قصاصات قابلة للحرق

Thursday, September 18, 2014

عن روايات المفتاح



spc

«هيام» تحب الشاب الوسيم «سمير»، فيتزوجان … ويشق «سمير» طريقه لِقمَّة المجتمع من خلال قصة كفاح مضنية … هنا تظهر الحسناء «ماهي» وتقرر أن هذا هو الوقت المناسب ليكون «سمير» لها. تصاب هيام بصدمة وتقتل نفسها … «سمير» يصاب باكتئاب ويعتزل المجتمعات.


هذا مثال لرواية يمكن أن تنتشر في المجتمعات الثقافية ويهتم بها الجميع، لكن ليس لأسباب أدبية بحتة؛ وإنما لأنها تنطبق بشدة على مثال يعرفه الجميع: السيدة «عزة» … السيدة «عزة» التي تزوجت من السيناريست الشاب «عزيز»، وشَقَّا طريقهما معًا، وكُتِبَ للزوج النجاح والشهرة، ثم ظهرت الفنانة «فتكات» وقررت أن هذا هو الوقت المناسب لتُقَدِّمَ السيناريست الوسيم مكافأةً لنفسها … يسقط السيناريست في الشَّرَكِ ويقع في حب الفنانة أو اشتهائها بمعنًى أدق، وتصاب زوجته المُحِبَّةُ بصدمة قوية فتبتلع السم وتقتل نفسها … يصاب «عزيز» بالاكتئاب وينعزل عن الحياة ويكف عن الإنتاج.

الكل يعرف القصة لكن لا أحد يجسر على البوح بها، إلى أن تظهر رواية اسمها «هكذا فقدت حبيبي»، كتبتْها مؤلفة جديدة اسمها «عفاف»، وسرعان ما يكتشف من يُطالعون القصة أن «عزة» هي نفسها «هيام». لقد وجدوا المفتاح الخاص بالرواية، وعلى الفور تتفكك كل الرموز الأخرى وتكشف عن وجهها. «عزيز» هو «سمير» … «ماهي» هي «فتكات» … إلخ.

يقرأ الناس القصة في استمتاع ويعرفون أسرارًا غابت عنهم طويلًا … وتتحرك فيهم لذة التلصُّص التي تُشعِرهم بأن لديهم كاميرا خفية تراقب بيوت الآخرين. أما الفنانة «فتكات» فعاجزة عن مقاضاة صاحبة الرواية، ولا تجسر على أن تعلن أنها ليست بطلة القصة… هل اتهمك أحد بذلك أصلًا يا سيدتي؟

هذه هي الرواية ذات المفتاح Roman à clef أو الرواية المُقنَّعة، وهي رواية نشأت في القرن السابع عشر وكانت لها شعبية عظيمة. بالطبع هناك طريقة أخرى للفضائح كما تفعل الصحف الصفراء: «الفنانة ف. م. ل. على علاقة مع السيناريست الشاب ع. س. ي. وأخذته من زوجته ع. ص.» هكذا يمضي الناس وقتًا ممتعًا في محاولة تفسير المقصود من الحروف، لكن يعيب هذه الطريقة أنها لا تقدم الإثارة القصصية التي تقدمها الرواية ذات المفتاح، كما أن الأخيرة تُعطِيك في النهاية نوعًا من «الغفران الأدبي» لنفسك يختلف عمَّا تشعر به وأنت تقرأ صحافة الفضائح. دعك من أن الرواية تمزج الكثير من الخيال بأحداث القصة فتجعلها أمتع.

ابتكرت هذه الروايات الأديبة الفرنسية مودموازيل دو سكودري. ومنذ ذلك الحين تعددت الروايات المماثلة، وتباين مستواها بين أعمال فنية خارقة وأعمال سطحية تشبه صحافة الفضائح.

من الروايات ذات المفتاح الشهيرة، نجد «مزرعة الحيوان» تحفة جورج أورويل. يسهل جدًّا أن تبدل الشخصيات لتعرف أننا نتكلم عن مجتمع شيوعي، وأن الرفيق نابليون هو ستالين، وسنوبول هو تروتسكي، والرفيق الديماجوجي زلق اللسان هو ماكسيم جوركي. أي طفل يعرف هذا … فقط دعه يستنتج أن نابليون هو ستالين ولسوف تتفكك خيوط الغموض كلها. هنا تلعب موهبة الكاتب الأسطورية دورًا مهمًّا يجعل هذا عملًا أدبيًّا راقيًا وليس مجرد ألعاب الحروف الأولى.

«القمر وستة بنسات» تحفة سومرست موم، تتحدث عن الفنان العظيم جوجان الذي هجر نجاحه وأسرته لأنه يريد أن يرسم، واعتزل العالم في جزيرة تاهيتي إلى أن مات بالجذام في كوخ أغلقه عليه.

هناك رواية «جلينارفون» التي تحكي مؤلفتها عن عَلاقة امرأة اسمها جلينارفون بالشاعر لورد بيرون … طبعا المرأة هي نفسها المؤلفة كارولين لامب.

استطاع الغربيون بسهولة أن يدركوا أن فيلم «المواطن كين» تحفة أورسون ويلز يتكلم عن ويليام راندولف هيرست ملك الصحافة الأمريكي، وبالطبع لو اعترف أورسون ويلز بهذا لخرَّب ورثة هيرست بيته. أما عن رواية «الأمريكي القبيح» التي صدرت عام ١٩٥٨، فهي رواية شهيرة جدًّا تتحدث عن الفظائع التي ارتكبها الأمريكان في بلد آسيوي وهمي اسمه صارخان … يدرك القارئ بسهولة أننا نتحدث عن فيتنام. في رواية «الشيطان يلبس البرادا» التي كتبتها لورين وايسبرجر عام ٢٠٠٣ يدرك القراء أنها تتكلم عن مجلة «فوج» وعن السيدة رئيس التحرير الطاغية آنا وينتور، وقد أنكرت المؤلفة ذلك لكن القراء جميعًا فهِموا …

في فيلم «الكاتب الشبح» الذي قدَّمه بولانسكي عام ٢٠٠٧، عن رواية روبرت هاريس. يعرف القارئ أن بطل القصة آدم لونج هو نفسه توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق. هناك رواية ضخمة لسيمون دو بوفوار عن مثقفي باريس، يسهل أن تستنتج كل الأسماء لو عرفت أن بطلة القصة آن هي نفسها سيمون دي بوفوار، وزوجها روبير دوبروي هو نفسه سارتر عشيق المؤلِّفة. هكذا تعرف على الفور من هو ألبير كامو ومَن الآخرون. تُرجمت الرواية للعربية باسم «المثقفون»، لكني لا أعرف كيف أترجم عنوانها الإنجليزي الذي يعني «اليوسفي»!

بالنسبة لكُتَّاب العربية نجد أنهم يمارسون خليطًا من الرواية المفتاح والرمز Allegory والاستعارة Metaphor. الفارق بين هذه المصطلحات خافِتٌ جدًّا ويحتاج إلى أن تكون دارسًا للآداب، وهو ليس الحال معي طبعًا، لكن أعرف أن كُتَّاب الستينيات بالذات كانوا يتحايلون كثيرًا لقول ما يريدون، والفرار من المعتقل في الوقت نفسه. رواية «شيء من الخوف» لثروت أباظة نموذج ممتاز لهذا الخليط من الرمز والرواية المفتاح … أصغر طالب في المدرسة الابتدائية يعرف أن فؤادة هي مصر ويعرف مَن هو عتريس؛ وبالتالي فالقصة واضحة وما يرمي له الكاتب واضح، والحقيقة أن الأمر كان واضحًا بالنسبة لعبد الناصر كذلك، لكنه قرر ترك الرواية تمر. كان كُتَّاب الستينيات مولَعِين كذلك بأنماط معينة؛ فمصر هي بنت البلد العفيفة الأصيلة التي يطمع فيها الخُطَّاب … المصري هو ابن البلد «القهوجي»… إلخ. موضوع العمارة التي يعيش فيها السكان تحت نير صاحب عمارة طاغية يقطع عنهم الكهرباء والمياه ويعطل المصاعد … هذا تناوُل شائع جدًّا. قصة فيلم «القضية ٦٨» لصلاح أبو سيف التي كتبها علي عيسى، يمكن تلخيصها كما جاءت في موقع السينما: يُكَوِّنُ سكان الحارة من بينهم لجنة لخدمة أهالي الحي الذي يعيشون فيه، يرأسها صاحب منزل في الحارة يرى أن حل المشكلات يجب أن يكون بالمصالحة، بينما يرى أحد أعضاء اللجنة المحامي حنفي أن يكون المرجع هو القانون؛ لأن للقانون احترامه وقدسيته، ويعارض الرأي عادل طالب الطب الذي يرى أن القانون يجب تغييره جذريًّا … يتصدع المنزل في الحارة؛ لذا يحاول الانتهازيون داخل اللجنة أن يصلحوه، بينما يزداد الشرخ في جدار المنزل ويسقط فعلًا ويموت الانتهازيون أسفل أنقاضه. أعتقد أن استنتاج المفتاح سهل.

لم أحب قط رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، التي كانت أول رواية يكتبها بعد ثورة يوليو، ومُنِعَ طبُعها في مصر برغم أنها نُشِرَتْ مسلسلةً في الأهرام، وكادت تؤدي لمقتل مؤلفها. نالت شعبيةً كبيرةً؛ لأنها تمثل تحديًا محببًا يمارسه المثقفون ضد التطرف، وتقريبًا قدمتها كل فِرَقِ الشباب المسرحية. لم أحب الرواية ليس لأسباب دينية؛ بل لأنها نوع واضح وسهل جدًّا من رواية المفتاح ويمكن بسهولة استبدال الأسماء، ولم أشعر فيها بالجذوة الفنية الحارقة التي تُمَيِّزُ أعمال نجيب محفوظ كلها، وأعتقد أنه لم يحب هذه الرواية فعلًا وأراد أن ينساها الناس، لكنها ظلت تطفو على السطح ويعاد طبعها بلا توقف.

للكاتب محمد جلال رواية اسمها «عطفة خوخة» (١٩٧٥) تتحدث عن حارة حقيقية، كما عوَّدَنا الكاتب على أن يكون المكان بطل قصصه كلها. هنا أهل الحارة يتساءلون عن المظالم التي يمرون بها، ويتساءلون عن عبد الهادي فتوة العطفة الغامض القوي … ألا يعرف هذا؟ ألن يرفع عنَّا هذا الظلم؟ لكن عبد الهادي في برج عاجي ولا يبدو أنه يهتم. نالت القصة رواجًا عظيمًا وقتها؛ لأن الكل فهم أنها تتكلم عن عبد الناصر، ورأيي أنه لو قدمها في التسعينيات لأهدروا دَمَ المؤلف؛ لأنهم سيعتقدون أنه يتكلم عن معنًى أكبر!

رواية «همام وإيزابيل» لأسامة غريب رواية مفتاح أخرى لكنها كُتِبَتْ بحُبٍّ واستمتاع، وقد أدرك الناس بسهولة عمَّن تتحدث، وبالطبع لا أستطيع ذكر أسماء هنا. أنت تعرف!

هكذا تتأرجح الرواية المفتاح بين الاستسهال وطريقة صحف الفضائح، وبين الأعمال الأدبية شديدة الرقي