قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, January 20, 2014

خمسة وثلاثون عامًا



spc


من حين لآخر أعيد تفقد التقويم الصغير الذى أحتفظ به، لأننى أهوى لعبة التواريخ والرسائل الخفية الساخرة التى يرسلها الزمن لنا.. مثلاً هل تعرف ما حدث فى 11 فبراير بالضبط؟.. يتنحى مبارك ويرحل الفريق الشاذلى العظيم وتنتصر الثورة الإيرانية !. مثلاً فى يوم واحد هو 14 مايو يولد جيفارا وتقوم مصر بتحويل مجرى النيل ويعلن عن قيام دولة إسرائيل..

بالطبع يمكن بسهولة أن تقول إن هذا قانون الصدفة.. العام 365 يومًا فقط، فلابد أن يحوى كل يوم حشدًا متناقضًا عجيبًا من الأحداث على مر الزمن وعلى اتساع البلدان، يمكن لمن شاء أن يجد فيه مغزى ما أو لا يجد.. هذا أقرب للصواب طبعًا لكنه يفرغ الأمور من شاعريتها و(غائيتها)..

مثلاً فى 17 يناير عام 1979 وقع حادث مهم، هو قدوم شاه إيران إلى مصر ليستضيفه صديقه السادات، وكان الشاه يتظاهر بأنه فى زيارة عادية بينما العالم كله يعرف أنه هارب، ويعرف أن إيران تشتعل بالكامل. لعل قصة سقوط الشاه كانت أكثر القصص درامية فى تاريخ ثورات القرن العشرين مثلها مثل سقوط شاوشسكو. لقد كان الشاه يبدو لنا دكتاتورًا أكبر من الواقع، وغير قابل للقهر، بالإضافة إلى أن ذاتيته تضخمت بشكل غير معقول.. يمكنك رؤية بعض الأفلام القديمة من وقتها لترى كل هذه الألوهية، وكيف تنحنى أضخم العمائم لتقبل يده. يمكنك أن ترى كيف يحييه الناس وهم يتراجعون بظهرهم (عرفت من نادى سيارات د. علاء الأسوانى أن اسمها تحية التمني) وكيف ينظرون له على أنه يحيى ويميت ويرزق.. تأليه كامل. الحقيقة أن إيران فى عهده شهدت نموًا اقتصاديًا غير مسبوق، لكن الفرد لم يشعر سوى بالقهر والفقر. لسنوات بدا لنا أن نظام الشاه هو الحاضر والمستقبل.. لا شيء يمكن أن يزحزح هذا الرجل عن عرشه، ولا قوة تقدر على قهر نظام (السافاك) الرهيب. وساعد الإعلام فى عهد السادات على جعلنا نعتقد أن إيران قوة عظمى حلت مشاكلها منذ زمن. لم ينشر الإعلام المصرى أى شيء عن الاضطرابات.. لكننا أفقنا ذات يوم لنسمع عن رجل يدعى الخمينى يعود من منفاه فى فرنسا إلى إيران، وعن فرار الشاه بالطائرة مع أسرته وقسط كبير من كنوز البلاد.

لم يتصور أحد أن يسقط هذا الصنم العملاق، ولفترة طويلة ظننت أن الطغاة تعلموا الدرس جيدًا، وحسبت هذه آخر الثورات الكبرى. إما أن يتعلم الطغاة ألا يدوسوا على قدم شعوبهم أكثر من اللازم، أو يتعلموا كيف يكونون أكثر حذرًا، أو يتعلموا أن صداقة الولايات المتحدة لا قيمة لها وقت الجد لأنها أول من يتراجع. طبعًا جاء القرن الواحد والعشرون ليثير ذهولنا بمشاهد ضرب القذافى والدم يسيل من أنفه وفمه، ومبارك فى القفص، وعلى عبدالله صالح يحترق، والزين يهرب.. ربما بشكل ما نضيف مشهد شنق صدام حسين.

أشمل وأمتع ما كتب عن آخر أيام الشاه هو ما كتبه محمد حسنين هيكل فى كتابين.. يحكى هيكل عن أيام الشاه الأخيرة، عندما شعر بوجود مظاهرات عارمة فى الشوارع فأرسل خادمه العجوز إلى خارج قصر الطاووس ليتحرى الأنباء، وعاد الخادم ليقول له ما يرغب فى سماعه: المظاهرات محدودة يقودها بعض الشيوعيين ولسوف تخمد سريعًا. لكن الشاه لم يسترح لهذا الكلام، فركب طائرته الهليوكوبتر سرًا وحلق فى سماء طهران ليرى بعينه كل هذه الحشود التى أمضت ليلتها فى الشوارع. وقد سأل طياره فى ذهول: هل كل هؤلاء يتظاهرون ضدى؟. لم يرد الطيار وكانت هذه على كل حال إجابة كافية جدًا. على أن الشاه لدى عودته للقصر أصيب بحالة بارانويا كاملة جعلته يشك فى الجميع، وأصدر تعليماته بألا يزور جناحه أحد حتى الامبراطورة ذاتها.. لدرجة أن الضابط الذى يحرس جناح الشاه قال إنه لا يستطيع أن يسمح لها بالدخول إلا بعد التفتيش.. انصرفت غاضبة.. ثم عادت بعد قليل تطلب منه أن يفتشها، لكن الضابط انهار من البكاء وجعلها تدخل.

هنا يظهر التفكير البراجماتى الأمريكى بوضوح.. هذا الشاه لم يعد يمثل أهمية لأمريكا وبالتالى لا لزوم له، بل هو مضر فى العلاقات القادمة مع النظام الجديد. عندما فرت طائرة الشاه كان هذا بوعد من الولايات المتحدة بأنها مستعدة لاستقباله، ثم جاءته فى أسوان رسالة تقول إنهم غير مستعدين لاستقباله لأنهم لا يريدون حرجًا مع الحكومة الإيرانية الجديدة. أما عن أولاده الذين يدرسون هناك فلا بأس.. لكن بشرط ألا يلحق بهم هو أو أمهم حتى لا يتصور أحد أن الأسرة يلتئم شملها فى الولايات المتحدة. طلب منهم أن يسمحوا له بالعلاج عندهم فقالوا إنهم يشترطون تنازله عن العرش قبل الدخول. أخيرًا سمحوا له بالعلاج فى الولايات المتحدة حيث أجروا له جراحة سريعة، ثم طردوه قبل أن يشفى تمامًا وغادر المستشفى من الباب الخلفى الذى يخرجون منه المخلفات !

كان معه محام أمريكى يرافقه.. وقد فوجئ الشاه فى نقاش مع هذا المحامى بالرجل يقول له: «اسمح لى يا صاحب السعادة.. أنت صرت مخرفًا!». اضطر الشاه لابتلاع الإهانة.. يمكنك تخيل شعوره وقتها وهو الذى اعتاد أن يسجد له الناس سجودًا، وهو يشتم فلا يستطيع الرد..

ذهب الشاه إلى بنما فعرف هناك أن الحكومة الأمريكية تتفاوض على تسليمه للحكومة الإيرانية!

مدير أعماله فى سويسرا (بهبهانيان) اختفى فجأة ومعه سكرتيرته ومعهما ملايين الدولارات.. لم يكن الشاه قادرًا على عمل شيء سوى الصراخ فى صمت.

لم تسمح له سويسرا بالدخول برغم أن لديه فيلا ثمنها ستة ملايين دولار فى سان موريتز، ولم تسمح له بريطانيا بالدخول ليعبش فى مزرعته هناك، ولم ترد فرنسا على طلبه أصلاً عندما طلب أن يسمح له بالدخول للعلاج من السرطان اللمفاوى. كانت هذه الدول تتسابق على نيل رضاه وتعد له حفلات استقبال شبيهة بقصص ألف ليلة وليلة.

هكذا فر بالطائرة إلى القاهرة. هبطت الطائرة فى المطار فعانق السادات وبكى على كتفه قائلاً:
ـ"تصور أنهم كانوا يطلقون عليّ الاسم الكودى (عملية الخازوق)!"

وهكذا انتهت حياة الخازوق فى مستشفى المعادى فى 27 يوليو عام 1980، وكل جزء من جلده يحمل لسعة نار أمريكية.. حتى وصيته الأخيرة بأن يدفن بلا مراسم فى مسجد الرفاعى لم تنفذ لأن السادات أصر على جنازة عسكرية كاملة. وبصعوبة وجدوا طالب دين شيعيًا يصلى عليه فى الجنازة..

الطاغية الذى ركب شعبه انتهى به الأمر إلى أن صار مطاردًا لا يجد دولة تقبله، وأطلقوا عليه فى الأوراق اسم (الخازوق). قصة ملحمية وقعت منذ خمسة وثلاثين عامًا وأراد لنا التاريخ ألا ننساها أبدًا، لكن من قال إن أى ذكرى تبقى فى ذاكرة الأسماك التى يملكها العرب؟