قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Tuesday, July 1, 2014

الافتراس - 3



spc


يوسف إدريس عبقرى لم يجد الزمان بمثله إلا نادرًا، ولا شك أن جائزة نوبل كانت أضيق أفقًا من أن تتشرف بفوزه بها، بينما تُمنح غالبًا لكتاب أقل عبقرية منه بما لا يقاس. السنة القادمة سوف يفوز بها اسم مثل (ريكاردو بالانوزا كوفاليرا) الأديب المسرحى البيروفى صاحب الرواية الرائعة (صباع رجل زوج خالتي).. أو اى اسم آخر يمكنك أن تخترعه.

مغرور؟ هذا ما قالوه عن يوسف إدريس. هذا من حقه لو صح.. الجميع يعانون حالة متقدمة من تضخم الذات، فلا بأس أن نسمح ببعض الغرور لمن هم متميزون فعلاً مثل يوسف إدريس وبرنارد شو ومحمد على كلاى وسلفادور دالى. كلما حاولت أن تستشهد على شىء وجدت قصة من قصصه تلخص الموقف ببراعة.

هناك قصة قصيرة ممتعة له عن قرية.. فى القرية رجل ضئيل الحجم غريب الأطوار يسخر الناس منه ويندهشون من سبب تأخره فى الزواج. يفجر الرجل قنبلة فى القرية كلها عندما يعود ذات يوم ومعه عروس من البندر.. عروس بادية الضخامة يتناقض منظرها بشكل عجيب مع حجمه الضئيل. مغطاة بنقاب أسود فلا يعرف أحد أى شىء عن ملامحها، والرجل حريص على ألا يرى أحد أى طرف منها.. لكن الناس ظلوا يتساءلون فى سرهم عن العلاقة بين الرجل غريب الأطوار وزوجته، وهو التساؤل المضحك الذى يجول بذهن الناس دومًا عندما يرون زوجة ضخمة مع زوج ضئيل الحجم. والنساء لا يستطعن زيارتها فى دارها.. الرجل يحيطها بسور سميك من التحفظ. لكنه يعترف بأنه يحلم بولد يخلفه.. لا شىء فى العالم يفوق هذا الحلم.

ذات ليلة يظهر الرجل وهو يصرخ كالنساء ويهيل الغبار على رأسه طالبًا الغوث. الزوجة تلد والداية فشلت فى أن تخرج الجنين.. الجنين محشور فى وضع خطر ينذر بهلاكه وهلاك الزوجة معًا. لا حل سوى نقل المرأة للمستشفى فى البندر..

ثمة مشكلة أخرى هى أن الرجل يقيم فى بيت طينى مرتفع عن الأرض، وهذا يجعل نزول الزوجة صعبًا جدًا. هكذا يأتى رجال البلد الجدعان ويصنعون سلمًا خشبيًا.. ويبدأون عملية إنزال الزوجة، وهى مغطاة بملاءة سرعان ما تسقط ليظهر رأس الجنين المحشور بين الفخذين. هوب يا جدع.. امسك كويس!.. والزوج يساعد الرجال ويطلب من هذا أن يمسك بها جيدًا، ومن هذا أن يبعد هذه الساق.. والشباب ينادون بعضهم للعون وهكذا... استغرق الأمر ساعة حتى تم إنزال الزوجة بعد ما تعرت كما لم يتعر أحد من قبل. وفى النهاية تذهب إلى المركز.. وهناك ينجو طفلها. طبعًا لم يعد الزوجان للقرية بعد ذلك وإنما اختار الزوج قرية أخرى، ولم يسمع أحد عنه بعدها قط.

ترينا هذه القصة كيف أنك تقيم حدودًا لشيء معين فى حياتك، وفجأة تسقط هذه الحدود وعندما تسقط فإنها لا تفعل ذلك على مهل أو ببطء، بل تنهار انهيارًا. كل تحفظ هذا الزوج انهار فجأة وصارت زوجته مشهدًا مشاعًا لدرجة أنه ممل.

لا شك أن قتلك لأول شخص يجعل قتل الثانى أسهل بكثير. قديمًا حكى لى شاب شيوعى ثورجى اعتقل مرارًا أن كل شيء فى حياته تغير بعد أول صفعة تلقاها فى المعتقل.. جبل هائل من الوقار والتحفظ والكرامة انهار فى لحظة، وبعدها صار شخصًا آخر ولم يعد لديه ما يخشاه.

قصة يوسف إدريس تنطبق بشدة على حال مصر اليوم، فنحن نرى أشياء لم نكن نجرؤ على التفكير فيها وقد انهار الجدار لتصير ظاهرة معتادة وشائعة. كانت الدنيا تنقلب لحادث تحرش واحد، واليوم نرى امرأة مجردة من الثياب يرغمونها على المشى عارية أمام الكاميرات فى ميدان فيه مليون شخص، ونعرف أنها وقعت على وعاء معد لشرب الشاى فيه ماء يغلى فاحترقت، لكن هذا لم يعفها من الانتهاك. كم مرة قرأت مثل هذه الشهادة مؤخرًا: «قالت إحدى الفتيات فى التحقيقات، إن 5 شباب خلعوا ملابسها بالقوة أثناء وجودها أمام المنصة، وتمكنت من الهرب منهم بين الحشود المتواجدة فى الميدان بأعجوبة، بينما قالت أخرى إنها فوجئت بشخص يضع سكين فى ظهرها ويجبرها على السير معه، ثم هرب المتهم بعدما استغاثت بصوت عالٍ». لقد تم خرق الجدار المحيط بتابو الجسد الأنثى.

فيما مضى كنا نملأ الدنيا صراخًا عندما يستشهد واحد مثل عماد عفت أو مينا دانيال أو جيكا أو الحسينى أبو ضيف أو خالد سعيد.. أو.. أو.. اليوم صار معتادًا جدًا أن نسمع عن مئات القتلى أو المحكوم عليهم بالإعدام أو مصرع مئة شخص فى يوم واحد. لقد سقط الجدار واخترق تابو الحياة البشرية.

رأيت بعد امتحانات الثانوية العامة فتاة تصرخ فى غضب متنمر لأن المراقب يشدد على اللجنة.. وانضمت لها أمها الأكثر شراسة لتشتم المراقب وتقول أنه قال أنه سيطبق شرع الله، ثم تتساءل بلهجة ذات معنى تخاطب بها رجال الأمن طبعًا:«شرع الله يعنى إيه؟.. يعنى إيه؟». على قدر علمى لم يكن الطالب الذى يخرج من الامتحان عاجزًا عن الغش يقف ليشتم المراقب أمام الكاميرا من قبل، فكيف يملك الشجاعة ليشعر بأنه مظلوم؟ ومن أين أوتى هذه البجاحة؟. دعك من أن الأم استحضرت التهمة الجاهزة سهلة التصديق. المراقب لم يسمح لابنتها بالغش إذن هو متطرف أو إخوانجى! ولا شك أن جهات الأمن تتلقى العديد من الشتائم الكيدية ضد أشخاص تختلف معهم فتتهمهم بأنهم متطرفون. لقد انهار تابو العدالة وتكافؤ الفرص و(من جد وجد).

مصر أقوى من هذا كله، وسوف تصمد وتستعيد عافيتها حتى بعد رحيلنا نحن، لكن الحقيقة التى لا شك فيها هى أننا نعيش أيامًا سيئة.. أيامًا صعبة. ومن جديد أستعيد قصيدة قديمة لبرتولت بريخت أستعملها دائمًا: «الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها..الجبهة الصافية تفضح الخيانة.. والذى ما زال يضحك لم يسمع بعد بالنبأ الرهيب..».