قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, June 3, 2014

الفن التاسع - 1



spc
مجلة الشباب - مارس 2014

يمكن بسهولة أن استخدم الإنترنت لأجلب لك معلومات ممتعة ومهمة جدًا عن فن القصص المصورة أو الشرائط المصورة أو الكوميكس، لكني تعلمت منذ فترة طويلة أن المعلومات التي يتم جمعها بسرعة من الإنترنت سطحية وسريعة البخر. من الجميل أن تكون موجودة وأن يرجع لها المرء من حين لآخر، لكن الأجمل أن تقول ما تتذكره أنت.  دعك من أننا لسنا بصدد بحث أكاديمي لا يقبل الأخطاء ..

مثلاً سوف تجد أن جذور هذا الفن تمتد إلى عصور المصريين القدماء .. هناك جداريات تظهر تتابع أحداث يقع لشخصيات تتكلم. هناك شواهد في بابل القديمة وأشور . وعلى الأرجح هناك شواهد لوجوده في العصور الوسطى.  كل هذا جميل لكننا سنتركه لقاعات الدرس ونشعر هنا بأننا على راحتنا أكثر.


لست من جيل مجلة سندباد على الإطلاق، كما إنني لست من جيل علاء الدين وبلبل لو كنت قد لاحظت هذا!

أعرف أن هناك جيلاً كاملاً قد تربى على مجلة سندباد ورسوم الأستاذ الراحل العظيم بيكار.  الفنان محيي الدين اللباد –يرحمه الله– قال إن بيكار ترك له تركة ثقافية وفنية ظل يسددها طيلة حياته.  هناك جيل كامل من الشباب يسدد تركة اللباد الفنية .. وهكذا .. أنا لست شابًَا لكني أعرف ان اللباد موجود في كل خلية من خلايا عقلي.

عندما استطعت القراءة كانت هناك مجلات ميكي وسمير وسوبرمان وباتمان .. طبعا ككل طفل وقعت أولاً في غرام ديزني.. ديزني أخطبوط لا يمكنك الإفلات من ممصاته أبدًا. سرعان ما تقع في حب دونالد داك وسكروج وجوفي وبيجل بويز، وهم من ستعرفهم أولاً بالاسم الذي اختارته لهم دار الهلال:  بطوط ودهب وبندق وعصابة القناع الأسود  بالترتيب.  بعد هذا وقعت في أيدينا مجلات سوبرمان وباتمان .. عالم الأبطال الجبابرة الأمريكان، وهم  دومًا ضخام كالثيران مكتنزون بالعضلات، يطيرون أو يثبون في الهواء طيلة العدد.  كلهم لهم شخصيات سرية يتحولون لها عندما يتوارون .. هنا تجد ظاهرة غريبة هي أن سوبرمان يلبس ثيابه كاملة تحت بذلته، بما فيها من حرملة وحذاء طويل العنق .. ثم يصير سوبرمان فيضع ثياب شخصيته الأخرى في جيب الحرملة ومع ذلك هي ترفرف في الهواء كالعلم..

سوبر مان

النقطة الأخرى التي أثارت اهتمامي هي أنك لا تصير بطلاً جبارًا أبدًا إلا لو لبست –عدم المؤاخذة– سروالك الداخلي خارج البنطال وليس داخله !

عالم سوبرمان والوطواط عالم لا يتجاوز (هرش المخ) وسطحي جدًا، لكنه فائق الإمتاع .. دعك من أنه يلبي أحلام البطولة لدى الصبية. عندما يضربك الأولاد الأقوياء في المدرسة فهم لا يعلمون أنك سوبرمان وأنك لا ترد لأنك لو رددت لفتكت بهم.  تولت ترجمة هذه القصص الأمريكية دار لبنانية كان لإصداراتها طابع خاص، وقد همنا بها حبًا إلى أن قام وزير الثقافة المصري بوقف استيرادها. السبب أنه وجد عددًا منها يقوم فيه سوبرمان بتلقين والديه درسًا قاسيًا .. هكذا قرر الوزير أن هذه المجلة مفسدة للنشء وأوقفها. كانت هذه مأساة لنا كما لك أن تتخيل.

الزحف الأمريكي على عقل الطفل العربي والمصري.. تلك قضية مهمة وخطيرة فعلاً. هل من الصواب أن تسمح للطفل بتلقي كل شيء،  ويتولى البيت والمدرسة تربيته وتقديم البديل له؟  أم أن الرقابة عمل ضروري كما فعل الوزير؟.. بصراحة لا أملك الإجابة .. لكن لابد من أن نعترف أن قيمًا أمريكية كثيرة تسربت عبر المجلات المصورة، وهو نوع من الغزو الناعم غير المقصود .. لكن المشكلة هي أنهم بارعون فعلاً ويصلون بسرعة للطفل.  سوف تلاحظ أن ألوان سوبرمان هي ألوان العلم الأمريكي .. سوبرمان نفسه حاصل على الجنسية الأمريكية .. في مجلة ميكي يقوم بطوط بمحاولة مواعدة البطة الحسناء زيزي للأبد، ولا يتزوجها أبدًا .. لا توجد علاقة أب وأم ولكن علاقة عم وأولاد أخ ..  حتى مفهوم الأسرة نفسه مزعزع ...
لا أعتقد أن ديزني ورجاله يخططون لهذا. فقط كانوا أمريكيين جدًا ومخلصين لأمريكيتهم ..  إن كنا نحن قد تشربنا هذه القيم فهذا ليس خطأهم ..

هناك غزو عقلي لا شعوري تسرب لثقافتنا دون أن نعرف .. الفيل بابار الذي يمثل الغزو الفرنسي لأفكارنا... تان تان الذي يجلب الثقافة البلجيكية معه .. سوبرمان يحمل أمريكا في عباءته .. طرزان الرجل البريطاني الأبيض الحكيم الذي ينشر العدل في أفريقيا بسكانها الجهلة العراة ..

في كتابه المهم (نظر) يناقش الفنان اللباد موضوع البطل الغربي الذي يريدون أن يحبه أطفالنا وينجحون غالبًا .. خمسون عامًا مرت على مولد الفيل بابار الذي رسمه وكتبه الفرنسي دي برونوف .. هذا هو المثال رقم واحد: بابار الفيل الصغير الأفريقي الذي فقد أمه في الغابة، ثم وصل إلى مدينة لا شك لدينا في أنها باريس، حيث يتعلم التحضر وارتداء البذلة والقبعة .. يتعلم المشي على قدميه الخلفيتين ويصير محترمًا آدميًا، مثل آلاف الأفارقة الذين نراهم في شوارع باريس فلا نفرق بينهم وبين البشر!.. يركب السيارة ويشرب النبيذ الفرنسي ويقرأ جريدة لوموند .. ثم يعود إلى أفريقيا لينقذ ملك الأفيال ويرشحه قومه كي يصير هو الملك .. هذه القصص كتبت في الوقت الذي كانت فيه أفريقيا كلها تحت الاحتلال، وكانت فرنسا تقدم نفسها باعتبارها الدولة  الأم . برونوف لم يكن عميل مخابرات وإنما كان يترجم الحلم الاستعماري الفرنسي .. يقول إنه علينا لو أردنا أن نلحق بهؤلاء أن نتعلم المشي على قائمتينا الخلفيتين ..

 في مقال آخر يتكلم اللباد عن شخصية طرزان الرجل الأوروبي الأبيض الذي ينجح في أن يصير سيد أفريقيا وملكها .. يحكم بالعدل بين السكان السود العاجزين عن حل مشاكلهم .. يذكرنا اللباد بأن من رسموا وكتبوا هذه القصص لم يكونوا جنرالات في جيش الاستعمار ..  ولم يقدموا قصصهم من أجل أطفالنا بل لأطفالهم هم، لكننا تلقفنا هذه الثقافة واعتبرناها ثقافتنا..

في نفس الوقت كانت هناك مجلة أطفال أخرى مهمة هي سمير .. في البداية كانت تقدم شخصية فرنسية اسمها (سبيرو) يرسمها فنان اسمه (برني)، ومع الوقت صار (سمير) عربيًا أكثر فأكثر .. اسمر لونه وتجعد شعره وصار يشتري الفول ويأكل الكنافة في رمضان، ورسمه عدة فنانين مثل التهامي وحجازي ونسيم جرجس ..

 هؤلاء الفنانون العرب كانوا مؤمنين بأن الطفل يمكن أن يستوعب أي شيء وأية معلومة، ما دامت تقدم له مبسطة جذابة، هكذا قرأ الطفل المصري البطولات العربية والفتوح الإسلامية والأدب العالمي وتاريخ الاختراعات وكشوف الطب .. قرأ هذا كله وهو يستمتع. والتجربة العربية المماثلة التي تحضرني الآن هي مجلة (أسامة) السورية . فيما عدا تجربة سمير ظلت المحاولات العربية خطابية تعليمية ينفر منها الطفل وترضي الآباء والمربين جدًا ..  لكن الطفل في النهاية يخلو بنفسه فيفضل أن يستمتع بمجلة ميكي أو سوبرمان متقنة الصنع مثيرة الأحداث.

في العام 1972 تقريبا ظهرت مجلة غريبة هي تجربة متفردة في كل شيء.. مترجمة عن الفرنسية . عرفنا فيما بعد أنها تصدر عن دار لومبارد البلجيكية. كانت المجلة تترجم وتصدر عن دار الأهرام في طباعة أنيقة وسعر باهظ بالنسبة لمجلات تلك الفترة، وكانت تان تان هي النافذة التي أوصلت لنا الثقافة الفرانكفونية بعد بابار .. وكان يعمل فيها فنانون على مستوى عال من الموهبة، مع أفكار متجددة ورسوم مبهرة .. ومنها تعلمنا تعبير (الشرائط المصورة ) أو (باند ديسينيه)...وهو اسم فرنسي يدل على قصص الستريبس.

بعد فترة توقفت تان تان بسبب صعوبات مالية، وهكذا كان علينا أن نتوقف عن متابعة فن الكوميكس أو نكتفي بمجلتي سمير وميكي. المشكلة في هاتين المجلتين أنك تهيم بهما حبًا في أول العمر وفي آخره  فقط!.. هناك فترة في الوسط تشعر فيها بأن ميكي لا تروي ظمأك الثقافي، كما أنك لم تشخ بما يكفي لترى الفلسفة الخفية العميقة في تلك الأعمال الرائعة التي تبدو كقصص أطفال .

غلاف لمجلة تان تان من موقع أراب كوميكس

حسن .. كانت هذه المقدمة الطويلة لأقول إنني من جيل تان تان ..!

فيما بعد عرفت أن فن القصص المصورة ليس مخصصًا للسن الصغيرة فقط .. رأيت مجلات الفيومتي الإيطالية فأصابني الذعر من كل هذا الفحش الجنسي . (فيومتي) لفظة معناها دخان، وهي تشير للبالونات التي تخرج من فم الأبطال.  رأيت كذلك مجلات مثل (هيفي ميتال) وهي استعراض فني مذهل لمواهب رسامين على أعلى مستوى، لكنها كذلك ترتاد مناطق جريئة جدًا ووقحة ... لا شك أن الجنس الشهواني عنصر أساسي في قصص الستريبس المخصصة للكبار.

ظللت منبهرًا بفن الستريبس، وعرفت فيما بعد أن اسمه (الفن التاسع) .. هو فن فريد يقف بالضبط حيث تلتقي عدة دوائر هي الرسم والأدب وفن السينما ..  لا جدال في أن هناك جزءًا سينمائيًا مهمًا في هذا الفن، مع زوايا الكاميرا وتشكيل الكادر. في بعض قصص تان تان كان بطل القصة يصرخ أو يسمع انفجارًا فيخيل لي أنني أسمعه .. لا غرابة في أنهم يصنعون (ستوري بورد) للأفلام قبل تصويرها وهي تشبه سردًا للفيلم عن طريق الستريبس.

هناك قواعد معينة يتعلمها قارئ القصص المصورة مع الوقت.  مثلاً الشخصيات تتكلم بالبالونات فوق الرأس .. البالون العادي.. هناك بالون مجعد يشير إلى أن الشخصية تفكر .. هناك بالون حاد كالزجاج المهشم يدل على الصراخ .. بالون متقطع يشير إلى الهمس .. هناك بالون يمتلئ بأشياء مبهمة مثل سكين ورأس خنزير ومدفع وحذاء . هذا بالون يشير إلى شتائم بذيئة .. البالون الذي تجد فيه مصباحًا يشير إلى فكرة عبقرية خطرت للبطل ... عندما يغتاظ البطل يخرج منه دخان أسود يدل على الشياط .. هناك قطرات عرق تتطاير كلما بذل جهدًا..

نفس الشيء ينطبق على حدود الكادر..  الكادر المجعد يشير إلى حلم أو ذكرى .. أحيانًا يخرج طرف أو طرفان من الكادر ليدخلا كادرًا آخر.  هناك كادرات منظمة مريحة مثل كادرات قصص هيرجيه، وكادرات متداخلة فوضوية مثل كادرات مجلات سوبرمان الحديثة حيث لا تعرف أبدًا اتجاه القراءة ولا ما تنظر له أولاً. هناك كادر انفجار حيث تتطاير الأشلاء في كل اتجاه مع كلمة (بووم) أو (كاتافلام) ..

تعلمنا كذلك معنى كلمة (يتبع) أو (البقية في العدد القادم) في نهاية الصفحة .. هذا شيء يحطم الأعصاب .. سيكون عليك أن تنتظر أسبوعًا كاملاً، بينما القصة انتهت في لحظة تشويق مريعة Cliff hanger حيث رصاصة تنطلق نحو البطل أو هناك من يهاجم البطلة .. دعك من أن مجلات مثل (المغامر) و(بساط الريح) لم تكن تهتم باستكمال القصة أبدًا ..

قدمت الكثير من سيناريوهات قصص الستريبس، معظمها مع فنان عظيم الموهبة هو فواز.  ثم بدأت أشعر أن هذا الفن انقرض تمامًا في مصر ولم يعد هناك من يهتم به. كان هذا عندما وقعت على شاب متحمس اسمه (هاني الطرابيلي) وموقع على شبكة الإنترنت اسمه (أراب كوميكس)..

هذا هو ما سأحكيه بالتفصيل في المقال القادم إن شاء الله.