قصاصات قابلة للحرق

Thursday, August 28, 2014

فنّــان



spc


طويلة هى رحلة الحب التى جمعتنى بخطوط مصطفى حسين الكاريكاتورية، تعود إلى أوائل السبعينيات مع أروع مطبوعات أطفال عرفتها مصر، وفى الفترة الذهبية لدار الهلال مع العظيمة نتيلة راشد (ماما لبنى أو مامانا). عندي ترجمة رشيقة لرواية (بلا عائلة) الشهيرة لهكتور مالو. رسمها فنان شاب اسمه مصطفى حسين. لم أنس الاسم قط لجمال الرسوم ورشاقتها، دعك من الدقة البالغة من فنان قرأ القصة حرفًا حرفًا، ويمكنك فهم القصة كاملة لو اكتفيت بمشاهدة رسومه، وقد قضيت ساعات طويلة فى طفولتى أحاول تقليد هذه الرسوم البارعة. بعد هذا ظهر ألبوم من نفس الدار اسمه (التنين الضاحك) – ما زال عندي على فكرة – فيه منافسة رسم مذهلة بين أسماء مثل التهامى وحلمى التونى ومصطفى حسين الذى احتفظ بقدم راسخة بين هؤلاء الجبابرة، وكل منهم يرسم قصة أطفال عالمية كما يراها. أذكر كذلك غلاف مجلة آخر ساعة الذى رسم عليه أفراد أسرة التحرير بشكل متميز ساخر، ومن بينهم رجل أبيض الشعر يقف بالقميص وربطة العنق يتثاءب.. هذا الرجل هو أحمد رجب الذى سيرتبط مصيره بالفنان لعدة عقود. رسم مصطفى حسين نفسه وهو يضع توقيعه فى ركن الصفحة. الشاب فارع الطول بالغ النحول الذى يتدلى شعره على كتفيه.

كانت السبعينيات هى فترة توهج نجم مصطفى حسين، حيث سيرتبط مع مؤسسة أخبار اليوم منذ عام 1974 ويصير علامة لها. بزغ كالشمس مع الوقت، وخاصة مع تلك الشخصيات التى ابتكرتها قريحة رفيق عمره أحمد رجب وريشته الساحرة. صار قاسم السماوى وعزيز بيه الأليت وكمبورة ضيوفًا فى كل بيت. وفى كل مكتب كان الكلام يدور أولاً مع شطائر الفول والشاى حول ما قاله قاسم السماوى أو كمبورة اليوم، وماذا فعلت الوزارة فى المغارة.. وأعتقد أن 90% من قارئي الصحف كانوا يبدءون برؤية كاريكاتور مصطفى حسين ونص كلمة أحمد رجب ثم يطالعون صفحتي النعي بسرعة، وغالبًا لا يقرءون حرفًا بعد هذا. هناك شخصيات ظريفة جدًا لكنها لم تلق النجاح الكافي، ومنها كابتن أوزو لاعب الكرة البلطجي الذى يلبس شبشبًا بصباع، والذى يمزق الحكام بمطواة قرن غزال، وسيد كانتللو المسئول المرتشي الذى يملك أكبر درج مكتب شمال فى العالم لتلقى الرشوة فيه، ويجري مناقصات لتوريد أدراج مكتب شمال أوسع.

فى نفس الفترة كان هناك عبقري آخر راسخ المكانة هو صلاح جاهين، وكان يرسم أفكاره الخاصة طبعًا، لكن ظل صلاح جاهين أقرب لذوق الصفوة والمثقفين والانتلجنسيا، بينما كان مصطفى حسين أقرب لذوق المواطن العادي الذى لا يقرأ. إن المقارنة بين العبقريين تشبه المقارنة بين محمد عفيفي وأحمد رجب.. الأول يخاطب نفس العقول التى تحب أوسكار وايلد ومارك توين، بينما الآخر أقرب للمزاج الشعبى. بالتالي كانت رسوم مصطفى حسين الأكثر انتشارًا ونجاحًا، ولفترة طويلة كان كل من يرسم الكاريكاتور يقلد مصطفى حسين بذات شخصياته، بينما لا يحضرني مثال لشاب واحد يقلد صلاح جاهين. إنه هو السهل الممتنع.. مصطفى حسين نفسه قال أمامنا فى ندوة إن هناك رسامًا يقلده بشدة لدرجة إنه يطلق عليه (مصطفى حسين تقفيل تايوان). لكن تذكر أن أحدًا لم يرسم ميكى ماوس قبل ديزني.. أى طفل يستطيع بإصبع واحدة أن يعزف (أهواك) لكن أحدًا لم يعزفها قبل عبد الوهاب..

أى فنان حقيقى يعرف جيدًا قيمة مصطفى حسين، وقد قال لى صديق رسام موهوب: «لقد خلق مصطفى حسين أنماطًا وحلولاً بصرية لا سابق لها.. وبالنسبة لرسم البورتريه هو الفنان الوحيد على مستوى العالم الذى نجح فى نقل روح صدام حسين لا ملامحه فقط.. إنه الأستاذية تمشى على قدمين..». هناك مشكلة لدى كل رسامي العالم فى نقل ملامح صدام حسين يرحمه الله، لكن مصطفى حسين ببضع ضربات بالفرشاة جعله يوشك على الكلام. تذكر لمسات كادر كمبورة بجفونه المنتفخة من الحشيش، وعبعزيز الوغد بشاربه الرفيع الذى يمكن أن يفعل أى شيء.. والمرأة الخليعة شبه العارية أو حذاءها الملقى بإهمال على الأرض. لم أر قط من يرسم (الصيع) وأصحاب السوابق والمشبوهات مثله، وهذا مدح على فكرة.

كان مصطفى حسين موهبة مذهلة، لكنه بالتأكيد لم يصطدم بالسلطة قط ولم يكن معارضًا جريئًا يصعب إسكاته مثل عم حجازي أو عمرو سليم. أعنف نقد مارسه هو فلاح كفر الهنادوه الذى كان يرسمه جالسًا أمام رئيس الوزراء، ثم يخرج بالون عملاق من فم الفلاح فيه مقال يوجه النقد للحكومة بأسلوب (الحكومة الفاشلة لا تنفذ تعليمات السيد الرئيس جيدًا). أحببت كل خط رسمته يد مصطفى حسين، لكنى بالتأكيد أحبه أكثر عندما يبتعد عن السياسة.

فى الحقيقة كانت طبيعة الصحف القومية تجعلها موجهة فقط لشخص واحد تحرص على رضاه. وإذا كانت أعمال مصطفى حسين مع أحمد رجب قد وصلت للجمهور الواسع برغم هذا فلأن موهبتهما مذهلة. كان أنور السادات يكره مجلة روز اليوسف بشدة عندما كانت إدارتها شيوعية، فلما تغير طاقم التحرير سألوه عن رأيه فى مسار المجلة الجديد. قال باسمًا: «ممتاز كده.. أنا ما بقيتش أقراها!».. شخصية قاسم السماوى هى استجابة لكلام السادات عن (مجتمع الحقد)، و(عزيز بك الأليت) هو استجابة لكلام السادات عن البهوات والأفندية الأرذال. عندما قال السادات إن القذافى مجنون صارت كل رسوم القذافى تظهره بالكسرولة على رأسه وهو جالس على قصرية.. فى أيام مبارك كان هناك ذلك الرسم الذى يظهر المعارضة تنبح كالكلاب بينما رجل يقول للآخر إنهم شموا رائحة الديمقراطية فأصابهم السعار.. ويقال إن هذا الكاريكاتور الذى أغضب المعارضة هو اعتذار من الفنان عن كاريكاتور سابق أظهر فيه مصر امرأة انتفخ بطنها بالديمقراطية، وتساءل إن كان هذا حملاً كاذبًا أم لا. فى كل زمن كان بوسعك أن تدرك الاتجاه الرسمى للحكومة عندما ترى الكاريكاتور الذى رسمه.

لكنى بصراحة لا أبالى بهذا.. هناك من يحملون رأيًا مشابهًا بالنسبة لمحمد حسنين هيكل أو الأبنودى، لكن لم تتناطح شاتان فى كون هؤلاء جميعًا موهوبين بلا حدود.

فى 16 أغسطس 2014 فقدت مصر فنانًا من الصعب أن يتكرر.. وبالتأكيد لن يظل فن الكاريكاتور فى مصر من بعده كما كان من قبله