قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, October 14, 2014

هيلب يور سلف



spc


مشاكل مصر كثيرة جدا، ولعل العشر السنوات الأخيرة من أقسى الفترات التى مرت بها منذ قرن كامل، ونحن نعرف دائرة (كيف أعطيك مالا وأنت لا تعمل؟ – كيف أعمل وأنت لا تعطينى مالا؟) اللعينة الشهيرة.. نحن دخلناها منذ عقد كامل، ولا أعرف كيف نخرج منها.

إلا أن من يبتعد عن الصورة اليوم –أو يقترب منها لا أدري– لابد أن يدرك يقينا أن الحكومة تتراجع أكثر فأكثر عن مسؤولياتها تاركة كل المسؤوليات على المواطن. وهكذا يمكن القول إننا دولة من طراز (هيلب يور سيلف Help yourself) أو (اخدم نفسك) المعروف فى بعض المطاعم.

اخدم نفسك فى الكهرباء: مؤخرا تحسنت الكهرباء جدا ولا ننكر هذا، وإن كنا ندعو الله أن يكون هناك تخطيط أفضل واستعداد للصيف القادم، لا أن يكون الأمر مجرد انخفاض استهلاك لأن الناس أغلقت أجهزة التكييف، ثم يأتى شهر مايو كإعصار قدرى ليبدأ الجحيم من بعيد. هذا الصيف تعلم كل مصري أن الكهرباء مشكلته الخاصة وعليه أن يولدها لنفسه بالمولدات أو الإنفرتر. فقط عليه أن يدفع الفاتورة الباهظة التى تضاعفت عدة مرات، أو يضرب المحصل البائس عندما يعود لمجرد أنه رمز للحكومة.

اخدم نفسك فى الماء: الحكومة غير مسؤولة عن شربك واستحمامك لا مؤاخذة. عليك أن تستجلب الماء للطابق الذى أنت فيه بموتور رفع المياه، فإن لم تستطع لجأت للخزانات فوق السطح التى تمتلئ بالطحلب الأحمر وتسبب سرطان الكبد، أو تملأ زيرا فى المطبخ لكل الأغراض. لكن المشكلة لم تنته بعد.. الحكومة غير مسؤولة عن تنقية الماء، وعليك ان تبتاع فلترا باهظ الثمن ينقى الماء، أو تبتاع المياه المعدنية بالكراتين، أو تجازف بشرب مياه غير صالحة للشرب أصلا، وهذا أرخص حل ممكن، وقد مات من هم أفضل منك، وما من أحد مخلد فى هذه الدنيا.

اخدم نفسك فى العلاج: أنت تعرف حال المستشفيات وتعرف أنها أماكن لقتل المرضى والأطباء والممرضات. عليك أن تتصرف وتجد مستشفى خاصا أو تتحمل ما تلاقيه فى المستشفيات العامة. أما عن الإسعاف فهو اختراع جميل كان يعمل بكفاءة فى الماضى، لكنه لا يرد اليوم بتاتا. فإذا رد لم يستطع الوصول لك. منذ أيام وقع حادث على الطريق السريع فظل الطريق متوقفا ثلاث ساعات، وكانت سيارة الإسعاف تعوى خلفي طيلة الوقت محاولة الوصول للحادث أمامى. أعتقد أنها استطاعت الوصول للمصابين فى وقت مناسب قبل التعفن النهائى على الأقل. لماذا لا يخصص الجيش طائرتى هليكوبتر لإغاثة ضحايا حوادث الطرق السريعة أو المناطق النائية؟. تهبط الهليكوبتر فى الأرض الزراعية وتحمل المصابين ثم تحلق إلى ساحة أقرب مستشفى لتنزلهم؟. بالتأكيد لدينا طائرة أو اثنتان من الطائرات التى كانت تقذف الحلوى على المتظاهرين فى الميادين.

اخدم نفسك فى الأمن: بالطبع لا ترد شرطة النجدة بتاتا. وأنت تعرف قصص الاختطاف وطلب الفدية، وقصص السطو المسلح، وقصص السيارات التى سرقت وذهب صاحبها للقسم، الذى يقوم بدور الواسطة بنت الحلال للتوفيق بين صاحب السيارة وسارقيها. الفتيان فى كل ناصية يتبادلون بصوت عال عبارات المزاح البذيء والسباب المتعلق بنشاط أمهاتهم الجنسى، ولا يتركون فتاة تمر دون تحرش لفظى أو فعلى، وعليك إذا فار دمك أن تؤجر بلطجية ليضربوهم، أو تبتاع طبنجة لتفرغها فيهم. على كل حال، هذا ما سوف ينصحك به الضابط فى القسم عندما تذهب لتشكو. هناك طبيبة أعرفها ذهبت للنوبتجية فى المستشفى الحكومى الذى تعمل به، على الباب قالت لها الممرضات المذعورات إن أقارب المرضى يذبحون بعضهم البعض فى الطابق الثانى، وشرطة النجدة لا ترد وليس هناك رجال أمن فى المستشفى. هكذا استوقفت أول سيارة أجرة وعادت للبيت بلا مناقشة!

اخدم نفسك فى التعليم: هناك مدرسة حقيقية كبرى فى الشوارع، وحركة اقتصادية عملاقة فيها عقارات تؤجر، وورق يصور، ومذكرات تطبع، وسيارات تاكسى لا تكف عن العمل، وقصص حب تولد بين فتية وفتيات وحدتهم الشوارع. بينما صارت مدارس الحكومة والمدارس الخاصة مجرد خرائب يلعب فيها الصبية الكرة، ولا أهمية لها سوى أن اسم ابنك مقيد فى مكان رسمى ما.

اخدم نفسك فى القمامة: الحكومة تقوم برفع القمامة فى شارعنا بانتظام.. أعترف بهذا. لكن هناك فى كل مدينة مساحات شاسعة من القمامة يتواثب فوقها أبو قردان، ولا يجرؤ إنسان على السير جوارها. هذه أرض (لا أحد No man’s land) كما يقولون، غير المخصصة لحياة البشر. يمكنني أن أعد لك عشرة أماكن فى مدينتي من هذا النوع. عليك أن تجد عامل نظافة أو زبالا ينقل لك هذه القمامة على حسابك، لكن لا تنس أنك ستدفع رسم إزالة القمامة مع فاتورة الكهرباء.. لا مفر لك.

اخدم نفسك فى المسكن: الشوارع لا تصلح والزحام قاتل والقمامة فى كل مكان، لهذا عليك أن تعود لقريتك جوار الحاجّة والدتك، أو –لو كنت تملك مالا– عليك أن تجد مدينة جديدة أو (كومباوند) تعيش فيه بآدمية. تذكر الإعلان الذكى جدا عن الرجل الذى يستمتع بالباربيكيو فى حديقة بعد عودته من كاليفورنيا، فيمر عليه بلطجى يشترى منه ساندوتش (طَرْب)!. هذه هى الفلسفة اليوم. انتشرت هذه المجتمعات بشدة، لكن عليك أن تكون حذرا. معظم هذه المشاريع قضايا نصب شبه مكتملة. هناك مشروع شهير جدا للشقق الفندقية فى الساحل الشمالى، وحملته الإعلانية يظهر فيها فنانان كبيران وجدا السلام والمتعة أخيرا، لكنك تكتشف أنه لا توجد شركة بهذا الاسم، وأن هناك آلاف الشكاوى ضد مالكها، وعملاء حاولوا استرداد مالهم فلم يستطيعوا. فى مصر عليك أن تخدم نفسك وتتحقق من صحة الإعلانات. عندما تزور تلك الشركات تشعر بأنهم لا يبيعون عقارات، بل يبيعون برامج كمبيوتر مثل ثرى دى ستوديو وفوتوشوب.. هذه ليست شركة عقارية بل هى شركة (اندستريال لايت أند ماجيك) المختصة بخدع الجرافيكس.

اخدم نفسك فى التسعيرة: الدولة لا تطبق أى آليات لمراقبة الأسواق أو حمايتك سوى أن تناشد ضمير التجار!.

فى دولة (هيلب يور سيلف) تتساءل فى حيرة: ما الذى يجمعنا؟ لماذا يطلق علينا اسم دولة إذن؟. أعتقد أننى سأبحث عن ترجمة جيدة لكتاب (العقد الإجتماعى) لأقرأها وأجد الإجابة، وأخبرك بها