قصاصات قابلة للحرق

Monday, April 21, 2014

صار هذا مملاً



spc


كلما سافرت إلى الخارج حاولت أن أخرس عند العودة، فلا أتكلم عن كل الأشياء التى راقت لى هناك. لقد صار هذا مملاً ومكررًا فى كتابات كل من رأى الغرب. هناك القصص المعتادة على غرار: كنت أقزقز اللب فى الشانزليزيه عندما وجدت أن رجل الشرطة يمشى ورائى ويجمع كل القشر الذى ألقيت به. من أين جاء الراوى بلبّ فى شارع الشانزليزيه؟. لابد أن هناك (مقلاة) فى مكان ما. فلان نسى الكاميرا فى الحافلة ثم تذكر ذلك بعد أسبوعين.. تصور يا أخى أنه عاد للحافلة فوجد الكاميرا فى نفس المكان ولم يمسسها أحد؟.. فلان وجد مطبًا فى شارعه فأبلغ بلدية ستوكهولم.. بعد ربع ساعة تم رصف الشارع بالكامل وأهدته البلدية مكافأة مالية لأنه يقظ !

هناك بالفعل الكثير من هذا الكلام الفارغ الذى يردده من يسافرون للخارج.. لقد صار هذا مملاً، لكن –بالإضافة لهذا– هناك الكثير من الأمور الحقيقية التى تبهرك وتجلب مرارة فى النفس. تكلم الجميع عن هذه الأمور؛ وكلنا نحفظ كلمات الإمام محمد عبده ورفاعة الطهطاوى وغيرهما..

كثيرون عادوا بعقدة الخواجة أو بانسحاق نفسى شديد أمام هذه الحضارة، وقد قال عمنا بيرم التونسى قصيدته الشهيرة:
حاتجن يا ريت يا اخوانا.. ما رحتش لندن والا باريز
دى بلاد تمدين ونضافه.. وذوق ولطافه وحاجه تغيظ

لتكون الكلمة شبه الأخيرة فى كتاب (الانبهار الشديد بالحضارة الغربية)، وبعد هذا كتب قصته الشهيرة (عقلى فى باريس وقلبى على مصر)، وهى أقرب لمسرحية حوارية طويلة يتبادل فيها الحوار مع زوجته أثناء زيارة باريس. من ضمن المنبهرين كان د. لويس عوض وتوفيق الحكيم و.. و..

ذات مرة كنت فى مهرجان أدبى فى فرنسا، وبما أننى لا أفهم من الفرنسية سوى بضع كلمات فقد رحت أتسلى بمراقبة الناس. لن أتحدث عن دقة المواعيد الصارمة فقد صار هذا مملاً.. لن أتحدث عن رئيس المهرجان الذى راح يجمع الأطباق المتسخة بعد المأدبة. طبعًا بعد أن يفرغ بقايا الطعام فى كل طبق فى كيس ورقى تحمله سكرتيرته.. لقد صار هذا مملاً. لن أتحدث عن زوجته الأرستقراطية جدًا التى انحنت كأنها (باتعة) العاملة الموسمية لتمسح بعض الكولا المسكوبة على الأرض.. يتصرفون بشكل طبيعى جدًا وبلا أى نوع من الادعاء.. لقد صار هذا مملاً. لن أتحدث عن الدروس الخصوصية الوحيدة التى تأخذها الأسرة؛ وهى دروس فى عزف الفيولونسيل. ليست دروس فيزياء ولا دراسات. وفى المساء تجتمع الأسرة حول المدفأة بينما تعزف ابنتهم مقطوعة قصيرة حالمة.. لقد صار الكلام عن هذا مملاً أيضًا. لن اتحدث عن الرفق بالكائنات الحية ولا اهتمامهم بباقى شعوب الأرض ومن يموتون جوعًا فى جامبيا ومن يختنقون بالغاز فى مصر.. لقد صار هذا مملاً..

لو تكلمت عن هذا كله، فلن يعدو كلامى أن أكرر قصيدة:"حاتجن يا ريت يا اخوانا.. ما رحتش لندن والا باريز". وبالطبع لن أقولها ببراعة عمنا بيرم التونسى.. لهذا يفضل المرء أن يصمت..

ثم تعود للوطن... قارن هنا بهناك..

هنا تستقبلك أخبار مبهجة.. فى طنطا بالذات وجدوا جثة فتاة عارية فى منور بناية بشارع ابن الفارض.. وماذا عن مدرب الكاراتيه شديد الخصوبة إياه؟.. بالمناسبة لماذا يحب البعض التقاط صور لأنفسهم وهم يزنون؟.. لماذا يوثقون هذه الفضيحة؟.. لا جواب عندى سوى أن هذا يدل على نرجسية مفرطة.. هو لا يشتهى النساء بل يشتهى نفسه!.. لكن هذا ليس موضوعنا على كل حال..

صراع العمالقة يبدأ بين ذلك المحامى الشهير وتلك الراقصة الأشهر.. اسكتى يا خدامة واعرفى انتى مين.. أصل انت مش راجل.. هذا بالفعل صراع العمالقة فإن كان ريحًا فقد قابل إعصارًا. هذا الصراع العبقرى يشبه معارك الديناصورات منذ ملايين السنين.. معارك تهتز لها الأرض وتتساقط الصخور، ولو دنوت أنت منها لما كان لك وزن على الإطلاق.. ستطير كريشة...

منذ كنت صبيًا أسمع القصص عن تقدم الغرب وتحضره، وعن مشاكلنا المزمنة. وحضرت ألف محاولة لتقريب الفجوة، وفى طفولتى تعلمت أن كل ما هو غربى منافق مخادع ورقيع، كما إنهم على قدر عظيم من الغباء، لكن ما سرقوه من ثرواتنا هو سبب تقدمهم، بينما المستقبل للسواعد العربية السمراء الفتية وعقولنا الجبارة التى سنحلق بها إلى العلياء والسؤدد.. السؤدد كلمة سيئة السمعة كنت أتشاءم منها فى حصص الإملاء لأن معناها خراب بيتى لأننى لن أضع الهمزة أبدًا فى مكان صحيح.. ثم صرت أتشاءم كلما سمعتها اليوم لأنها تؤدى للعكس دائمًا. تخيل خمسين عامًا من البدايات الجديدة ونفس الكلام.. فى كل مرة نفس الكلام..

حضرت مع عبد الناصر حلم مصر مركز الدوائر الإسلامية والأفريقية والعربية، وحضرت مع السادات حلم دولة العلم والإيمان، وحضرت مع مبارك حملة حب مصر وسداد ديون مصر، ويبدو أننى سأحضر مع السيسى حملة بكرة تشوفوا مصر..

لماذا لم يتغير شيء ؟.. لماذا تتسع الفجوة يومًا بعد يوم ؟

بالتأكيد كانت الفجوة أضيق بكثير أيام عبد الناصر.. وكانت أضيق بمراحل أيام الملك فاروق... فى أيام ملك مصر والسودان لم يكن هناك من يحكم على 529 شخصا بالإعدام مرة واحدة، ولا من يزعم تحويل الفيروسات إلى كفتة وهذه قمة الإعجاز..

هل يوجد خطأ معين فينا؟.. يبدو أن هذا شعور معتاد فى العالم الثالث، لأننى قرأت مجموعة قصصية للأديب التركى العبقرى عزيز نيسن؛ اسمها (لن نتقدم أبدًا). كل شعب يشعر أنه مختلف وأنه يحمل جذور فشله فى خلاياه...

المشكلة أننى بدأت أعتقد هذا فعلاً !!

العيب فينا.. ونحن من نفرز الحكومات التى تقمعنا. نحن ملايين من (سيد حبارة) الذى أرجو أن تكون متابعًا لكتاباتى حتى تعرفه. نحن بالفعل أميل للكسل وننسى بسرعة البرق، ونصدق الخرافات، ونحب الكذب ونفترى عندما نملك السلطة، ونعشق (القنعرة) ونملك درجة هائلة من القبلية (نحن فوق القانون)، ونعين أخانا إذا كان ظالمًا فقط. نعينه ضد من ظلمهم طبعًا. لدينا ولع بهدم كل شيء بنيناه لنبدأ من جديد للأبد.. لقد كنت سعيدًا مفعمًا بالبشر لأن الولد رامى المثقف خبير الإنترنت، الذى يحمل كاميرا صغيرة وحقيبة على ظهره ويهتف فى ميدان التحرير قد انتصر.. وكان ينوى تغيير كل شيء حتى جيلى نفسه.. رأيت أن هذه هى الخطوة الأولى كى نقترب من الحضارة.

اليوم عدنا لنفس النقطة من جديد وانتصر سيد حبارة على الولد رامى ومزق وجهه بالمطواة. لقد صار هذا مملاً !