قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Thursday, October 23, 2014

نادى الرفق بالإنسان



spc


هي قريبة لي. أستاذة جامعية طيبة المنشأ مرهفة الحس وقد تمت تربيتها جيدًا. قريبتي هذه ذهبت إلى السوق لتبتاع لوازم البيت من خضر. قالت لي إنها رأت امرأة عملاقة بحجم المصارعين الرومان، تقف على منضدة عليها بعض السلال البلاستيكية المليئة بالسمك. كانت هناك مجموعة من القطط الجوعى التي تحوم حول المرأة وتتلمظ مطالبة بوجبة الإفطار. للقط طريقة ساحرة عندما يقف (في غلب) ينتظر الفرج وفي عينيه نصف المغمضتين نظرة تجمع بين الملل والشوق والضيق. لكن من قال إن امرأة بحجم المصارعين الرومان تهتم بقط جائع؟

قريبتي لم تتحمل المشهد كثيرًا، فابتاعت كيلو جرامًا من السمك البلطي الصغير، وهو رخيص الثمن جدًا. عبأته لها البائعة في كيس من البلاستيك. تراجعت قريبتي ثم بدأت تضع السمك على الأرض أمام القطط العاوية التي لا تصدق نفسها. راحت ترقب المشهد في رضا ثم ابتعدت بضع خطوات. 

لا أعرف لماذا قررت أن تلتفت للخلف، فرأت أن البائعة وثبت كالقرد تجمع السمك من على الأرض في لهفة، وتعيد غسله لتبيعه من جديد بينما القطط لا تصدق ما يحدث.

عادت قريبتي للبائعة محنكة وقالت: إنها اشترت السمك فصار من حقها أن تصنع به أي شيء. لم تعلق البائعة وظلت تنظر لها في صمت. نثرت قريبتي السمك من جديد وانصرفت ولم تعرف ما تم بعدها. من العسير أن تقضي اليوم كله تحرس السمك لتضمن وصول الدعم لمستحقيه.

لما حكت لي القصة استشطت غضبًا. قلت لها إنها تصرفت بحماقة وسذاجة لا مثيل لهما. الرفق بالحيوان شيء رائع، لكن مستوى الفقر والجوع في مصر يجعل هذه الأمور ترفًا مستفزًا. لابد أن كل من رأى المشهد نظر لها بكراهية وحقد ولربما دعا عليها. ثم أنها أهانت البائعة عن غير قصد وأهانت الفقراء الذين تعتبر هذه الأسماك الصغيرة وجبة شهية كاملة لهم. باختصار بدت لهم ثرية مستهترة لا تبالي بالمال. أمثالها كانوا يقادون للمقصلة أيام الثورة الفرنسية ليتلذذ العامة برؤية رأسهم يتدحرج.

الرفق بالحيوان شيء رائع لكن يجب أن يمارس بحذر تام، خاصة عندما يحتاج الناس إلى من يرفق بهم بدورهم.

اعتاد ابني أن يبتاع لكلبه أرجل الدجاج، ثم عافت نفس الكلب هذا الطعام اللعين فبدأ يبتاع له هياكل الدجاج، ثم خطر له أن يجرب اللحم المجمد المستورد أحيانًا. أوصيته ألف مرة ألا تبدر منه أي كلمة تدل على أن هذا اللحم للكلب. في هذا استفزاز شديد للمشاعر. تذكرت مشهدًا رائعًا لعادل إمام في فيلم قديم لا أذكر اسمه. هناك دستة أفلام تصوره فقيرًا جائعًا، ثم تهبط عليه ثروة أو يجد حقيبة ضاعت من عصابة أو يعمل محللاً أو... المهم أنه كان مفلسًا يشتري عظمة من الجزار ويكرر (عاوزها للكلب). يسأله الجزار عن حجمها فيقول (للكلب). ينظر له الجزار في شك ويقول ملوحًا بالساطور وعيناه بلون الدم: "شكلك مش ممكن يكون عندك كلب أبدًا!". فيقول عادل إمام في كبرياء: "هو اللي عندهم كلب بيبقى شكلهم عامل ازاي؟". الحقيقة أنني حرصت على ألا يبدو على ابني أنه يملك كلبًا!

في كتاب قديم للروائية التي لم تلق حقها من الشهرة (جاذبية صدقي)، تحكي عن رحلتها لأحياء القاهرة الفقيرة. ركبت الحافلة وسط مظاهر البؤس والفقر، فوجدت رجلاً مسنا خشنًا ينظر لحقيبتها ويقول: "حاسبي على شنطتك يا شابة. لأحسن باين عليكي لخمة قوي! شكلك أول مرة تركبي أتوبيس". قالت في سذاجة وخيبة: "لا والله. أنا ركبت الأتوبيس قبل كده مرتين تلاتة!".

وتقول: إنها صارت مصب حقد وكراهية كل من فى الحافلة بعد هذه العبارة، وكأنها المسئولة عن فقرهم أو هي من نهبت أموالهم. بصعوبة استطاعت أن تكمل الرحلة وسط السخرية والشتائم حتى نزلت أخيرًا.

لا شك أن الفقر ينخر في النفوس ويدمر السماحة ويعلم الناس الحسد والحقد، ومن السهل أن تلومهم، لكن الكلام سهل على كل حال، والجهاد هين على الورق.

الرفق بالحيوان فضيلة وواجب ديني وإنساني، وعلى كل حال فإن من يقسون على الحيوان يقسون على البشر كذلك. هذه قاعدة لا تخيب. لم أعرف في حياتي شخصًا رحيمًا بالبشر قاسيًا على الحيوان. الرفق بالحيوان لا ينتقص من رزق البشر أو حقهم. هناك متسع للاثنين معًا، لكن على المرء أن يتذكر كل هؤلاء البشر الذين يحتاجون إلى جمعية رفق بالإنسان. على المرء أن يلعب بالضبط على الحبل، فلا يضغط على مشاعر الفقراء أو يستفزهم أكثر من اللازم. ومن الغريب أن سخط الفقراء لا ينصب وقتها على المليارديرات اللصوص الذين نهبوا مصر وباعوها برخص التراب، لكنه ينصب على أمثال قريبتي الغلبانة التي قررت أن تطعم القطط في السوق