قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, November 4, 2014

خيال علمى - 1



spc


الوثبة الهائلة التي حققتها البشرية في الاتصالات تفوق بمراحل خيال كُتاب الخيال العلمي الجامح. هم فكروا في كل شيء تقريبًا، وحسب خيالهم فإن القرن الواحد والعشرين عجيب في كل شيء. سفن فضاء تحملنا من بيت لآخر، وروبوتات تخدمنا وتعلم أولادنا، وحروب بالليزر ضد مريخيين خضر اللون لكل منهم قرنا استشعار، والمطبخ إلكتروني تضغط فيه على زر فتخرج لك الوجبات التي تريدها، ثم يدخل الأطفال غرفة التعليم ليتعلموا أمام شاشة عملاقة. لو كنت قد رأيت فيلم 2001 أوديسا فضائية تحفة ستانلي كوبريك، فلسوف تتذكر الكمبيوتر هال المعذب نفسيًا، والرحلات إلى كوكب المشترى، والمحطات الفضائية التي يقيم فيها الرواد عدة سنين. تصور أن هذا الخيال كان يجب أن يحدث من 13 عاما!. شيء مخيب للآمال أن تقارن بين خيالهم وما نحن فيه فعلاً. لقد تعثر العلم فلم يحقق ما كان مأمولاً منه.

أما لو كنت من قراء مجلة سوبرمان المصورة فلسوف تتذكر حروب الكواكب والبوليس العلمي وجهاز الراصد والسيارات الطائرة المحلقة في سماء المدينة، يراقبها رجل مرور آلي.إلخ. يبدو أن العالم تقدم بسرعة أقل بكثير مما توقع المؤلفون!. حتى على مستوى الحرب، فنحن لم نر أي حرب بقنابل جاما وشعاع الليزر. لقد كانت بندقية الكلاشنكوف سلاح القرن العشرين، وستظل سلاح القرن الواحد والعشرين كما هو واضح، أما القنبلة الذرية فعمرها يقترب من سبعين عامًا!

كل هذا مفهوم. لم نقض على الموت ولا المرض، ولن يصاب القادم من العام 1960 بالذعر، لأنه - ببساطة - لن يشعر أن العالم اختلف جدًا. ربما ينبهر قليلاً لكنه لن يشعر بما شعر به أهل الكهف لدى استيقاظهم.

لكن في مجال الاتصالات يمكن القول إن أي كاتب خيال علمي لم يتخيل ما سيحدث، ولم يجمح بهم خيالهم لهذا الحد. عندما كان الناس يستخدمون الخطابات كنت تحتاج لأسبوعين حتى تعرف أخبار صديقك في السعودية، وثلاثة أيام حتى تعرف أخبار أخيك في بنها. تصور أن أناسًا كانوا يلعبون الشطرنج بالمراسلة، ومعنى هذا أن المباراة قد تدوم عدة أعوام. إيقاع الحياة كان بطيئًا جدًا. اليوم ظهر الإيميل واستقر، فصار من الممكن أن تنتهي مباراة الشطرنج في يوم واحد، وصار بوسعك أن تتبادل عشرين رسالة مع صديقك ولو كان في أستراليا أو القطب الشمالي.

كان الاتصال بالقاهرة من طنطا مثلاً يستدعي أن تذهب للسنترال مبكرًا لتنتظر دورك في ذعر. بعد ساعات ينادون الرقم مع رقم الكابينة. صوت الموظف البارد (الحكومي) المعدني يدوي عبر مكبر الصوت، فتتقلص معدتك وتهرع لترد. على الأرجح تفشل المكالمة وتعود لتنتظر دورك من جديد، أو يأتيك الصوت غير واضح فتصيح ليسمع الجميع أدق أسرارك. وكأنك تحاول الكلام مع الطرف الآخر عبر البلاد من دون هاتف!. ينتهي الاتصال وقد انتهى يوم كامل، لذا كان أبي يأخذ إجازة في اليوم الذي يقرر فيه مكالمة القاهرة أو الأسكندرية، كان يحضر معه بعض الشطائر وزمزمية ماء. أذكر أن نبأ وفاة خالي المقيم بالقاهرة جاءنا في برقية! والسبب هو أنه لم يكن عندنا هاتف في البيت. كان كل شيء يتم بالبرقيات، وكنا نتوتر جدًا عندما يصل الموظف حاملاً تلك الورقة الصغيرة، لأن فيها مصيبة على الأرجح. تذكرت هذا عندما كنت في إسبانيا مؤخرًا، وما كان علي للاتصال بزوجتي في مصر سوى أن أطلب رقمها على الهاتف الجوال. هل فكر كتاب الخيال العلمي في هذا؟ لا أظن. وللحديث بقية على كل حال