قصاصات قابلة للحرق

Monday, October 21, 2013

ثرثرة فوق «المرشّحة» من جديد



spc


أذكرك مرة أخرى بالمرشّحة – بتشديد الشين – فهى نيل طنطا الذي يثرثرون فوقه. يصر أهل طنطا على أنه (كورنيش)، لكنه فى الحقيقة مصرف لمياه الرى. لا أطيق الجو المغلق الصناعى لكافيهات الشباب، لذا أفضل هذا المكان المفتوح جيد التهوية.. مكان ممتاز وشاعرى لو كنت ممن يتحملون لدغات البعوض والهاموش.

دعانى صاحبى لجلسة هناك، وطلب لنفسه شيشة ولى شايًا، وبدا فى غاية القلق وهو يضرب مفاتيح اللاب توب الذى يحمله بحثًا عن شيء ما.. أطلق سحابة كثيفة من الدخان العطر ثم قال:
ـ"الوضع ما زال مقلقًا.. الجمهوريون ما زالوا مصرين على عدم رفع سقف الدين"

عرفت أنه يتكلم عن الولايات المتحدة.. بدا لى هذا خطرًا فعلاً.. لماذا لا يرفعون سقف الدين؟.. هذا سهل على ما أعتقد.. لكن عن أى شيء يتكلم؟. وضع مبسم الشيشة على المنضدة وقال:
ـ"حزب الشاى كان سيقود الولايات المتحدة لكارثة بسبب تصلب رأيه الشديد"

حزب الشاى هو الجناح المتشدد فى الحزب الجمهورى، وهو جناح يطالب بالتقشف وخفض النفقات.. الاسم يرمز ليوم الشاى الذى يعرفه كل أمريكى، عندما ألقى الأمريكان – وهم متنكرون كهنود حمر – بصناديق الشاى التى تحملها السفن البريطانية فى البحر، وهم يرددون الشعار الشهير (لا ضرائب بلا تمثيل). لهذا يرسلون أكياس الشاى للمشرعين فى الأعياد من حين لآخر ليذكروهم. أنت تعرف أن الأمريكان مولعون بخلق تاريخ بأى شكل.. يصطاد بعض الحجاج بعض الديكة الرومية فيصير هذا عيد الشكر.. يلقى بعضهم بكرتونة شاى فى البحر فيصير هذا (يوم حفل الشاى فى بوسطون).

ما علينا.. ماذا كنا نقول؟.. كنا نقول إن حزب الشاى رفض رفع سقف الديون.. سألت صاحبى وأنا أتثاءب:
ـ"وما المشكلة؟.. فليرفعوا السقف.. يا اخى النفوس لم تعد سمحة، ولا أحد يتنازل من أجل الآخر"

قال صاحبى مفسرًا:
"الأمر ليس بهذه البساطة.. القصة تتعلق بمشروع أوباما كير. أى التأمين الصحى لخمسين مليونًا من فقراء أمريكا"

التأمين الصحى موضوع ذو شجون وقد تكلم عنه مايكل مور فى فيلم أرجو أن تراه اسمه (سيكّو). لا ليس (سايكو) بتاع الخواجة هتشكوك. عندما تكون فقيرًا بلا تأمين صحى فى أمريكا فأنت ضائع ولا شأن للدولة بك. كل محاولات الرؤساء السابقة لعمل نظام تأمين صحى قوى كانت تقابل بالفشل بسبب الملايين التى يتقاضاها أعضاء الكونجرس المرتشون من المؤسسات الطبية. كلما حاول رئيس أمريكى عمل شيء قالوا له: "هذه شيوعية.. غدًا سوف ترغمنا على العمل فى حقول القمح أيها الأحمر".

هكذا لعب الحزب الجمهورى دور غراب البين كالعادة وقرر أن يرفض المشروع حتى لا ترتفع شعبية الحزب الديمقراطى ( جناح أوباما).. الحكومة الأمريكية تعانى من عجز 2 مليار دولار يوميًا، لهذا تقترض كل عام 700 مليار. وهكذا اقترب دينها من 16.7 تريليون.. التريليون هو مليون مليون لو لم تكن تذكر سيادتك..

رفض الحزب الجمهورى مشروع اوباما لأنه يرفع الدين أكثر.. صراع إرادتين.. كل حزب يحاول ألا تفشل إرادته فيهزم فى الانتخابات القادمة.

ازدادت المشكلة تعقيدًا بحيث صار الخميس 18 أكتوبر هو لحظة الحقيقة.. اللحظة التى يعلن فيها إفلاس الحكومة الأمريكية وعجزها عن السداد.

بدا لى الأمر مترفًا وبعيدًا جدًا.. نحن غارقون فى مشاكلنا الخاصة هناك على المرشحة. مشاكل مصر المتفاقمة واقتصادها المتهاوى ومشاكل الأسعار والتعليم و.. و.. ثم نقلق بصدد خلافات أوباما مع حزب الشاي؟

دنت منا قطة نحيلة تعانى سوء التغذية، ووقفت تراقبنا فى ملل وتعاسة كعادة القطط عندما تنتظر الفرج فتغمض عينها فى (غلب). بحثت عن فخذ دجاجة ألقيه لها لكن كيف أجد واحدًا على المرشحة؟. قال صاحبي:
ـ"المشكلة هى أن غرق الاقتصاد الأمريكى سوف يسبب دوامات تشد معه كل القوارب الصغيرة مثلنا"

الفكرة هى أن سقوط اقتصاد أمريكا سيؤثر فى كل شيء.. كساد اقتصادى فى كل مكان.. انهيار البورصة.. تدهور السياحة.. خسارة 20 تريليون دولار من اقتصاد العالم خلال أسبوع.. إفلاس الدول الخليجية التى تودع أموالها فى الخزانة الأمريكية، وأنت تعرف دور العمالة المصرية بالخارج فى اقتصاد مصر..

اقتربت منا تلك المرأة تتسول وراحت تردد فى سماجة:
ـ"كل سنة وانتم طيبين"

أطلق صاحبى بعض الدخان فى وجهها كأنه يساعدها على النسيان، ثم قال:
ـ"لقد اقترب يوم القيامة كما تقول وكالة رويترز.. مجرد توقف الحكومة عن السداد معناه إشهار إفلاسها. هل تعرف معنى إفلاس أمريكا؟. فى اليوم الأول من نوفمبر، يستحق موعد تسديد فاتورة بقيمة إجمالية تبلغ 61 مليار دولار كلها فى يوم واحد لأصحاب المعاشات ورعايتهم الصحية، والموظفين الدائمين فى الجيش وإعانات المتقاعدين وقدامى العسكريين. حذر وزير الخزانة الأمريكى من أن ذلك قد يؤدى إلى حدوث ركود عالمى أسوأ من الانهيار المالى الأمريكى عام 2008 ويهدد التعافى الاقتصادى الهش منذ ذلك الحين"

قلت لصاحبى فى ملل: هل ننتحر الآن إذن؟

راح يتأمل شاشة الكمبيوتر بعض الوقت، ثم بدأ وجهه يشرق وهتف:
ـ"لقد جاءت رحمة السماء !... لقد اتفقا... لقد وقع أوباما على قانون رفع سقف الدين الأمريكى. توصل مجلسا الشيوخ والنواب فى الكونجرس الأمريكى إلى مشروع قانون حول الإنفاق. لقد عادت الحكومة الأمريكية للعمل.. هييييه !"

عادت المتسولة تكرر إلحاحها فهب صديقى واقفًا وأطلق سبة بذيئة:
ـ"يا بنت الـ (...)... " - ثم عاد ليجلس وأردف: "لقد اعترف حزب الشاى بهزيمته فى هذه المعركة السياسية. لم يستطع أن يوقف مشروع أوباما كير. لقد تلقى الجمهوريون هزيمة قاسية وضربة فادحة.. لقد خاطروا بسمعة أمريكا واقتصاد العالم كله من أجل مكاسب سياسية.. والكل يعرف هذا الآن.. لكن ما زال الخطر قائمًا.. لقد تم تأجيله فقط"

أخرجت بعض أوراق العملة لأدفع ثمن الشاى والشيشة، وسألته وأنا أنهض:
ـ"لا أفهم كل هذا الكلام الذى يحتاج إلى دكتور جلال أمين ليفهمه.. ما أريد معرفته هو: هل سنكون أفضل؟"

قال وهو يضع مبسم الشيشة جانبًا:
ـ"لا لن نصير أفضل.. لكننا على الأقل لن نكون أسوأ.."

نظرت حولى إلى المتسولة والقطة الجائعة وأكوام القمامة فى مجرى الماء، والشباب الجالس على المقاهى لا يفعل شيئًا سوى تدخين حجر آخر، وقلت له:
ـ"أشك فى أن شيئًا يمكن أن يجعلنا أسوأ.. تلك هى ميزة الوصول للقاع.. لا شيء يمكن أن يزيد الأمور سوءًا حتى لو أفلست أمريكا، وجاء أوباما ليعمل مبيض محارة أو سمكرى سيارات فى شارعنا"

لكن صاحبى كان فى غاية السعادة وهو يتأبط ذراعي:
ـ"لقد نجونا ونجا العالم.. هذه ليلة مناسبة كى أدعوك إلى عشاء لحم راس من طش طش".

لا أعرف كيف أدى مشروع أوباما كير وحزب الشاى إلى نتيجة منطقية هى ساندوتش لحمة راس فى بطنى. لكنى لم أحاول الفهم