قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, December 4, 2013

استقالة شاعر



spc


طنطا في مايو 1989:

«السادة المحترمون هواة الشعر:
أتقدم لكم بهذه الاستقالة المسببة، أقر فيها أننى قد قررت ألا أكتب الشعر أبدًا إلا في ظروف معينة، كأن يكون هذا الشعر على لسان أحد أبطال قصصي أو يظهر عجزه عن كتابة شعر جيد. سبب هذه الاستقالة لا يعود لسوء معاملة، فأنتم قد أحسنتم استقبالي والاحتفاء بكل ما أكتبه، ولكنه بسبب عثوري على شاعر حقيقي. شاعر يحترق من أجل الكلمة، ويشيخ بضعة أعوام كلما كتب بيتين من الشعر، وهذا الشاعر الذي علمني معنى لفظة شاعر فعلاً، هو (أمل دنقل). لا يمكن أن نطالب الجميع بأن يرسموا مثل بيكار، أو يكتبوا الموسيقا مثل موتسارت، أو يلعبوا الكرة مثل مارادونا. لابد أن يكون هناك أناس أقل شانًا وموهبة لتستمر الحياة، ولهذا كان بوسعي أن أستمر في كتابة الشعر وأتناسى هذا الوحش المرعب القادم من الصعيد، لكن لنقل بصراحة: إن أمل دنقل قال كل ما أردت قوله بشكل أعمق وأشجع وأروع. 
لهذا أتقدم باستقالتي وأرجو أن تقبلوها مع جزيل الشكر. مقدمه لسيادتكم .....»

هذه هي الصيغة التي كان يمكن أن أكتبها عام 1989 عندما قررت أن أكف عن كتابة الشعر نهائيًا. وكان ما اكتشفته في سن متقدمة نسبيًا هو أنه ليس على الجميع أن يكونوا طهاة. لماذا لا يكتفي البعض بدور المتذوق المستمتع؟. لماذا يجب أن يدخل الجميع المطبخ وتدمع عيونهم من البصل، ولماذا يسيل عرقهم من حرارة الفرن، وتدمي المدي أناملهم؟. ظننت في لحظة أن بوسعي أن أطبخ ..ثم فطنت إلى أن هناك من يطهون أحسن مني ألف مرة.

الشعر. ذلك الفن المراوغ الساحر.

أعتقد أن كامل الشناوي بأشعاره الرقيقة المرهفة المختصرة هو أول من لفت نظري إلى هذا الفن. هناك من يعتبرون أشعاره ضعيفة وقليلة، وأن من خلدها هي تلك الألحان الساحرة التي زينت كل قصيدة منها، فجعلتها تغدو وتروح كحورية تبهر العيون. بالطبع لا يمكن أن ننسى صوت نجاة المفعم بالشجن وهي تقول: «لا تكذبي. إني رأيتكما معاً» أو عبدالحليم حافظ يقول: «ما أنت يا قلب قل لي؟. أأنت نعمة حبي؟. أأنت نقمة ربي؟. إلى متى أنت قلبي؟»، أو أم كلثوم بصوتها المهيب الذي يحمل شموخ مصر ذاتها يقول: «أنا الشعب. أنا الشعب لا أعرف المستحيلا». لكني على كل حال كنت أدون هذه الكلمات وأعيد قراءتها، فأجدها بليغة جدًا ساحرة جدًا، وفيها ذلك الشيء الذي لا يمكن أن يوصف ولا يمكن تسميته. لهذا يختلف الشعر عن الكلام العادي. ليس الاختلاف كامنًا في القافية ولا الإيقاع ولا الخيالات ولا جرس الألفاظ. إنه ذلك الشيء المجهول الذي لا اسم له. قالوا إن الشعر هو ما (أشعر وقشعر). هذا صحيح وأعتقد أن هذا الشيء هو ما يسبب القشعريرة فعلاً. كنت أقرأ في المدرسة ضربًا من الشعر كتبه موجهون أو موظفون في هذه الإدارة التعليمية أو تلك. وكان رديئًا جدًا. يمتاز غالبًا بأنه شعر مناسبات وأن حرف الروي هو الألف (مات الذي قد كان نبراسا. من بعده ساد الأسى الناسا). إلخ. 
هذه طريقة ممتازة كى تكره الشعر للأبد.

بعد هذا بدأنا نقرأ الشعر الجاهلي. انبهرنا بهذه القوة وجزالة الألفاظ. صعبة لكنها قوية كالفولاذ تبعث الاحترام في النفس والهيبة. دعك من أن هؤلاء القوم كانوا يتكلمون هكذا فعلاً. لم يفتعلوا الألفاظ. بأي مشيئة عمرو بن هند. تطيع بنا الوشاة وتزدرينا ؟. بأي مشيئة عمرو بن هند. نكون لقيلكم فيها قطينا. إلخ.

هذه هي اللحظة التي بدأ فيها الجنين يتكون ثم يخرج للعالم. لو لم يخرج لجننت أو مرضت للأبد. وهكذا ولدت قصيدتي الأولى وأنا في الصف الثالث الإعدادي، وبعدها انهار السد.

كان شعرًا رديئًا جدًا، لكن فيه عفوية محببة. وأعتقد أنني وقعت في قصة حب في تلك السن لمجرد أنه لابد للشاعر أن يحب. شيئا يشبه الغزل الصناعي الذي كان شعراء المعلقات يفتعلونه افتعالاً في بداية المعلقة.

في نفس الوقت تقريبًا وقع في يدي كتاب مهم سيئ الطباعة لشاعر من دسوق. هذا الكتاب كان يحوي طريقة بسيطة وسهلة لوزن الشعر ومعرفة البحور. كان الشاعر مزهوًا بنفسه جدًا برغم أن شعره رديء فعلاً، لكنه قدم لي خدمة العمر. يقول إنه كان في جولة مع المحافظ وآخرين وسط حديقة في دسوق فراح القوم يتناقشون فيما بينهم (ولم يتركوا فرصة الكلام لأصحاب الفكر والحجا مثلي)، وهذا أحفظه جدًا. فلما جاء دوره في الكلام قال:
«حولي زروع ونخلُ والنخل من حولي يعلو»
هذا هو تعليقه العبقري الذي أخرس المحافظ والآخرين. برغم هذا كان الكتاب كنزًا لمن يريد معرفة وزن الشعر والتفعيلات، وأعتقد أنني نسخته لمئة شاعر شاب من أصدقائي أو قرائي فيما بعد.

كنت أخرج عصرًا أنا وصديقي أيمن . نشرب عصير القصب أولاً لأن أيمن لسبب لا يعلمه إلا الله كان يؤمن أن الشعراء يحبون عصير القصب. ثم نذهب إلى قحافة. القرية الصغيرة المجاورة لطنطا. نجلس على الترعة وننشد الشعر بينما الشمس تغرب. يكتب كل واحد بيت شعر ثم يكتب الآخر بيتًا تاليًا له نفس الوزن وحرف الروي .
«لو ترين ما أراه . من خشوع وجمالِ
صفحة الماء عليها. روعة تزكي خيالي»
وتطول القصيدة.
الحمدلله أن هذه الأبيات ضاعت.

ذات مرة كنت أتبضع في محل، ولاحظت فتاة في مثل سنى، بارعة الحسن. كان أخوها الصغير يكلمها فتضحك في وجهه ويشرق وجهها، ثم تستدير لي في ربع ثانية لألتقط ذات الضحكة قبل أن تغيب. أي هي تعطي الضحكة لأخيها وتمنحني كسرة بسيطة منها بالمرة. رسالة واضحة معناها: أنا أضحك لك أنت يا أحمق!. بالطبع لم تكن لدي أي خطة للتحرك بعد ذلك ولا أعرف ما يمكن عمله. الكلاب تنبح وراء عربة الرش فإذا لحقت بها لم تعرف ما تفعله. هكذا انتهى الموقف لكن طريقتها الأنثوية المراوغة هزتني فعلاً. هي شيء كالنسيم لا يمكن أن تمسك به، ولو طلبت مني وقتها أن أتبعها لآخر العالم لفعلت. عدت للبيت وكتبت هذا البيت:
«مثل النساء جميعهن تعلمتْ. كيف الكلامُ بدون أن تتكلما»
ولم يفتح الله علي ببيت ثان قط. وما زلت حتى اليوم بعد مرور خمسة وثلاثين عامًا أنتظر قدوم الإلهام لأكتب البيت الثاني!. أطول سدة كتابية رأيتها في حياتي!

اكتشفت بعد هذا صالح جودت. سحرني شعره المحكم. وأذكر له قصيدة جميلة اسمها (يطالعني وراء السرب سرب. ولي قلب على الظبيات حدب ). وهي قصيدة راقت لكل من سمعها وطلب مني أن أنسخها له. كذلك عشقت كتابه عن شعراء المجون، وهو نسخة قصيرة سهلة ومهذبة من (الأغاني للأصفهاني)، ومنه عرفت سيرة كثيرين من شعراء العصر العباسي.

في تلك السن بدأت أدرك أن الشعر سلاح ماض قوي، لم يخصص للكلام عن عيني الحبيبة وتباريح الفؤاد. لكن برغم ذلك ظل القلم لا يطاوعني. لا أريد أن أكتب الشعر العاطفي ولا يريد القلم سوى أن يكتب الشعر العاطفي.

وقعت يدي في ذلك الوقت على شاعر سوفييتي رائع اسمه (يفتوشنكو). كان هذا الفتى الوسيم أقرب للممثلين، يجوب العالم ينشد شعره ويؤدي بطريقته الخاصة التي عرفوها باسم الشعر الراقص، واشتهر بثيابه البسيطة الواسعة وعصبيته. قرأت روائع حقيقية بقلمه ونظمت بعضها شعرًا. هناك قصيدة له تحكي عن يدي امرأة تلمسان جبينه عندما يكون محمومًا. قصيدة عن ناس في السوق يضربون لصًا ويمرغونه في الوحل. ثم طلبوا من الصبي يفتوشنكو أن يضرب الرجل معهم، فرفض وجرى وهو يبكي اشمئزازًا وخجلاً (لأنني لو رأيت مئة رجل يضربون واحدًا. فلن أكون أبدًا الواحد بعد المئة).

يفتوشنكو.. الشاعر السوفييتي على غلاف مجلة تايم
في نفس الوقت وجدت قصائد بريخت الرهيبة. كان شيوعيًا بشدة لكنه كان كذلك موهوبًا. قصائد بريخت لها نفس مذاق مسرحياته الساحر الساخر القاسي.

تساءلت في حيرة: كيف للمرء أن يحب شعرًا مترجمًا خاليًا من سحر الأوزان العربية والقافية ؟ جاء الجواب مع كتاب جميل لناقد أدبي مصري ـ نسيت اسمه للأسف ـ وضع فيه قاعدة: الشعر يجب أن يظل ساحرًا حتى إذا تمت ترجمته للغة أخرى. بيت الشعر العربي الذي يقول: «وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري» بيت عبقري ساحر . لو ترجمته للإنجليزية أو الصينية سيظل ساحرًا. بينما بيت شعر مثل (مكر مفر مقبل مدبر معًا كجلمود صخر حطه السيل من عل) يتفوق في الإيقاع وجرس الألفاظ، بينما لو ترجمته لما خرجت بشيء: (حصاني يجري ويعود بسرعة كأنه صخرة سقطت من فوق جبل بفعل السيل). لهذا نشعر القشعريرة عندما نقرأ قصيدة مثل (الغابة مظلمة باردة .. لكن هناك أميالاً يجب أن أقطعها قبل أن أنام). مترجمة عن الإنجليزية لكنها تعبر حواجز اللغة والثقافات.

تغيرت نظرتي للشعر كثيرًا وشعرت أنه أمانة يجب استعمالها بشكل يخدم الناس. حضرت في ذلك الوقت الكثير من الندوات الشعرية والمهرجانات وسمعت عشرات المرات : «أتدحرج عبر الطرقات الشتوية. تخنقني أزمنة اللاجدوى. في المدن المصلوبة. لوركا ما زال يموت».. إلخ. كل هذا الكلام الفارغ الذي لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به. لي صديق كتب على سبيل المزاح ديوانًا كاملاً بهذا الشكل في نصف ساعة وهو يدخن. أحيانًا يبدو الشاعر مستفزًا لا يملك سوى الكلمات. يشبه الأمر أن يضربك بلطجي ويوسعك ضربًا فتقف على الرصيف الآخر توجه له السباب. شجاعة البعيد عن متناول اليد.

هكذا تغيرت الكثير من مسلماتي وشككت في قيمة ما أكتبه أو أقوله وربما ما أقرؤه. فقط احتفظت باحترام شديد لصلاح عبدالصبور.
هنا جاءت الضربة القاضية في صورة مقال للعظيم يوسف إدريس جاء في جريدة الأهرام. في ذلك الزمن السعيد كان أحمد بهاء الدين موجودًا معنا كل يوم، وكانت ليوسف إدريس صفحة أسبوعية. المقال كان استغاثة موجهة لرئيس الوزراء ـ وقتها ـ د.فؤاد محيي الدين كي تعالج الدولة على نفقتها أشعر شعراء مصر الأحياء: أمل دنقل. لم أكن قد سمعت الاسم قط. وعرفت أن جيل مثقفي الستينيات كله يعرفه بل إن أكثرهم بات لياليه الأولى في القاهرة في شقته التي كانت شبه فندق مجاني للأدباء المغتربين. نشر يوسف إدريس مقاطع من قصيدة دنقل المذهلة أوراق الغرفة 8 (كل شيء كان أبيض). كان أمل دنقل مصابًا بسرطان. القصة المؤسفة التي يعرفها كل طلاب الطب عن عدم نزول الخصية إلى كيس الصفن، مما يؤدي مع مرور السنين إلى إصابتها بالسرطان. بالفعل توفي بعد هذا بفترة قصيرة جدًا. نهاية قاسية لشاعر عظيم بحثت عن أشعاره .. فعرفت أنني كنت أعيش خدعة عظمى اسمها (أنا شاعر جيد).

أمل دنقل

كانت هذه هي اللحظة التي نزعت فيها مريولة المطبخ وقلنسوة الطبخ العالية، وخرجت إلى الصالة لأجلس على الأريكة، وأطالع مجموعة الأشعار العظيمة لهذا الرجل. لا تصالح. زرقاء اليمامة. إلخ