قصاصات قابلة للحرق

Thursday, July 18, 2013

دبّة النملة - 1



spc

اجلس يا محمود ولا تثِر توتري.. أنا أمقت الأشياء التي تتحرك في مجال نظري، وأمقت هؤلاء العصبيين كثيري الحركة؛ الذين ينقلون ساقا على ساق.. أنت تعرف أن التوتر العصبي معدٍ، وأن هناك ظاهرة تدعى (الإشعاع السيكو فيزيائي)ـ

اجلس وهات كوبا من الماء البارد من هذا الدورق. هل شغلت جهاز الكاسيت؟ لا بأس.. لكننا سوف نستمع إلى الشريط بالكامل بعد انتهاء قصتي.. هناك مقاطع لن أسمح لك بنشرها طبعا

صداقة طويلة جمعت بيني ورامز.. صداقة دامت 20 سنة على الأقل
كانت هذه الصداقة مثالية في كل شيء.. كنا صديقين مخلصين لبعضنا، وكان يعرف معظم أسراري وأنا أعرف كل أسراره.. لا مشكلة

بالنسبة لتوزيع المواهب كان التوزيع عادلا: أنا بلا أي موهبة من أي نوع.. هو يملك يدا وأذنا موسيقيتين بلا شك، وكان يتصدر أي احتفال للمدرسة

كنت قوي البنية محدود الذكاء قليل المواهب.. وكان هو ضعيف البنية شديد الحساسية والذكاء

لما أنهينا الدراسة الثانوية التحق هو بمعهد الموسيقى، أما أنا فدخلت كلية التربية النوعية. بعد هذا صرت مدرس تربية رياضية، أما هو فقد بدأ نجمه يعلو مع عدة فرق موسيقية وسرعان ما كوّن فرقته الخاصة وسجل عدة ألبومات ناجحة

كان وسيما ذو (كاريزما) أكيدة.. بالإضافة لهذا كان يحمل ذلك الوهن الذي يفتن الفتيات على طريقة عبد الحليم حافظ. شيء يحرك الأمومة في نفوسهن

أنت رأيته في التليفزيون يا محمود.. لا بد أنك أحببت الألحان التي يقدمها.. كان ظاهرة حقيقية.. هل ترى هذه المجلة التي تحمل صورته؟ كان نجما صاعدا بسرعة صاروخية، وأعتقد أنه كان سيجتاز نفس الطريق الذي اجتازه مطربون كبار

ثم ظهرت نورهان في حياته. فتاة رقيقة هادئة بدا لي أنها جزء من نجاحه الصاروخي ورحلة صعوده.. هو ذكي ويعرف كيف ينتقي رفيقة دربه
تزوجا وأعتقد أنها كانت زيجة سعيدة ناجحة

انتظر.. لم تنتهِ القصة عند هذا الحد. يا لك من أحمق! أنا لم أطلبك في هذه الساعة لأحكي عن قصة حياة موفقة. الموضوع هو أنني مذعور وخائف.. لم أعد أستطيع البقاء وحدي في البيت لأقصر فترة ممكنة.. خائف دوما.. ما يدور خلفي صار عالما كاملا.. يخيل لي أن كل شياطين الأرض تحتشد عند مؤخرة رأسي

دعنا.. دعنا نستكمل القصة

********************

في سن الثلاثين بدأ رامز يلاحظ بقعا في مجال الإبصار.. في البداية يعتقد أنه وهم. ثم يقرر أنه الإرهاق.. ثم يعتقد أنه مريض بالفعل.. بل يؤمن بذلك

كانت هناك فترة من الحيرة لدى أطباء العيون، واستقر الرأي على أن العصب البصري يضمُر

ثم بدأت الكارثة الحقيقية عندما بدأ يلاحظ أن سمعه يضمحل.. بالفعل يجد عسرا في سماع صوت زوجته الهامس، وارتفعت طبقة صوته أكثر حتى إن الناس راحوا يسألونه عن سبب صياحه

هذه المرة وجد طبيب أعصاب بارعا.. وكان التشخيص مخيفا.. هذا مرض نادر يزحف على الأعصاب المخية ويؤدي لضمورها بالتدريج

هل من علاج؟ للأسف لا علاج سوى جرعات عالية من الكورتيزون لن تؤدي لشيء على الأرجح

هل من علاج بالخارج؟ لو تلقيت العلاج في مايو كلينيك على يد البروفسور (جون كلارك) أم في حارة الزغبي على يد برعي الممرض بقصر العيني فلا فارق.. نفس سياسة العلاج

هكذا راح رامز يهوي بلا توقف في قاع الظلام
الظلام الذي يجعله الصمت مريعا
كان يقرأ عن هيلين كيلر الكاتبة الأمريكية الصماء الخرساء، ولم يتخيل قط أن يعيش المرء بتلك العاهات الثلاث، وها هو ذا يواجه نفس المصير مع القدرة على الكلام طبعا.. تذكر كذلك أن هيلين كيلر قالت: الصمم ألعن شيء في العالم.. في الظلام لا ينقذك سوى سماع صوت مألوف يهدئك. هذا يختلف عن اعتقاد الناس أجمع، لكنه ذات ما آمن به رامز.. فعلا مصيبة الصمم أسوأ ما حدث له

راح رامز يهوي بلا توقف في قاع الظلام ـ (رسوم: فواز) ـ

ومع موسيقي
نعم. هو موسيقي.. أذنه هي حياته وأكل عيشه ومستقبله.. لن يملك قدرات بيتهوفن الذي كتب سيمفونيته التاسعة وهو أصمّ تقريبا يتحسس اهتزازات البيانو. ليس هو

رحت أتردد عليه وكاد القلق يقتلني
إن حالته النفسية تتردى.. أعتقد أنها حالة انتحار لم تحدث بعد
لقد انتهى سبب وجوده

رحت أقول له كل كلمات رقيقة قد تهدئ من روعه.. لكنه كان يتلقى كل كلمة لي كأنه يلعب مباراة تنس طاولة.. كل كلمة لها رد.. أقول له:ـ
ـ"أنا أفهم ما تشعر به"ـ
فيرد على الفور:ـ
ـ"لا.. لا تفهم!"ـ
ـ"سوف تتذكر هذه الأيام باسما"ـ
ـ"في العالم الآخر؟"ـ
كانت حالته تسوء بلا توقف، ولا شك أن نورهان كانت تمر بأتعس أوقات حياتها

حدث ما حدث في ذلك اليوم الذي كنت أمشي فيه في الدقي عندما اصطدمت بذلك الرجل. عندما دققت أكثر أدركت أنني أعرفه.. هاشم
نظر لي في دهشة وذهول ثم ارتمى في أحضاني، ورحنا نثرثر عن كل شيء، وأنا لا أجسر عن توجيه السؤال الأهم الذي يؤرقني

في النهاية استجمعت أعصابي وسألته.. عندها عرفت
هاشم كان قد أصيب بضمور في الشبكية منذ ثلاثة أعوام. صار كفيفا تماما.. وكان هذا شيئا قاسيا جدا في سنه الصغيرة الواعدة

كنت قد تركته كما نفارق دار السينما بعد نهاية حزينة، ولم أرَه منذ ذلك الحين.. لكنني اليوم أجده يمشي بكامل لياقته ويراني ويعرفني
عندما جلسنا في ذلك المقهى استجمعت شجاعتي وسألته عن سبب استعادته بصره. المعجزة التي أدت لذلك. ما أعرفه هو أن الأطباء أعلنوا عجزهم عن عمل شيء

قال هاشم في مرح:ـ
ـ"كنت قد فقدت الأمل تماما حتى.."ـ
ـ"حتى ماذا؟"ـ
ـ"حتى قابلت ذلك الطبيب.. ذلك الساحر.. ذلك النطاسي الخارق للعادة.."ـ
ـ"وماذا فعل معك؟"ـ

ابتسم وضاقت عيناه للحظة ثم قال:ـ
ـ"الأمر شبيه بالعلاج بالخلايا الجذعية.. شيء من هذا القبيل.."ـ
كنت أعرف حلم الخلايا الجذعية الذي عذب مرضى كثيرين.. مهما كانت حالة المريض ميئوسا منها فهم يبشرونه بشيء اسمه الخلايا الجذعية، والحقيقة أن أبحاثها ما زالت في مرحلة الطفولة، وعدد النصابين أكثر بمراحل من عدد الصادقين..  كثيرون يسافرون إلى تايلاند ليتلقوا أقسى صدمة في حياتهم

ـ"هل هو طبيب مصري؟"ـ
ـ"أرمني.. لكنك لن تعرف هذا لأنه يتكلم العامية المصرية أفضل منا"ـ
ـ"هل هو طبيب عيون فقط؟"ـ
ـ"بل هو طبيب كل شيء! على طريقة أطباء الماضي.. ابن سينا والرازي وجالينوس وأبقراط.. يتعامل مع البشر ككل"ـ

بعد إلحاح كتب لي اسم الطبيب وعنوان عيادته ورقم هاتفه
ـ"هل أتعابه باهظة؟"ـ
ـ"غالية نوعا ما.. لكن بكم تثمّن عينيك على كل حال؟"ـ

بعد إلحاح كتب لي هاشم اسم الطبيب وعنوان عيادته ـ (رسوم: فواز) ـ

تأملت البطاقة.. دكتور ويليام أنطونيان.. الـ(يان) التي تدل على أن صاحب الاسم أرمني على الفور
أعرف مريضا سوف يجرب هذا الطبيب.. يجربه هذا الأسبوع حتما

.......

يُتبع