قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, December 9, 2013

عم أحمد مانديلا ونلسون نجم



spc


خبطتان فى الرأس تلقتهما كتيبة الشرفاء فى أسبوع واحد؛ خبطة دولية هى فقدان الزعيم العظيم مانديلا، وخبطة عربية هى فقدان عم أحمد فؤاد نجم. بالتأكيد هناك تشابه قوى بين الرجلين، وكلاهما كان رمزا بصريا وسمعيا يملأ الحواس، وصار جزءا مهما من تاريخ القرن العشرين وأوائل هذا القرن، كما أن كليهما لعب دورا مهما فى إلهام الشباب، وكليهما لم يحن رأسه قط، ولاقى عنتا كثيرا بسبب دفاعه عن الحرية، وبالتأكيد صارت الحياة أكثر جهامة بعد رحيلهما.. الطريف أن كلا من الرجلين يحمل اسم الفاجومى أو المشاغب العنيد الذى يضرب الجدار برأسه.

يعرف الناس كل شيء عن عم أحمد فؤاد نجم. الفاجومى الذى يصر على أن يضرب الجدار برأسه حتى يهشمه. قد تختلف مع الرجل فى أشياء كثيرة لكنك لا تنكر أبدا أنه شجاع حقا، وأنه عظيم الموهبة، وأنه امتزج بهذا الشعب وطين هذه الأرض كما لم يفعل شاعر آخر. كنت أعتقد دوما أن فيه ملامح كثيرة من الأديب السوفييتى الكبير ماكسيم جوركى، ثم كنت أتذكر أن ماكسيم جوركى صار بوقا للنظام الشيوعى ولستالين، بينما نجم ظل طيلة حياته ضد كل الأنظمة..

كانت تلك هى الأعوام الأولى لى فى الكلية، وكان هناك تأثيران طاغيان: تيار الجماعة الإسلامية وتيار الناصريين والشيوعيين، وفى كلتا الحالين كانت هناك كتب يتم تداولها سرا.. هكذا قرأت أشعار هاشم الرفاعى ومحمد قطب..وفى الوقت ذاته كانت هناك شرائط كاسيت يتم تداولها سرا.. بعض هذه الشرائط لدعاة، وكان من أهمهم وقتها وجدى غنيم، وكانت هناك شرائط سيئة التسجيل عليها أغان لمطرب ساحر الصوت يغنى كلمات لم أكن أحسب أحدا يجرؤ على التلفظ بها. فاليرى جيسكار ديستان والست بتاعه كمان.. شرفت يا نيكسون بابا.. بأنادى على كل واحد ف مصر ندايا أنا لكل بيت مش لقصر..

هكذا عرفنا ذلك الاسم (الشيخ إمام).. لقد ملأ فترة السبعينيات وعشقه كل مثقفى تلك الفترة، وذهب الجميع إلى حوش قدم لسماعه، لكن بالنسبة لجيل الثمانينيات كان هذا كشفا جديدا. الكشف الآخر المهم هو أن هذه الكلمات الذكية التى تذكرك بسخرية المصريين الجالسين على المقاهى.. هذه الكلمات ليست تأليف الشيخ إمام إنما هى لشاعر اسمه أحمد فؤاد نجم. وهكذا بدأنا البحث عن هذا العبقرى، تزامن هذا مع فترة من التألق الإعلامى له فى بداية عصر مبارك، فعرفنا عن حفلاته التى أقامها فى أرجاء الدنيا وعن جولته فى العالم كله بنفس الجلباب والشبشب. كانت له قصيدة تبادل الجميع نسخها؛ هى قصيدة (البتاع). وهى قصيدة عبقرية فعلا يستخدم فيها لفظة (البتاع) بعشرات المعانى وفى كل مرة تدرك أنت المعنى كاملا.

أعتقد أن السنوات التى قضاها نجم خارج السجن معدودة فعلا. فى عصر مبارك تألق نجم أكثر لكن الحقيقة القاسية التى أدركها مقدمو البرامج هى أن هذا الرجل لا يمكن السيطرة عليه أو إسكاته. يقول كل شيء فى أى لحظة، وهو يذكرنا بالفنان الفرنسى (سينيه) الذى يعتبر السباب جزءا مهما من الحرية الشخصية والسياسية.

قابلت نجم شخصيا عدة مرات يمكن عدها على أصابع اليدين، فانا لست قاهريا. بينما هو فعلا من معالم وسط البلد وأعتقد أنه لا يوجد قاهرى لم يقابله مرارا. طبعا كان أكثر اللقاءات فى دار ميريت عند صديق عمره محمد هاشم أو فى جريدة الدستور قبل اغتيالها.

عندما قامت ثورة يناير التى يصر كتاب عديدون اليوم على أنها (مصيبة يناير) أو (نكسة يناير)، كان صوت ابنته نوارة صوتا مميزا لتلك الثورة، مع زغرودتها الشهيرة يوم تنحى مبارك. كنت أبدأ كل مقال لى وقتها بمقطع:
ما دامت مصر ولادة...وفيها الطلق والعادة.. حتفضل شمسها طالعة برغم القلعة والزنازين.

مقطع لا يكف عن الإشعاع بالأمل.. ذات مرة سمع نجم شاعرا رقيق الحال يقول: «يا بلدنا يا عجيبة.. فيكى حاجة محيرانى.. نزرع القمح بصعوبة.. يطلع القرع ف ثواني». أطلق صيحته الشهيرة: «يا بن الكااااالب !»، ثم قال إن مصر شبيهة بالأرنبة الولود. كلما حسبت أنك قضيت على نسلها وجدتْ لنفسها حفرة تضع فيها نسلا جديدا. وداعا يا عم أحمد.. سوف نفتقدك ونفتقد صوتك المجلجل وأشعارك الباترة كالسيف ووجودك الكاسح.. ترى هل فارقتنا وأنت سعيد أم قلق؟.. ربما كنت حزينا بسبب مصير الناشطين وعودة سطوة الداخلية وعصر مبارك بكامل عنفوانه.. لن نعرف أبدا إلا عندما نلقاك..

ما دامت مصر ولادة وفيها الطلق والعادة.. هذا شيء رائع.. لكن هذا المقطع كتب قبل تقدم الطب وجراحة استئصال المبايض وربط الأنابيب.. البعض يحاول ذلك فهل ينجح؟

أما عن مانديلا فالكل يعرف قصته كذلك. فى أوائل السبعينيات كنت طفلا فى المدرسة الابتدائية، وبرغم هذا كانت هناك رموز مقدسة للحرية نعرفها جيدا: نلسون مانديلا.. أنجيلا ديفيز.. مريم ماكيبا.. جيفارا.. القس توتو.

من الغريب أن نعرف أن اسم مانديلا الأصلى هو (روليهات هلا) ومعناها (المشاغب).. أى أنه الفاجومى بلغة الخوسا!

هذا المحامى الذى جاء من قبائل الخوسا الجنوب أفريقية، قد تحدى الأفريكانس الذين يمارسون سياسة التفرقة العنصرية.. بالطبع اعتبر خائنا وزج به فى السجن لفترة طويلة جدا. لم يفرج عنه سوى فى عام 1990 ليجد البلاد فى أتون الحرب الأهلية.. كافح كفاحا مرهقا طويلا حتى صار رئيس البلاد.. ونجح فى توحيدها وفى منع نزعة الانتقام التى استبدت بالسود عندما وصلوا للحكم.. لقد صار شخصية عالمية تحظى باحترام الجميع ونال جائزة نوبل للسلام، بل إن عيد ميلاده يوم دولى يحمل اسمه، وهو بالنسبة للجنوب أفريقيين غاندى آخر. رأيت فيلما تسجيليا يقول فيه كلينتون ضاحكا: «كلما قابلت مانديلا راح يقول لى سيادة الرئيس.. تحت أمرك. ثم يبدأ فى طلب التبرعات لمرضى الإيدز فأجدنى أنا الذى انفذ أوامره!».

لو لم تكن قد رأيت فيلم (إنفكتوس) الذى أخرجه كلينت استوود وقام مورجان فريمان بدور مانديلا فيه، فأنا أنصحك أن تبحث عنه وتشاهده. النقطة التى أريد ذكرها هنا هى تلك الأشهر التى تولى فيها مانديلا الحكم بعد مغادرة السجن فى جزيرة (روبنس). لقد ولدت عنصرية مضادة ظمآنة للدم ضد البيض الأقلية الذين ساموا السود خسفا أيام الأبارتهيد. فى مشهد افتتاحى مهم يدخل مانديلا ليقابل موظفى الحكومة البيض المتحفزين الذين جمع أكثرهم حاجياته تأهبا للطرد، فيقول لهم: «من يشعر بأنه غير قادر على العمل فى هذه الحكومة الجديدة يمكنه الرحيل، لكن عن نفسى أؤكد أننى سأكون شاكرا لمن يختار البقاء منكم ليسدى لوطنه خدمة كبرى.. من يعتقد أنه سيدفع ثمن ولاءاته أو آرائه السابقة، عليه أن يعرف أننا نبدأ عهدنا بالصفح والنسيان». قرر أعضاء الحكومة السود تسريح فريق الرجبى المدعو (سبرينجبوكس) لأن نتائجه سيئة فى اللعب ويخسر دائما.. دعك من أن أفراده جميعا بيض باستثناء لاعب واحد. يتم الاقتراع وتأتى الموافقة بالإجماع على التسريح. يسمع مانديلا بالقرار فيهرع ليقتحم المجلس.. تذكره سكرتيرته بأن عليه أن يخضع لقرار الأغلبية، فيقول لها: «هذه من اللحظات التى تكون فيها الأغلبية على خطأ.. ويكون على القائد أن يخبر الناس بالصواب..». ويقول للمجتمعين: «أنتم اخترتمونى قائدا فدعونى أقود.. نحن نبنى بلادنا وبحاجة إلى كل قطعة قرميد أمامنا، حتى لو كانت هذه القطعة قد استخدمت فى ضربنا فى الماضى. لو أننا عاملنا البيض كما تريدون لعرف العالم أنهم كانوا محقين عندما اعتبرونا متخلفين ووحوشا.. ولبرهننا للبيض على أن معهم حقا فى خوفهم منا». هكذا يقدم درسه الأول: الجماهير قد لا تكون على حق طيلة الوقت. من الخطأ أن ندع شهوة الانتقام تجرفنا. كل واحد يطالب اليوم بالقضاء على الآخر وذبحه وحرق جثته، فإذا سألته المذيعة عن سبب إعجابه بمانديلا، قال لها: «لأنه أجرى المصالحة وقضى على الخلافات بين أبناء شعبه !!».

بالتأكيد حياة عم أحمد مانديلا أو نلسون نجم حياة صاخبة حافلة، فكلا الرجلين ترك تراثا هائلا، ولن تظل الحياة بعدهما كما كانت قبلهما. لقد خسرت كتيبة الشرفاء محاربين مهمين