قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, November 12, 2013

أعنف أنواع الرقابة



spc


هذا التعبير لبرنارد شو يقول فيه: «الاغتيال هو أعنف أنواع الرقابة». أسهل طريقة للخلاص من معارض سياسى أو منافس هى الاغتيال، وهى طريقة عنيفة لكنها فى النهاية تندرج تحت مصطلح الرقابة. تذكرت هذا عندما قرأت الأخبار التى تؤكد أن عرفات تم قتله بالسم، وهى الحقيقة التى يعرفها الجميع منذ استشهد الرجل، ولكنهم لم يستطيعوا إثباتها. وقالها هيكل فى وقت مبكر جدًا بعد وفاة عرفات مباشرة.

الحقيقة أنه مع كل هذا التقدم فى الكيمياء والعلوم الجنائية، نكتشف أن العالم ما زال يحتاج إلى تسع سنوات حتى يثبت أن فلانًا قد قتل، ثم الطريقة التى قتل بها. بعد هذا ربما يحتاج لمئة عام كى يعرف من القاتل. من قال إن الجريمة الكاملة لا وجود لها ؟ عشرات ومئات الأمثلة فى كل صوب تؤكد أن الجريمة الكاملة موجودة وناجحة جدًا، دعك من مئات الجرائم التى لا نعرف أنها كاملة.. لماذا؟.. لأنها كاملة طبعًا.

الحقيقة إن اطمئنان المرء للعدالة والانتصار النهائى للحقيقة يتضاءل عامًا بعد عام.

إذا ركبنا آلة الزمن عبر الأعوام، فلسوف نصل لعام 1821 .. نحن فى جزيرة سانت هيلانه حيث يغمض الامبراطور نابليون بونابرت عينيه للأبد بعد عذاب طويل مع المرض.

بعد أكثر من مئة عام جاء طبيب أسنان سويدى اسمه (فورشوفود) عكف على دراسة وقائع موت بونابرت فى المنفى. سن 51 سنة ليست بالسن المتوقعة لموت رجل فى عنفوان عافيته. نحن نعرف أنه كان منفيًا وأن البريطانيين كانوا يحرسونه، بينما كانت خدمته المباشرة تقع على عاتق مجموعة من أعوانه.

حرص البريطانيون بعد وفاة بونابرت على أن يشرحوا الجثة فى وجود جراح فرنسى ليثبتوا للعالم أنهم ليسوا القتلة .. وجدوا القرحة المعدية الشهيرة التى عذبته طيلة حياته، والتى تظهره فى كل الصور واضعًا يده داخل سترته. هكذا استقر الرأى على أن سبب الوفاة هو سرطان المعدة.

لكن هذا التفسير لم يرق لفورشوفود.. الامبراطور كان يعانى الأرق وتورم القدمين والسمنة والنعاس .. هذه ببساطة أعراض التسمم بالزرنيخ، خاصة أن الزرنيخ يزيد الوزن بينما السرطان ينقصه.

ما كانت الحكومة الفرنسية لتسمح بتشريح بطلها المدفون فى الإنفاليد، لذا قرر الطبيب أن يحلل شعر الميت بمعونة طبيب سموم بريطانى. سافر لفرنسا وحصل على شعرة من سليل بونابرت. ثم حللها فوجد أن نسبة الزرنيخ عالية جدًا فيها. الطريف أن بوسعك أن تتابع فترات التسمم على الشعرة .. فترات معينة تزداد فيها جرعات السم. ممكن أن تقارن هذه الفترات مع مذكرات بونابرت التى تحكى عن نوبات قيئ عنيفة تصيبه!.. كل خمسة مليمترات تحكى قصة أسبوعين من حياة بونابرت.

من فعلها؟... هل هم البريطانيون الذين يسعدهم الخلاص من بونابرت المزعج؟.. أم هم الفرنسيون من أعوان البوربون الذين يهمهم ألا يعود بونابرت أبدًا؟. استبعد الطبيب البريطانيين لأنهم غير قادرين على الوصول لطعام بونابرت.. على الأقل كان أى سم يضعونه سيسمم الجميع. إذن ننتقل للفرنسيين، وقد تركزت الشكوك فى كبير الخدم وفى مشرف المطبخ الذى قيل إن زوجته على علاقة حميمة مع الامبراطور. ثم حامت الشكوك حول الأخير – مشرف المطبخ – لأنه كان صاحب مفاتيح خزانة خمور الامبراطور، وكان بوسعه أن يدس السم متى شاء. يبدو أنه تلقى رشوة من أسرة البوربون ليقوم بهذه المهمة القذرة. عندما فتح الفرنسيون قبر بونابرت لينقلوا جثته وجدوا الجثة سليمة.. لا توجد معجزة هنا وليس الرجل من الأولياء.. فقط الزرنيخ يبطئ من تعفن الجثث !

بعد مئة وأربعين عامًا عرفنا القاتل، لكنه كان قد فر بجريمته للأبد.. فر إلى أعلى.

يعتقد كثيرون أن الزعيم عبد الناصر توفى فى سن 52 عامًا لأن هناك من سممه. للأسف لم يعد نفى هذا أو إثباته ممكنًا .. ربما كانت هذه جريمة كاملة أخرى.

الآن نركب آلة الزمن إلى عام 2004 . نحن فى أوكرانيا. نقابل الرئيس الأوكرانى الذى جاء من صفوف المعارضة فيكتور يوشتشينكو. وكان قبل هذا قائد التحالف السياسى (أوكرانيا لنا) الذى نال عددًا لا بأس به من مقاعد البرلمان. إن يوشتشينكو وأتباعه يمثلون الثورة البرتقالية الشهيرة حيث كل شيء يخصهم له لون برتقالى فاقع .. وأنت سمعت عن الثورة البرتقالية فى الميدان.

بدأت صحة الرجل تتدهور عام 2004 .. كان مريضًا بداء مبهم حير الأطباء، ولاحظ كل من يرى نشرات الأخبار أن وجه الرجل يتحول لقلقاسة متدرنة كبيرة .. فى النهاية أدركوا أنه مصاب بمرض عضال ونقلوه لفيينا. لم يجد النمساويون سوى التهاب حاد فى البنكرياس لسبب مجهول. كنا نرى وجهه فى نشرات الأخبار وقتها فلا نفهم ما دهاه. لكن كان من حسن حظ الرجل أن من بين من رأوه فى نشرات الأخبار خبير سموم هولندى اسمه (أبراهام براوفر). كان قد قضى عمره يدرس تسمم مادة الديوكسين أو TCDD أو (السم السوبر) وقد عرف العلامات على الفور. واتصل بالمستشفى النمساوى ليخبرهم بشكوكه. كان الإنذار دقيقًا .. فقد وجدوا نسبة هائلة من المادة السامة TCDD فى جسد الرئيس الأوكرانى (ألف مرة أكثر من التركيز العادى). واستخدام هذه المادة يشير لأصابع سوفييتية قديمة، لأنها استخدمت من قبل فى أفغانستان تحت اسم (المطر الأصفر). عولج الرجل لكن لم يعرف أحد الفاعل وإن دارت علامات استفهام حول الحرس القديم أو الراغبين فى أن تظل أوكرانيا شيوعية. اتهم يوشتشينكو رئيس جهاز المخابرات الأوكرانية الذى دعاه على العشاء قبل الوعكة بأيام، وقد عاد للبيت لتقبله زوجته فتشعر أن لشفتيه طعمًا دوائيًا غريبًا (هكذا قالت!) وفى الصباح راح يفرغ معدته بلا توقف.

نترك الزرنيخ والديوكسين وننتقل لمكان آخر وزمن آخر..

نحن فى العام 2004 .. مقر الرئيس ياسر عرفات المحاصر، وسط رفاق السلاح. فى تلك الفترة كانت شهية الغرب وإسرائيل عالية للتخلص منه، وقيل إنه هو المشكلة وليس الحل، وإن محمود عباس هو رجل اللحظة. عرفات قد رأى الموت مرارًا وفى كل مرة يخدع الموت ويتملص من تحت عباءته السوداء.. لكن فى هذه المرة بدت علامات السقم والإعياء عليه بشدة. نقل عرفات المريض إلى الأردن.. ومنها إلى فرنسا فى أكتوبر 2004. رأيت صورته فى التلفزيون وقتها وهو يلوح بعلامة النصر لأتباعه على سلم الطائرة.. رأيت فى عينيه علامات الموت وأدركت يقينًا أنه لن يعود، لكن لم يخطر ببالى أنه ضحية تسمم.. ظننته يعانى خليطًا من مرض باركنسون وربما سرطان ما. كان أول من أعلن خبر وفاته هو التلفزيون الإسرائيلى كالعادة.. ثم تم الإعلان الرسمى عن وفاته فى 11 فبراير، ودفن فى رام الله بعد جنازة فى القاهرة.

كان هناك جو كثيف من الغموض منذ وفاته، وقيل إن تقرير المستشفى الفرنسى مع سها عرفات وهى الوحيدة التى تملك الحق فى إذاعته، وقيل إن هناك تواطؤًا فرنسيًا واضحًا لإخفاء الحقائق. اليوم يعلن الخبراء السويسريون أنهم وجدوا تركيزات هائلة من البولونيوم -210 فى جسد عرفات، وهو تركيز كفيل بتدمير الجهاز المناعى له تمامًا. لاحظ أن تركيز المادة ما زال عاليًا بعد 9 سنوات مما يدل على أن الجرعة الأصلية كانت رهيبة، برغم أن هذه المادة تتسم بعدم الاستقرار الشديد إذ أن نصف عمرها الافتراضى هو 138 يوما. نفس طريقة قتل الجاسوس الروسى المنشق الكسندر ليتفيننكو الذى شرب كوب شاى (مخابرات) مليئًا بالبولونيوم. لكن الأطباء السويسريون يتكلمون بحذر علمى فيقولون: نحن متأكدون بدرجة (معقولة) من أن البولونيوم سبب الوفاة.

لو كانت إسرائيل هى الفاعل – وهذا أرجح احتمال – فمن الواضح أنها ستفلت كالعادة وسط متاهة التقاضى الدولية، كما أن الاحتمال الأرجح هو أن واحدًا من مرافقى عرفات هو الذى نفذ عملية الإعدام هذه، ثم جلس يبكى على القائد الشهيد ويعده بالثأر. هى تقريبًا إعادة لعملية قتل بونابرت. ومن جديد: من قال إن الجريمة الكاملة لا وجود لها ؟ إنها موجودة فى كل مكان