطيع أن تثق بالقانون لتأخذ حقك فى بلد يتم فيه تزوير كل شىء، وترى الرجل يجرد من ثيابه فى الشارع ثم يشهد بنفسه أنه فعل ذلك بنفسه. دعك من أنك قانط من أن يحاكم أى واحد على أى شيء. الحكومة مجرمة فاشلة والإعلام كذاب والفضائيات محرضة والمعارضة انتهازية .. فما طريقك؟.. لا طريق سوى الخروج فى الشارع والصراخ واستنشاق الغاز. أما عن رجال الشرطة فماذا يفعلون وهم يرون كل هذه الجموع التى تحمل المولوتوف تنقض عليهم عازمة على اقتحام قسم ثان ومديرية الأمن؟.. لو تركوهم وشأنهم لمزقوهم إربًا، والمدرعة المحروقة ما زالت ماثلة للعيان.. إذن هم مضطرون لاستعمال الغاز بإفراط.. هنا يصيح الجميع فى المعارضة أن الداخلية تتعامل بوحشية مع المتظاهرين، وتعتقد أن الحل هو الغاز وليس الحوار!.. هذه دائرة جنون لا تتوقف ولا يمكن كسرها، واتخاذ موقف أخلاقى واضح امر عسير جدًا 

Thursday, February 7, 2013

في شارع المشاط - 2



spc

كما قلت لك: تلقيت الاتصال قبل اكتشاف الجريمة بعدة ساعات
الاتصال الهاتفي قال إن هناك طردا مهما لي في سلة المهملات أمام الجريدة، بالطبع تذكرت على الفور القصة السابقة.. الطرد الذي تلقيته منذ ثلاثة أشهر

ما لاحظته هو أن صوت المتكلم عادي جدا كأنه يتكلم في موضوع يتعلق بالعمل، أنت تعرف هذا الداء الشيطاني الذي يصيب من يهددون هاتفيا أو يمارسون دورا إجراميا، شيطان التمثيل يتقمصهم فيتكلمون بصوت مبحوح مفتعل، يصعب أن يتكلم أحدهم بطريقة طبيعية
وضعت السماعة كالعادة وطلبت من رجل الأمن مسعد أن يرافقني، لا أعرف ما سيفعله بالضبط لو كان الطرد يحوي قنبلة مثلا، لكني شعرت أن رجل الأمن يقدم بعض الأمن فعلا

وجدت الطرد المقصود ففتحته، كان يحوي شيئا غير معتاد، رباط حذاء!ـ
هذه دعابة سخيفة قاسية فعلا، من أسخف الدعابات التي تعرضت لها في حياتي، وبدأت أكيل السباب لهذا المتظرّف الرقيع الذي لا يجد تسلية سوى تعذيب أمثالي من الجادين.. و

وجدت الطرد المقصود ففتحته وكان يحوي شيئا غير معتاد

بالطبع كان هذا عندما دق الهاتف يخبرني بجريمة قتل في شارع المشاط
لست غبيا.. الارتباط واضح وقوي جدا
لكن كيف أشرح الأمر لرجال الشرطة وماذا أقول لهم؟

-5-

عزت صديق قديم ويثق في رأيي، إنه رائد في الشرطة، ونحن نتبادل علاقة التكافل الشهيرة، سأعطيك أخبارا عن الجرائم وأنت تكتب أن الرائد عزت الدريني تولى التحقيق أو كشف الجاني، نفس علاقة التكافل بين التمساح وطائر الزقزاق: التمساح يمنح الطعام المحشور بين أسنانه والطائر يمنح تنظيف الأسنان

حكيت لعزت قصة تلك الطرود فابتسم.. ازدادت ابتسامته اتساعا وهو يصغي لكل كلمة، وفي النهاية كان وجهه كاريكاتوريا إذ صار فمه يمتد من أذن لأذن، وقال لي:ـ
ـ أنصحك.. لا تحك هذه القصة لأي رجل شرطة مصري
قلت محتجا:ـ
ـ هناك سفاحون كثيرون ينذرون ضحاياهم، أنت تعرف زودياك! زودياك قد أنذر كثيرين قبل قتلهم، ومنهم الصحفية التي كانت تنشر أخباره في الجريدة

ضرب رأسه بكفه المفتوحة في ضجر وقال:ـ
ـ ليس لدينا زودياك ولا أعرف من هو زودياك، ما أعرفه هو أن مجرمينا بسطاء جدا ويتصرفون ببساطة ودون تخطيط، هذه تعقيدات لا نفهمها ولا ننتمي إليها، نحن في عالم الرجل الطيب الذي يقتل زوجته بالساطور ثم يضع جثتها في طست تحت السرير ويذهب لتدخين المعسل مع رفاقه

كان هذا مقنعا، لكن هناك شيئا لا يمكن تجاهله، هو هذه الطرود وهذه المكالمات
قال لي في ضيق:ـ
ـ ليس بيدنا عمل شيء سوى أن نفحص الطرد جيدا، لكن أؤكد لك أنه لن يقودنا إلى الفاعل، وفي النهاية سيكون علينا الانتظار.. الانتظار إلى أن تأتي مكالمة أخرى تعرف أنها لن تأتي

وهكذا انتهى النقاش
لكني حرصت على البحث عن معنى رباط الحذاء، هل له معنى معين؟! بالطبع لم أجد؛
نسيت الأمر تماما ومرت فترة لا بأس بها

لقد مر شهران تقريبا عندما حدثت الجريمة الثالثة
أنت تعرف أن هناك جريمة ثالثة، وإلا لما حكيت لك هذه القصة أصلا

-6-

يعرف علماء الجريمة عدة أنواع من القتلة.. هناك قاتل الجموع
Mass murderer
الذي ينقضّ على مدرسة أو حفل ليطلق السلاح الآلي ويردي عشرات من الأشخاص في وقت واحد في مكان واحد.. هناك القاتل الذي يقتل على نوبات
Spree murder
أي أنه يقتل عدة أشخاص في وقت واحد في عدة أماكن.. وهناك القاتل التتابعي الذي يقتل شخصا كلما مرت فترة زمنية معينة، يشعر بعدها بالحاجة إلى القتل من جديد

لا بد أن فترة شهرين كانت كافية كي يشعر هذا الرجل بظمأ جديد للجريمة
وكنت في ذلك اليوم في الجريدة ألتهم شطيرة من الفول راحت تتساقط على المكتب، وكنت في ورطة فبحثت عن مناديل ورقية، هنا دق جرس الهاتف؛ أمسكت بالسماعة بيدي اليسرى وأنا أحاول أن أحمي ثيابي من الفول، تبا للزيت الحار هذا

هنا سمعت صوتا يخيّل إليّ أنه صار مألوفا يقول:ـ
ـ هديتك في السلة أمام الجريدة
صعد الفول والحمض كله إلى أعلى المريء وشعرت بحريق في صدري، سألته في لهفة وبصوت راجف:ـ
ـ هلا أنهيت هذه اللعبة وقلت من أنت؟
ـ أنا لا ألعب.. من قال إنني ألعب؟
ـ تتصل بي وفي كل مرة...ـ
ـ أنا لم أتصل بك من قبل
ووضع السماعة

جلست أرقب السماعة في توتر، ثم وضعت باقي الشطيرة في ورقة الجريدة وتخلصت من هذا كله في القمامة، وهرعت إلى المصعد أهبط إلى الطابق الأرضي، هناك كان صندوق القمامة الشهير وهو صندوق عميق به كيس بلاستيكي أسود عملاق وله غطاء، يمكن أن تخفي فيه جثة فيل لو أردت، فتحت الغطاء وعبثت وسط القمامة المقرفة وفضلات الأكل، فوجدت طردا صغيرا من الورق المقوى.. نفس الطرد المعتاد
قلت لنفسي: لو حدثت جريمة قتل في شارع المشاط فأنا أمام فيلم رعب جيد

هذه المرة لم أستطع الانتظار ففتحت الطرد وأنا في الشارع، لو احتجنا إلى خبير بصمات بعد هذا فلسوف يمكنهم حذف بصماتي أنا
هنا اصطدمت يدي بطبق صغير، طبق كالذي تضع فوقه قدح الشاي، هذا الطرد لا يحوي أي شيء سوى قدح، هذا غريب

عدت إلى مكتبي في الجريدة ورحت أواصل عملي وأنا أشعر بأن معدتي تتقلص جدا.. هذه ليست معدة بل هي مخبار حمض هيدروكلوريك مركّز محفوظ في مختبر مدرسة ثانوية، ولم أشعر براحة إلا عندما دخلت الحمام فأفرغت كل شيء 
سوف تأتي المكالمة حالا، لا شك في هذا

بعد ساعتين دق جرس الهاتف.. هذا عزت يخبرني أنهم ذاهبون إلى شارع المشاط، هناك جريمة قتل
قلت له وقلبي يتواثب:ـ
ـ لقد صارت هذه عادة، ثلاث جرائم قتل في وقت قصير نسبيا، وكلها تحوي موضوع الطرد هذا؛ أنا على حق دائما
قال في نفاد صبر:ـ
ـ قابلني هناك حالا

الجريمة هذه المرة كانت أكثر إحكاما
شاب يُدعى هشام في البيت رقم 20 ويقيم في الدور الأرضي، يبدو أن هناك من دق الباب فذهب ليفتح، لم يجد أحدا فخرج من الباب إلى الشارع ليرى أفضل، لم ينظر لفوق ولم يتوقع أن يكون هناك من ينتظر على سطح البناية -لاحظ أن ارتفاعها طابقان- ليلقي من أعلى أصيص زهور ثقيلا.. تصويب محكم وتوقيت دقيق، وقد هوى الأصيص في المكان المنتظر بالضبط؛ رأس الفتى مهشم وقد تناثر الدم على الإفريز

صدفة مؤسفة؟ مع الأسف لا.. لأن رجال الشرطة وجدوا باب السطح مفتوحا حيث تسلل القاتل، ووجدوا المكان الذي رقد فيه على بطنه يراقب المدخل، ورأوا الحبل الذي يتدلى من أعلى وتتدلى منه صخرة ضخمة استخدمها في دق الباب وهو على السطح

قال عزت وهو يفحص الجثة:ـ
ـ برغم كل شيء لا تنكر أن وضعنا صار أفضل؛ هناك شيء يربط بين ثلاث الجرائم، أو يربط بين هؤلاء الأشخاص؛ سنكون يقظين والجريمة الرابعة ستكون أصعب وأصعب

.......

يُتبع

Friday, February 1, 2013

في شارع المشاط - 1



spc

-1- 

لن أطيل عليك

أنت تعرف تلك المنطقة جيدا، فلن أضيع وقتا في وصف ما تعرفه فعلا، تعرف كذلك المطعم الصغير الذي لا يتجاوز فرجة بين جدارين.. هناك مقلاة طعمية وقدرة فول وهناك منضدتان تقفان بمعجزة ما على ثلاث أرجل، حيث يقف رضا يبيع الفول في حماس ومعه يبيع الخبز والمخللات لمن يريد، هناك منحدر تحاول أن تعبره دون أن تقع، وهناك سلم هابط مكوّن من صخور مهشّمة سوف يقودك إلى ذلك الشارع الممتد.. شارع المشاط

كان المطعم الصغير لا يتجاوز فرجة بين جدارينـ  (رسوم: فواز) ـ

هذا ليس بالشارع القبيح والمنطقة ليست بالعشوائية، في الواقع هي أقرب إلى الهدوء والجمال؛ أمس رأيت هناك هدهدا وهو مشهد لم أره منذ ثلاثين عاما، الأرض ليست أسفلت بل هي أقرب إلى صخر نما عليه العشب، وطبعا لا داعي لأن أقول لك إنه لا توجد هنا سيارات، ثمة دراجات أطفال فقط، هناك أكثر من شرفة في الطوابق الأرضية يجلس فيها رجل مسن يشرب الشاي أو سيدة تقوم بتنقية الأرز في طبق كبير وهي تراقب الشارع، هذه من البيوت التي تجلس فيها قطة مشمشية على حاجز الشرفة، وقد نفشت صدرها وثنت يديها تحتها في ذلك الوضع الذي أسميه "العبوة"ـ

بعد قليل سوف تكتشف أن الشارع طويل جدا، أطول مما كنت تظن، وهو يمتد إلى مرمى البصر حتى يبلغ فتحة بين بنايتين، ثم تجد نفسك في الشارع الرئيسي حيث السيارات والزحام

كنت أشعر بتناقض منظرنا مع هذا الجو الموحي بالسلام، لوحة رعوية رسمها فنان بريطاني تمشي عليها صراصير سوداء خشنة، الفكرة هنا أنك تحتاج إلى الصراصير أحيانا لأنه ما من أحد آخر يقبل أن يقوم بمهنتنا هذه

-2-

المنزل رقم 13
هذا العنوان الذي جعله فيلم كمال الشيخ القديم خالدا وموحيا، هو مجرد بيت هادئ من تلك البيوت المتجاورة له مدخل تفوح منه رائحة الفنيك

هناك نباتات ظل في إصيص عند المدخل، وهناك جو عام من السلام الذي أفسده الحادث بالتحديد، وقف عزت جوار جثة شذى الصغيرة، كان الوجه مكسوّا بالدم طبعا، لكنك تدرك بسهولة أنها فتاة مراهقة حسناء ترتدي ثياب البيت، راقدة هناك في الصالة على ظهرها ويدها على وجهها في محاولة أخيرة لحماية نفسها

القصة شبه واضحة، هناك من قرع الباب؛ ذهبت لتفتح، هنا هوى على رأسها بعصا حديدية ثقيلة ففجر الدم من رأسها، هوى مرة أخرى ثم توارى بسرعة، لا بد أن هذا وقع في السابعة مساء، معها في الدار أم مسنّة ثقيلة الحركة، لا بد أنها استغرقت عدة دهور حتى تسأل:ـ
ـ من الطارق يا شذى؟ لم لا تردين؟
ثم تنهض في صعوبة فيمر قرن آخر، إلى أن تبلغ الصالة لتجد جثة الفتاة جوار الباب

تصرخ، يسمع الجيران الصراخ بعد شهر؛ لا بد أن القاتل في الصين الآن، لاحظ أن هناك فرجات بين البيوت يمكن أن يعبر منها ليتوارى في الشوارع الجانبية؛ لقد ذاب
رجال المختبر الجنائي يلتقطون الصور ورجال الإسعاف يقومون بمهمتهم العسيرة، لا دور لي لكن أحدا لا يقدر على طردي من هنا، يعرفون أنني مهم

دنا مني عزت وأشعل لفافة تبغ، وقال:ـ
ـ هل لديك تفسير؟ لم يسرق شيء والفتاة لم تُمس
قلت شارد الذهن:ـ
ـ ربما لم يجد الوقت الكافي ليفعل أي شيء، صراخ الفتاة أو صراخ الأم جعله يجهض العملية

رحت أجول وسط الشقة، كلها تحمل ذات الطابع المريح الموحي بالسلام والسكينة، هذه شقة لم تصمم كي يجدوا جثث الفتيات المراهقات فيها

كنت في هذا الشارع من قبل
كنت هنا منذ ثلاثة أشهر.. وهذه هي المشكلة

إن العثور على جثث مراهقات شيء بشع لكنه من لوازم المهنة بالتأكيد، يمكن القول إن مهنتي هي جمع أخبار جثث المراهقات المقتولات، يوم يتوقف هذا نكون قد بلغنا حالة النرفانا أو الكارما وانتهت مهمتي، كأنك طبيب وقد انتصر العالم على المرض والموت، هكذا حقق الهدف من وجوده لكن دوره انتهى

منذ ثلاثة أشهر كنت في هذا الشارع
لم أنس هذا، ولم أنس أننا فشلنا

-3-

أذكر اليوم جيدا

كنت أعمل في الجريدة عندما اتصل بي أحدهم قائلا إنه ترك لي طردا مهما في سلة المهملات أمام باب الجريدة، بالطبع يمكن أن تكون قنبلة لكننا -والحمد لله- ما زلنا بعيدين عن أساليب المافيا هذه، نزلت في حذر ونظرت حولي فلم أر شيئا، طلبت من رجل أمن أن يصحبني إلى صندوق القمامة، مددت يدي بحذر واشمئزاز فوجدت علبة مغلقة

فتحت العلبة في حذر.. شعرت أن الاتصال بخبراء المفرقعات سوف يجلب على رأسي السخرية، لم أجد في داخلها سوى حزام من الجلد، حزام عتيق لا يساوي شيئا تقريبا وهو مهترئ بشدة
هذه مزحة لا شك في ذلك

بعد ساعة أخبروني أن هناك جريمة قتل في شارع المشاط، لا أذكر رقم المنزل، لكن الضحية طفل في الثالثة كان يلعب أمام بيته ظهرا، هناك من تسلل وراء الطفل وجذبه إلى مدخل العقار وخنقه بكل قسوة
بالطبع توارى القاتل، ترك جثة الطفل ومعها ترك ذعرا لا يوصف، وترك كذلك شعورا غامرا بعدم كفاءة رجال الشرطة

أخبروني أن هناك جريمة قتل والضحية طفل ـ (رسوم: فواز) ـ

لم يسرق أحد شيئا، لم يلمس أحد الغلام، هذه جريمة لا سبب لها، أو ربما هو الانتقام، هناك زوجة سابقة حانقة، من الوارد أن تكون قد قررت تنفيذ أبشع انتقام ضد الزوجة التالية لها، لكن البحث لم يثبت شيئا، والزوجة الأولى كانت في عملها وقت الحادث وهناك ألف شاهد على ذلك

هكذا توارت القضية
هناك جرائم كاملة كثيرة؛ من قال إن الجريمة الكاملة غير موجودة؟! يتلقى القاتل عقابه كاملا يوم الحساب، لكن ليس كل القتلة يتلقون عقابهم في دنيانا هذه

أنا كنت هنا منذ أشهر
أشعر بالجو مألوفا وبأنني رأيت هذا كله منذ قبل
يجب أن أحكي لك كذلك عن الطرد الذي تلقيته.. تلقيته في مقر الجريدة قبل إبلاغي بالنبأ بساعات

.......

يُتبع