قصاصات قابلة للحرق

Monday, May 20, 2013

امرح مع الماتريكس



spc


عالم افتراضى بالكامل لا توجد فيه حقائق. كل هذا العالم تم خلقه بالكمبيوتر ليعيش فيه المرء ولا يعرف أنه فى الحقيقة لم يعش قط... هذه هى الفكرة العبقرية لفيلم ماتريكس الذى قدمه الأخوان الأمريكيان واشوسكى، وهى فكرة تستحق الكثير من التأمل. لو أمعنت النظر لوجدت أننا نعيش حاليًا فى ماتريكس كبير من الأكاذيب.. والمشكلة أن الحقائق لا تتضح.. وأن من لفقوا الأكاذيب لا يلقون عقابهم أبدًا

تمر أيام وينسى الناس هذه الضربة المؤلمة ويبحثون عن كذبة أخرى، بينما مستوى الخداع قد بلغ آفاقًا كونية غير مسبوقة.. لا يختلف الأمر كثيرًا عن تلقى صفعات على قفاك أربعًا وعشرين ساعة

فى السبعينيات قام مقدم البرامج الشهير طارق حبيب بالسفر لمهرجان كان محاولاً لقاء النجم جاك نيكلسون. اكتشف هناك أن نيكلسون (غلث) ومغرور جدًا ولا يجرى أى لقاءات صحفية من أى نوع. هكذا انتظر موعد جولته الصباحية وجرى ليمشى بجواره، بينما الكاميرا تصور من بعيد. لم نر جاك نيكسلون قد فتح فاه قط لكن الذى تكلم بلا توقف هو طارق حبيب. ظل النجم يمشى بسرعة كبيرة وطارق يلحق به لاهثًا، بينما هو يعلق صوتيًا على حواره مع جاك وكيف سأله عن فيلم كذا والممثلة كذا، فقال نيكلسون كذا وكذا.. وضحك وقال كذا. متى قال جاك نيكلسون هذا ونحن نرى كل شىء؟.. حتى قابلا مجموعة من المعجبين أحاطوا بالنجم، وصافحه طارق فمد يده له فى ضيق وهو ينظر لجهة أخرى وذاب وسط المعجبين. هذا اللقاء باعه طارق حبيب للتلفزيون المصرى ووصفه قائلاً: «شفت بعينى ما حدش قال لي». كان هذا مثيرًا للغيظ لأنه يزدرى أى ذكاء لدينا، وقد كتبت الصحفية اللامعة سكينة فؤاد مقالاً ملتهبًا عن هذه الخدعة وقتها

يصير الأمر اكثر استفزازًا عندما يدخل عالم السياسة

راجع مثلاً القصة الأخيرة عن حوار أجراه محرر جريدة شهيرة مع مبارك. هذه ضربة صحفية ممتازة جديرة بجائزة بولتزر فى الأدب وأن تجعل صاحبها بوب وودارد المصرى، وخصوصًا الطريقة الخارقة التى اجتاز بها الصحفى الحواجز المتينة حول مبارك: «حيث لم يكلف زميلنا...... لإنجاز هذا السبق الصحفى، سوى بعض الجرأة والثقة بالنفس، وسرعة البديهة التى مكنته من اختراق الجدار الأمنى القوى حول الرئيس السابق، والتحرك تجاه باب الطائرة مباشرة، دون أدنى تردد،..........ثم تحرك تجاه الاستراحة، حيث أمسك بهاتفه المحمول وكأنه يتحدث فيه، وما إن شاهد الباب مفتوحاً حتى أزاح أحد الواقفين برفق، ودخل ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام مبارك». طريقة سهلة جدًا ومعنى ذلك أن أى واحد رابط الجأش معه موبايل يمكنه التسلل لمبارك وقتله أو تهريبه. مع الحوار صور للصحفى أمام طائرة، وصحيح أن ظل الصحفى يمتد لزاوية تختلف عن امتداد ظل الطائرة، لكننا لسنا خبراء فى الظلال والفوتوشوب على كل حال. ثم من الذى التقط صورته ما دام متسللاً؟.. بعد هذا أجرى مع مبارك حديثًا عجيبًا يمكنك أن تكتبه وأنت فى غرفة نومك. يطلق العرافون على هذه الطريقة اسم (القراءة الباردة) بمعنى أنك ستقول بالضبط ما يمكن أن يقوله الزبون. نجد أن مبارك رجل رقيق جدًا يذوب حزنًا على حال المواطن المصرى، وكيف أن إنجازاته كلها تُهدم.. قال إنه راعى محدودى الدخل طيلة حياته ويخشى علينا من القروض.. وهو متضايق لمستوى استقبال مرسى فى الخارج بشكل مهين (مبارك كانوا يرسلون له أى موظف فى وزارة الخارجية وكتبت صحف المعارضة عن ذلك أيامها)، ولم تفارق الابتسامة وجهه. تخيل أنك قابلت مبارك فجأة فهل تنتزع منه هذا الحديث الباهت؟.. ولو كنت تريد تلميع الرجل، ومصمصة شفاه ربات البيوت الجالسات على الكنبة فهل كنت ستكتب غير هذا؟

ربما كان هذا ما حدث فعلاً برغم أنك لا تستطيع استيعابه، لولا أن محامى مبارك فريد الديب يؤكد ببساطة أن الحديث كله مفبرك وأن مبارك نفسه يؤكد ذلك، بل إن مبارك ممنوع من إجراء أحاديث. رئيس تحرير الجريدة يتحدى فريد الديب أن يثبت ان الحوار مفبرك!... منطق معكوس غريب. عليه هو أن يثبت أن الحوار حقيقى كأن يقدم شريط تسجيل أو صورة حقيقية لمبارك مع الصحفى. ويزعم أن هناك تحقيقات تجرى مع طاقم حراسة مبارك بعد تسلل الصحفى لاستراحة وطائرة مبارك، معتبرا أن تلك التحقيقات دليل على صدق الحوار الصحفى

بعد هذا يتراجع قليلاً ويقول فى حوار تلفزيونى إنه ليس حوارًا بل هى تصريحات!... ولم نقل إن الصحفى جلس مع مبارك داخل الطائرة!... ما هذا العبث؟... وما هذا اللعب بالكلمات؟

باختصار هذا ماتريكس آخر.. لم يتم أى حوار بل هى محاولة لاستدرار العطف على مبارك مثلما فعل خطابه الثانى بالناس

متى تنتهى هذه الأكاذيب، وهذه الدائرة المتشابكة التى وضعونا فيها بقصد أو لمجرد بيع الصحف وترويج الفضائيات؟، أما عقل المصريين فله رب يحميه. أذكر أيام الثورة الأولى كيف ظللنا لأيام طويلة نتابع التحقيق مع العادلى وغرفة جهنم التى فيها تسجيلات لكل شخص فى مصر.. بعد فترة طويلة تبين أنه لم يتم استدعاء العادلى أو توجيه أى تهمة له.. كل هذا تأليف صحفى شاب. لم يسأل أحد ولم يُحاسب أحد. بعد هذا نشرت صحفية الحوار الهامس الذى دار فى القفص بين فتحى سرور والرئيس مبارك وكيف وعد فتحى سرور بأن الانتخابات حتبوظ والبلد حتولع !. كيف التقطتْ الحوار؟.. هل هى تقرأ حركات الشفاه؟.. وهل يناقش فتحى سرور أشياء كهذه أمام العيون؟.. طبعًا هذا نوع آخر من القراءة الباردة المفبركة.. يعنى فتحى سرور حيقول إيه غير كده؟ والآن خذ عندك فيض الأكاذيب التى لا تنتهى ولا تهمد أبدًا.. هل قرأت عن قيام الطيران الليبى بقصف قافلة مصريين وقتل 50 واحدًا؟.. لا تخف.. الخبر مضروب كالعادة ونفته القوات المسلحة وليبيا.. هل تم بيع سيناء وحلايب وشلاتين فعلاً؟... عندما تبحث فى الأمر تكتشف أنه خبر مضروب آخر لكنك تتلقى فيضًا من السباب ممن يهمهم جدًا ويسعدهم أن يكون الخبر صحيحًا. نفس الشيء ينطبق على شراء قطر لأهرام الجيزة وقناة السويس وأحلام أطفالنا و..و.. كل شيء.. هل رجال حماس فى كل مكان فى مصر؟... هل يتم تصدير السولار لغزة كى ترى مصر شتاء مظلمًا؟.. لاحظ أن هذا الكلام كان عن شتاء 2012.. وبرغم هذا لم تنقطع الكهرباء فيه تقريبًا. قرأت عشرات المقالات عن إفلاس مصر فى أغسطس 2012 وخصص توفيق عكاشة عدة أيام – عكاشة لا يعمل بالحلقة بل باليوم – لهذا الموضوع.. وماذا عن وجود مادة فى الدستور تسمح لمرسى بتعديل حدود مصر ؟

هناك خبر عن اجتياح الجدرى لمحافظة الشرقية.. يا نهار اسود !!.. لو ظهر الجدرى فى مصر لتحولت لقاعدة لمنظمة الصحة العالمية، ولكنا نفقد مليون مواطن كل يوم، وغالبًا ما كنت أنا وأنت لنوجد حيين فى هذه اللحظة. وماذا عن صلة النسب بين قنديل رئيس الوزراء ومرسي؟.. مهما نفيا ذلك فلا جدوى. هناك موقع على النت مستمر فى نشر أخبار إعجاب مرسى بملكة جمال لبنانية وكيف طلب يدها بل أنهم نشروا منظر السوار الذى أهداه لها.. ونشر الموقع تفاصيل الزواج كلها.. غلق المواقع الإباحية تكلف خمسة عشر مليارًا.. يا خسارة.. قلوبنا تتمزق. برغم فداحة هذا المبلغ الذى يمثل ميزانية دولة، فهل تم إغلاق أى موقع إباحي؟؟؟ أين قوائم الاغتيالات التى تضمنت مئة شخصية عامة والتى يحاكم نفس رئيس التحرير بسببها؟

ماذا عن مضاجعة الوداع التى قيل إن مجلس الشعب وافق عليها؟.. ألا يوجد تسجيل واحد يثبت أن هذا الموضوع نوقش؟

هل لديك أدلة على أن قتل جنودنا فى رفح كان مؤامرة إخوانية للتخلص من المشير وسامى عنان؟.. ألا توجد طرق أسهل من ذلك؟ المذيع الشهير عالى الصوت أذاع نبأ وفاة مبارك على الهواء.. مبارك يمتاز بأنه مات خمسين مرة على الأقل، وفى كل مرة لا يعاقب أحد على الخبر الكاذب وينسى الجميع الموضوع

ماتريكس... عالم من الأكاذيب نحيا فيه فلا نستطيع الحركة.. لا يقودنا إلا حسنا النقدى الذى قد يصيب وقد يخيب.. ضباب نتحسس فيه طريقنا مهددين بالوقوع فى الهاوية فى أى لحظة

والسؤال هو: هل يمر هذا كله بدون عقاب لأحد؟... ومتى تتوقف هذه الفوضى الإعلامية؟.. فى فيلم ماتركس ابتلع البطل الحبة الحمراء ليفيق.. نحن هنا نبتلع الحبة الزرقاء (الفياجرا) ونواصل خداع أنفسنا