قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, November 24, 2014

ألعاب المنطق - 2



spc

ما زلنا مع هذا الكتاب الشائق الذي كتبه عادل مصطفى. يمكنك قراءة المقال السابق لهذا؛ كي تدخل في الجو بدلًا من أن أكرر ما قلتُه آنفًا. الخطأ المنطقي التالي هو:

تجاهل المطلوب Ignoratio elenchi: هنا يتجاهل المرء ما يجب أن يبرهِن عليه ليبرهن على شيء آخر. مثلًا يقف وكيل النيابة يحاول اتِّهام المتَّهم بالقتل، فيشرح لنا بشاعة الجريمة وقسوتها دون أن يُقَدِّمَ دليلًا واحدًا على أن الواقف خلف القضبان هو الفاعل. هذه النتيجة تخدَع كثيرين، تفتنهم براعة الإثبات. مثلًا هناك برنامج معيَّن للحد من الفقر … يقف مَنْ وَضَع البرنامج يتكلم عن الفقر وضرورة محاربته، بينما لم يُقَدِّمْ لنا دليلًا واحدًا على أنَّ برنامجه بالذات يُحقِّق هذه الغاية!


الرنجة الحمراء: قلنا مِنْ قبلُ في عدَّة مواضع إن طريقة الرنجة الحمراء هي طريقة لتضليل كلاب الصيد. الكلاب تطارد المجرمين، فيُلقون في طريقها برِنجةٍ قوية الرائحة تجعلها تبحث في اتِّجَاه خطأ. يمكنك أن تثير قضايا جانبية جذَّابة ينصرف لها عقلُ الناس فلا يتذكَّر أحدٌ ما كنتَ تتكلم عنه. سوف نفعل كذا وكذا لتحسين صحة الأطفال، هنا يتدخل واحد ليتكلم عن زحام المرور وصخب الشوارع … قضية مهمة بلا شك، لكن هل لها عَلاقة بنجاح أو فشل برنامج الصحة؟ الحكومة تريد حظر الحشيش … لكن الخمر أخطر … إن الخمر هي أُمُّ المشاكل وحوداثها تَفُوق الحصر (ليس موضوعنا هو الخمر بل الحشيش). دكتور محسن يطالب بزيادة مواقف السيارات في الكلية … لكن هل تعرف أنهم ضبطوه في عَلاقة مشبوهة مع طالبة؟ لقد انهار التعليم العالي فعلًا (هذا صحيح لكن لا عَلاقة له باقتراح مواقف السيارات).

هذه الطريقة «الرنجة الحمراء» قريبةٌ جدًّا من طريقة «تجاهُل المطلوب»، لكن في طريقة الرنجة لا نصل لشيء على الإطلاق، بينما في طريقة تجاهُل المطلوب نَصِل لنتيجة صحيحة ممتازة لكنها لا تعنينا في شيء.

الحُجَّة الشخصية: في هذه الطريقة الخبيثة لا تفند قول خصمك بل تتكلم عن شخصه، بينما عبارة ٢ + ٢ = ٤ صحيحة سواء كان قائلها معتوهًا أو عدوًّا أو كافرًا. مثلًا: كيف تَقبلون مشروع الضرائب الجديد من النائب «ج» بينما هو شخص كاذب غشاش؟

لهذه الطريقة أربعة أساليب:
(أ) السَّبُّ: لا أثق في رأي هذا الرجل فهو جُرِّدَ من منصبه القضائي لفساده. أحيانًا تكون هذه الطريقة في موضعها … فمن الصعب مثلًا أن يُعَيِّنَ المصرِف موظفًا له تاريخٌ لصوصيٌّ.

(ب) مغالطة «أنت أيضًا تفعل ذلك»: كأنَّ الخطأ يبرر الخطأ … أقلعْ عن التدخين يا بُنَيَّ … لن أفعل فأنت نفسك تدخن. لن أقبل نصيحة هذا الطبيب لتخفيض وزني فهو بدين جدًّا. هناك فرع آخر من هذه المغالطة اسمه «خطآن يصنعان صوابًا». يجب زيادة التعذيب في سجوننا؛ فكل سجون العالم تُعَذِّبُ السجناء. لماذا نخاف الفساد؟ هناك فساد في كل العالم. لنقتل هؤلاء ونُيَتِّمْ أولادهم… فهم كانوا سيفعلون الشيء ذاته بنا لو انتصروا.

(جـ) التعريض بالظروف الشخصية: هنا تقول إن خَصمك تبنَّى رأيه بسبب ظروف شخصية عابرة. فلان يؤيد رفع ميزانية التسلُّح… بالطبع لأنه يعمل في تجارة السلاح. لا بد لك أن تكره داروين فأنت رجل دين يكسب قُوتَه من سِفر التكوين. برغم أن هذا عامل له وجاهته فإن علينا أن نناقش الحُجَّة أولًا.

(د) تسميم البئر: هنا منذ البداية تتهم خَصمك بأنه لا يقول الصدق. مثال: لا تصدِّقْ ما سيقول… إنه وغد كذوب. يتم تسميم البئر مبكرًا قبل أن يعرض الخَصم حُجَّته الخاصَّة. وهذا وجه الاختلاف بينه وبين السب والتعريض بالظروف الشخصية.

الاحتكام إلى سلطة: هنا يتم قبول حُجَّةٍ ما لمجرد أن مَنْ قالها شخص مهم. أي إن هذه معرفة بالوساطة. كان هذا يحدث مع أرسطو دائمًا مَهْمَا قال، وكان يكفي أن تقول: «بنفسه قالها Ipse dixit» لتُقبَل الحُجَّة بلا نقاش. هناك مجالات نقبل فيها هذا الأسلوب مثل أن تمرض فتطلب رأي الطبيب أو يتعطل جهاز الكمبيوتر فتطلب مهندس كمبيوتر، لكنَّ هناك أمورًا لا تحتاج لخبير ولا سلطة. هذا النوع من الخطأ هو سبب حرق العلماء الذين قالوا إن الأرض تدور حول الشمس بينما الكنيسة (السلطة) قالت العكس. من الأمثلة المهمة لهذا الخطأ الإعلانات التي يظهر فيها المشاهير … مثلًا: الممثلة الفلانية تقول إنها تُفَضِّلُ سجائر كذا … هل الممثلة خبيرة سجائر؟! هل هي ذوَّاقة في مصنع تبغ؟ (اسم المهنة الخرمنجي بالمناسبة) علاقتها بالسلعة شبيهة بعَلاقة أي واحد من الجمهور بها، لكن المعلن يريد قول إن سلعته مهمة بقدر أهمية هذه الممثلة. يسهُل دَسُّ كلام فارغ في هذه الطريقة، فمثلًا العالم ويليم جنكز الحائز على نوبل في الفيزياء يؤكد أنه سيتم القضاء على فيروس الإنفلونزا قريبًا (يتكلم في مجال غير مجاله). خارج الكتاب، أذكر أن أحد مذيعي قناة الجزيرة استضاف طبيبًا أمريكيًّا يؤكد له أن لقاح إنفلونزا الخنازير مؤامرة … الفكرة هي أنه ليس طبيب ميكروبيولوجي ولا خبير فيروسات … بل هو طبيب أسنان! مثال آخر: أثبتت دراسات العلماء في شركة «…» للسجائر أن التدخين غير مضر (هذا رأي يصدر عن طرف متحيِّز). أثبتت الأبحاث أن مسحوق «…» هو أفضل مسحوق غسيل (أي أبحاث؟! أين نشرت؟!)

استدرار العطف: هنا يُستخدَم العطف في حَدِّ ذاته كحُجَّة منطقية. مثال: لقد قضيتُ عشرة أيام في دراسة هذا الحل، فلا بد أن الحل الرياضي الذي وجدتُه صحيح! هذه المتهمة بريئة يا سيدي القاضي؛ لأنكم لو أدنتموها لتحطَّمت حياتها وتشرَّدَتْ أسرتها. يجب تسهيلُ الامتحانات على الطلاب؛ لأن ظروف الناس قاسية. هذا منطقٌ جديرٌ بوزارة الشئون الاجتماعية لكنه يؤدي إلى وصول الكُلِّ مهما كانوا أغبياء أو فاشلين إلى قمة المجتمع. كيف تقول إن كرتي هذه ليست هدفًا؟ فريقنا مهزوم بأربعة أهداف.

الاحتكام إلى العامة: التاريخ يُعَلِّمُنَا أن أفكار الكثرة كثيرًا ما تكون خاطئة. وهناك من يرى أن إجماع الناس على رأيٍ هو دليل على خطئه! لكن هذه مغالطة لها نفس الطابع.

هناك عدة أشكال لهذه المغالطة:
(أ) عربة الفرقة الموسيقية: التي يقفز لها الناس الموافقون … ما دامت الفكرة رائجة فلا بد أنها صحيحة. ثمانية ملايين فرنسي لا يمكن أن يكونوا مخطئين. كل الجنوب الأمريكي يؤمن بأن العبودية ضرورية … ملايين البشر كانوا يؤمنون أن الأرض مركز الكون …

(ب) التنفُّج (التأسِّي بالنخبة): السادة يفعلون هذا فلا بد أنه صحيح. المثقَّفون يؤمنون بالماركسية؛ فلا بد أن أؤمن بها أنا كذلك.

(جـ) التلويح بالعَلَم: وكما يقول صمويل جونسون: الوطنية هي آخر ملاجئ الأوغاد. هنا تلجأ إلى المشاعر الوطنية أو الدينية لتفرض رأيك مهما كان خاطئًا.

إلى الجزء التالي من هذا الكتاب إن شاء الله