قصاصات قابلة للحرق

Monday, June 10, 2013

حدث غدًا - 1



spc


فى كتابه الممتع (محاوراتى مع السادات)، ذكر المفكر الراحل أحمد بهاء الدين أن بعض محاضر اجتماعات إحدى القمم العربية وقعت فى يده، وقد قرأها فى لهفة الصحفى المحترف ليرى القرارات العليا النورانية التى تدور فى هذه الجلسات المغلقة. هنا فوجئ بمدى هيافة وسطحية ما يقال فى هذه الجلسات.. لقد كان الكلام المدون أتفه بمراحل من الكلام العابر الذى يقولونه فى الأهرام وهم يرشفون قهوة الصباح

تذكرت هذه القصة عندما رأيت جلسة الأمن القومى عالية المستوى التى أجراها الرئيس مرسى على الهواء مباشرة، ليسمع العالم خططنا الساذجة لحماية ماء النيل.. كنز مصر الأهم والأوحد.. ومع هذه الجلسة لم تعد لدى أوهام بصدد الحكومة. تذكرت المشهد الساخر فى فيلم أوستن باورز عندما راح الجنرالات يتبادلون الاقتراحات للرد على د. إيفل، ومن ضمن اقتراحاتهم تفجير القمر بالقنابل الذرية ! لكن أقسم أن المشهد هنا فى مصر كان أظرف وأكثر أصالة. مصطفى بكرى قال إن الهدف كان كشف أن المعارضة لا تملك حلولاً، وأدعو الله أن يكون الأمر كذلك

سأقوم بترتيب أفكارى فى نقاط متناثرة:ـ

ـ1ـ يعلم الله أن المرء قد دافع عن مرسى كثيرًا جدًا وطالب بالصبر، لأن البيئة التى وضعوا فيها مرسى كانت كفيلة بإفشال عمر بن عبد العزيز نفسه لو جاء ليحكمنا. أتمنى أن أرى ما كان أبو الفتوح أو عمرو موسى أو شفيق سيفعله فى ظروف مماثلة. رئيس سيئ الحظ جدًا جاء فى ظروف غريبة (بديل خيرت الشاطر) يحكم بلا داخلية أو قضاء يساندانه، ويتلقى معارضة عنيفة وسخرية من أول يوم. ولا ينكرن أحد أن مهمة بعض أطراف القضاء حاليًا وعلى مدى عام كامل كانت إسقاط مرسى أو عرقلته، حتى لو أنكر البعض ذلك. آمنت بأن على المرء قبول نتائج الصندوق مهما كانت، واغتظت جدًا لما خرج من سقطوا فى الانتخابات يتظاهرون فى الشارع رافضين النتائج. هذا الموقف بدا لى طفوليًا وغير شريف ومحركًا للفتن فى وقت لا تتحمل فيه مصر سلوك الأطفال هذا. لأسباب كهذه كنت أقاتل منذ عام من أجل حمدين صباحى النسر العظيم الذى سيعيد لنا المجد، ثم تغير رأيى 180 درجة. ما زلت أرى أن البرادعى هو جذوة الثورة وفيلسوفها وأن أفكاره تسبق عصره بعشرين سنة، لكنه تخلى عن دوره أكثر من مرة وفضل القتال على التويتر، وفيما بعد رأيته يتكلم عن حكومة مصر التى تنكر الهولوكوست (!) ويطالب بالاعتذار لأثيوبيا (!). تلقيت شتائم لا حصر لها بسبب مجمع آرائى، لكن من قال إننى أقدم برنامج ما يطلبه المستمعون، وأن مهمتى أن اقول ما يطرب له القارئ؟.. تعلمت ألا أقرأ التعليقات نهائيًا.. أقول ما يمليه ضميرى ثم أغلق أذنى وليقل من يريد ما يريد. الغريب أن مساندة رئيس الجمهورية اليوم هى التى تحتاج إلى شجاعة وبرود أعصاب، بينما معارضته وشتيمته من أسهل الأشياء ومضمونة النجاح، لهذا نرى فى كل مكان مهرجان (الشجاعة للجميع) من أشخاص لم يفتحوا فمهم لحظة أيام مبارك. يلاحظ القارئ أن مقالاتى تبحر غالبًا فى اتجاه مخالف لآراء زملائى فى جريدة التحرير، ولا أنكر أنهم أفسحوا صدرهم لى فى سعة أفق أدهشت كثيرين. القارئ صار شرسًا ولا يقبل أى رأى يخالف رأيه، والنت تمتلئ بشتائم بذيئة جدًا. حتى الأسماء الشامخة مثل فهمى هويدى لا تسلم من الأذى لمجرد أنها تختلف فى الرأى أو ذات ميول إخوانية. حتى عندما كتب هويدى عن التعذيب الذى تقوم به الداخلية – وهو موضوع ضد الحكومة – انهالوا عليه بالهجوم: «يا أستاذ يا كبير.. انت لسه عارف دلوقت؟» فإذا لم يكتب عن التعذيب فماذا يكتب؟. لأسباب كهذه قرر الأستاذ وائل قنديل منع التعليقات على مقالاته نهائيًا فى موقع الشروق، لكن موقعًا آخر تكفل بأخذ مقالاته لينشرها عنده ليجعله متاحًا لأنياب الذئاب.

ـ2- شيطنة الإخوان بلغت حدًا غير مسبوق، لدرجة أن عمرو موسى يعتذر بشدة ويفسر اجتماعه مع خيرت الشاطر.. بينما تناقش جبهة الإنقاذ موضوع طرده بسبب هذه الجريمة. هل هو اجتماع مع شارون مثلاً؟.. هل هذا تطبيع يجب ان يعاقب عليه عمرو موسي؟.. أليس الشاطر فى النهاية مواطنًا مصريًا ينتمى لتيار سياسى مختلف؟.. وهل أقيمت هذه الضجة عندما اجتمع عمرو موسى مع بيريز؟

ـ3ـ لكن الحق حق.. عندما تمتد طوابير السولار لعدة كيلومترات أمام كل محطة بنزين، وهى مشكلة مزمنة تزداد تعقيدًا حتى صار حلها مستحيلاً، وعندما يمتحن الطلبة فى الظلام وتنقطع الكهرباء ثمانى ساعات يوميًا، وعندما نصير مهددين فى ماء النيل نفسه مع حكومة لا تملك خبرة ولا أوراقًا تلعب بها، وعندما تصير مصر لا تخيف حتى القطط فتشكل حتى أثيوبيا نفسها عدوًا خطيرًا لها، وعندما ينهار الجنيه أمام الدولار والريال فيشتعل سعر كل شيء، فإن المرء يدرك أن مرسى فشل. فشل فى أبسط شيء يجب أن تحققه الحكومة حسب العقد الاجتماعى. تشعر للحظة أننا تعرضنا لحرب ضروس.. هل العراق أسوأ منا حقًا؟.. لكن العراق ضربته أمريكا بأحدث ما فى ترسانتها المخيفة.. أما نحن فمن ضربنا؟

ـ4ـ حتى القرارات الهينة التى تمتص غضب الشارع نوعًا، مثل إقالة حكومة هشام قنديل يرفضها مرسى. هكذا نرى نوعًا واضحًا من العناد والتعالى.. نفس العناد الذى دفع مبارك ثمنه غاليًا

ـ5- الإخوان ليسوا شياطين ولا عملاء.. هم معدومو الكفاءة ولا يملكون الخبرات اللازمة لحكم بلد فى حجم مصر.. مصر حصان شامخ جامح حرون لا يقدرون على السيطرة على لجامه. أخطاؤهم عديدة لكن أخطرها أنهم كانوا ينوون عدم خوض الانتخابات الرئاسية ووعدوا بذلك. ولو نفذوا وعدهم لكان رئيس آخر هو الذى يتلقى السباب ويسخر منه باسم يوسف، بينما كان الناس سيشعرون أن الإخوان حلم جميل كما كانوا أيام مبارك.. كانوا سيكتسحون الانتخابات بعد انتهاء فترة الرئيس الأول، لقد أخذوا كرة النار وهى ما زالت مشتعلة فى أحضانهم بسبب الجشع، والنتيجة هى أنهم لم يستطيعوا السيطرة عليها، لكنهم يرفضون تركها كذلك

ـ6ـ الحقيقة أن رجل الشارع نفسه صار عدوانيًا يرفض الإخوان بشدة. لقد احترق صبره وتسامحه تحت الشمس الحارقة فى طابور البنزين. رأيت أمس من يجفف عرقه ثم ينظر لقرص الشمس اللاهبة ويقول: «منك لله على الجو ده يا مرسى !» (لا أمزح). اليوم فى طابور البنزين رأيت رجلاً يجرى ويكلم كل سائق سيارة ينتظر: «أظن بعد ده لو ما خرجتش يوم 30 يونيو تبقى (...)». وقال لى أحدهم: «لم أخرج فى أى مظاهرة فى حياتى لكنى سأخرج يوم 30 يونيو». وقال آخر: «اكتشفنا أن مبارك كان ينفق من جيبه على هذا البلد !». رجل الشارع لا يهتم بتعقيدات الإعلان الدستورى ومجلس الشورى والمحكمة الدستورية وخلافه.. هو يريد أن يجد سلعًا رخيصة وكهرباء وبنزين وماء وأن يضمن سلامة ابنه عندما يعود من درس الرياضيات ليلاً.. فقط. لقد خسر مرسى الشارع أو كاد. إن انهيار مصر السريع فى كل مجال لا يمكن أن يستمر 3 سنوات أخرى

وللحديث بقية