قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, December 31, 2014

افعلها الآن



spc


في مجلة المختار عن الريدرز دايجست التي كانت تصدر في مصر قبل حرب 1967، قرأت مقالاً كتبه صحفي أمريكي ولم أنسه قط، يقول الصحفي: إنه تلقى خطابًا ظريفًا من صديق قديم. صديق طفولة لم يره منذ ثلاثين عامًا. صديق طفولة من الطراز الذي كنت تتقاسم معه البلي وترميان (البومب) على المارة وتتبادلان الطوابع. كل واحد فينا لديه صديق قديم مثل هذا. 

هذا الخطاب جعل الصحفي في حالة نشوة دائمة. وضعه على المكتب، وراح يفكر في الخطاب الذي سيرد به: سوف يستعيدان ذكريات اللهو في الغابة خلف المدرسة. سرقة مجلات الأطفال من صديقهما المثقف. الأرجوحة المعلقة بين شجرتين ومحاولة تركيب محرك لسيارة سباق صغيرة. الحب الأول في الطفولة والشجار على رضاها. إلخ. 

قضى الوقت يؤلف في ذهنه فقرات الخطاب الرائع الذي سيكتبه. كل فقرة وكل جملة. 

Monday, December 29, 2014

غيبوية - 2



spc


ثمة كتاب رائع صدر عن المجلس الأعلى للثقافة منذ سبعة أعوام كاملة، وقد اعتدت أن أرجع له كل بضعة أشهر حتى لا أنسى محتواه.

الكتاب اسمه (المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي) وكتبه د. عادل مصطفى. د. عادل طبيب نفسى حائز على جائزة الدولة التشجيعية فى العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005، وجائزة أندريه لالاند فى الفلسفة وله مؤلفات عديدة، وقد قمت بتلخيص هذا الكتاب القيم مؤخرا فى أربع مقالات لموقع هنداوى على النت، لكن استوقفتنى بعض المغالطات التى تكلم عنها وقتها، فشعرت أنه يتكلم عن مصر هنا والآن... أعتقد أننا لو استرجعنا هذه المغالطات لعرفنا الكثير عن أنفسنا، ولفهمنا لماذا تزداد الأمور سوءا، ولماذا ندور فى نفس الحلقة المفرغة للأبد.

Friday, December 26, 2014

خطابان عن الخصخصة



spc


أحترم دكتورة منى مينا المناضلة الباسلة بشدة، وأثق بصدقها ورغبتها فى الصالح العام. وصلنى خطابان منها يطرحان قضايا مهمة تتعلق بخصخصة الدراسات العليا والعلاج، وقد رأيت أن أتنحى لبعض الوقت وأؤجل مقال (غيبوبة -2) إلى أن أنشر هذين الخطابين، وقد دعيت لمؤتمر فى نقابة الأطباء بالقاهرة لمناقشة قانون المستشفيات الجامعية، لكن لم أتمكن من الحضور، وهى ضريبة معيشتك فى بلدة هادئة نسبيا فى طنطا: لا تستطيع المشاركة فى معظم هذه الفعاليات. لمن لا يعرف، نقول إن دكتورة مينا طبيبة أطفال، وهى المنسق العام لحركة أطباء بلا حقوق، ومن أهم أعضاء مجلس النقابة العامة لأطباء مصر، وكانت عنصرا مهما فى ثورة 25 يناير وشاركت فى المستشفيات الميدانية ولم تتوقف لحظة عن الخدمة العامة.

غيبوبة - 1



spc


كان حديث الناس قبل أسبوع مضى يدور حول براءة مبارك وعهده من كل التهم، والتساؤل عمن قتل ثوار يناير وما بعده. كان بوسعك أن تركب مع أى سائق تاكسي أو تجلس لدى أي حلاق فيفتح الموضوع فورًا، ولا يمكن أن تجلس فى أي مقهى إلا ويعود هذا الموضوع للحياة. وفجأة كف الناس عن الكلام .. بدأ الصمت المقدس.

موضوع الساعة الجديد يدور حول العفاريت .. الكل يناقش حلقة الإعلامية الشهيرة التى قدمت فيها أسرة من الممسوسين بالجان، ووصف لى أحد المشاهدين بانبهار كيف أن الطفلة لمست المصحف بيدها فاحترق .. لم أبتلع هذا بسهولة، وإلا فلماذا يطردون الجان بتلاوة القرآن؟ المفترض أن تحترق الطفلة الممسوسة لا العكس !

Wednesday, December 24, 2014

لينون والمرشح المنشورى - 2



spc


أذكرك مرة أخرى أن مصطلح المرشح المنشوري هو الشخص الذي تدسه المخابرات ليقوم بعملية قتل وهو لا يعي ما يفعله.

ديفيد تشابمان. الشاب الأمريكي الذي ولد عام 1955 لم يحب في حياته إلا شيئين: جون لينون، ورواية (الصياد في الجاودار) التي لم يكف عن قراءتها منذ كان صبيًا وحتى لحظة الاغتيال. هو ابن ضابط في الطيران وممرضة. نشأته تقليدية جدًا، وإن تميزت بقسوة أبيه نحوه، وبتحرش الأطفال في المدرسة به لأنه لا يجيد الألعاب الرياضية. وفي العام 1971 ظهرت ميوله الدينية الواضحة وصار ممن (ولدوا ثانية)، وعمل في الـYMCA رابطة الشباب المسيحي. وفي العام 1979 تزوج واستقر في هاواي، وعمل كموظف أمن ليلي، وهنا بدأ يظهر اضطرابًا نفسيًا وميلاً لاحتساء الخمر. وفكر مرارًا في الانتحار وثبًا من فوق تمثال الحرية.

ثم جاء اليوم الذي تحرك فيه نحو نيويورك عازمًا على قتل جون لينون. قال: إنه كان يفكر في قائمة مشاهير أطول، منها جاكلين أوناسيس وجوني كارسون. ثم وجد أن لينون هو الأسهل وأقرب منالاً.

Monday, December 22, 2014

ألعاب المنطق - 4



spc

طال عرضي لكتاب المُغالَطات المَنطقيَّة؛ لذا أَعِدُك أن تكون هذه الحلقة الأخيرة. مشكلة هذه الكتب المهمة هي أنك لا تستطيع اختصارها أقلَّ من حدٍّ معين، وإلَّا لكان من الأفضل أن تنصح القارئ بشراء الكتاب ولا تعرضه أصلًا. نستكمل المُغالَطات المَنطقيَّة الشائعة في مجتمعنا:

مغالطة التَّشْيِيئ: التَّشْيِيئ هو أن تَنسِب وجودًا حقيقيًّا لتصورات عقلية. هذا نوع من فن الاستعارة، لكننا هنا نتكلَّم عن استعمالاته الخاطئة. العرَّافون مثلًا يُشيِّئون المستقبل في صورة يُمكن رؤيتها في بلَّوْرة. مثال لهذه المغالطة: أهداف الطبيعة نبيلة (الطبيعة لا أهداف لها).


Wednesday, December 17, 2014

لينون والمرشح المنشورى - 1



spc


في الثامن من شهر ديسمبر عام 1980 وقعت جريمة اغتيال المغني الشهير وقطب فريق البيتلز جون لينون. بالنسبة لنا نحن العرب يبدو هذا خبرًا تافهًا لا يستحق الذكر ولا التذكر، خاصة وسط كل هذه الدماء التي غصنا فيها حتى الركبتين، لكنه بالنسبة لمعظم الغربيين يوم لا يختلف كثيرًا عن اغتيال يوليوس قيصر أو أرشيدوق النمسا مثلاً. قمت بزيارة طريق آبي في لندن ورأيت الاستوديو الذي كان البيتلز يسجلون فيه، فوجدت أن معظم الناس يقومون بنوع من الحج إلى تلك البقاع التي مشى فيها البيتلز، ويكتبون على كل قرميد الجدار عبارات حب للينون تقترب من العبادة. هناك من يضعون له الأزهار في يوم مولده كل عام منذ 1980.

Friday, December 12, 2014

ست غالية والسمالوطى



spc


طال الجدل حول الجنس في العمل الفني. هل ينبغي حذفه ليكون العمل معقمًا له رائحة الفنيك؟ أم يُترك وشأنه لتكون للعمل رائحة المراحيض العمومية المسدودة؟ أم أنه ينبغي تقديم القدر الكافي فقط؟. أي نفس القدر الموجود في الحياة بلا زيادة ولا نقصان، وهو ما فعله نجيب محفوظ ويحيى حقي تقريبًا.

أحيانًا يكون الكاتب مهذبًا وراقيًا جدًا لدرجة أنه يكتب موقفًا عاطفيًا خافتًا فيأتي مثيرًا جدًا. هناك قصة لتشيكوف عن مراهق يحب امرأة في الأربعين من العمر. قصة راقية هادئة كالدانتيلا، وفي النهاية يلمّح إلى أنها منحت نفسها للصبي، من الغريب أن هذا الموقف بدا مثيرًا شبه فاحش، لأنك لم تعتده من تشيكوف.

Wednesday, December 10, 2014

أورجازموترون



spc


المخدرات ظاهرة تتفاقم في مجتمعنا وكل المجتمعات، فلا أحسبها طارئة أو فريدة. الحاجة لمادة غريبة تدخل جسدك فتمنحك النشاط أو تنسيك همومك الكثيفة، حاجة قديمة قدم البشرية. فقط يتطور العلم بحيث يصل إلى مخدرات أكثر فعالية وأشد تعقيدًا وأصعب في التخلص منها. إن جيل أبي يذكر مشكلة إدمان الكوكايين التي اجتاحت مصر لفترة، ومونولوج (شمّ الكوكايين خلاني مسكين). كنا نسمع عن الماريجوانا، ثم مع الوقت صرنا نسمع عن البانجو ثم ظهر الفودوو. وكلها تنويعات على نبات القنب الهندي أو الحشيش الذي سمعنا عنه من عصور فرق الحشاشين. العلم ابتكر مخدرات عبقرية لا وجود لها في الطبيعة مثل عقار الهلوسة LSD، بينما تفنن بعض الصيادلة المنحرفين في العثور على حلول عبقرية للحصول على مخدرات من أدوية الربو والسعال البريئة.

Monday, December 8, 2014

ألعاب المنطق - 3



spc

نستكمل اليوم كتاب عادل مصطفى عن المُغالَطات المنطقيَّة، وكما قلتُ، فهذا مُلخَّصٌ غير وافٍ أبدًا لا يُغنيك عن الكتاب الرائع نفسه. المغالطة التالية هي:

الاحتكام للقوة: الفكر لا يكون إلا حرًّا. إن الحرية للفكر هي الكينونة ذاتها، وإلَّا فهو ليس فكرًا، بل هو تكرارٌ لآراء الآخرين. في هذه المُغالَطة المنطقية تصنع القوةُ الحقَّ؛ مثلًا: «إذا أردتَ الاحتفاظ بوظيفتك، فعليك أن توافق على سياسة الشركة الجديدة.» كما يقول أبو العلاء المعري:
دَعَوا باطلًا وجَلَوْا صارمًا وقالوا: صَدَقْنا؟ فقُلنا: نعم
أي إنهم قالوا كلامًا فارغًا ثم لوَّحوا بالسيف، فاقتنعنا نحن!


لقد تخلَّى جاليليو عن نظرياته خشية الحرق، لكن الأرض ظلَّت تدور حول الشمس ولم تتغيَّر الحقيقة. هناك أمثلة أخرى قد يكون فيها التهديد منطقيًّا؛ لأنه ناجم عن السببية الواضحة؛ مثال: «إن لم تذاكر جيدًا فلسوف ترسب.»

عن قالب الكيك



spc


فى هذا العام فقدنا عددا كبيرا من الأسماء المهمة المحترمة؛ فلم يشأ العام أن ينتهى ورضوى عاشور بيننا. لن أضيف جديدا لو كتبت عنها، فقد كتب عنها من هم أبرع وأبلغ منى بكثير. كانت أديبة موهوبة ومناضلة شريفة شجاعة، تقف عند الحدود المشتركة بين المثقفين جميعا، فلم أعرف أحدا لم يحزن عليها أو يبكها بصدق. هى إذن من هؤلاء الأشخاص النادرين الذين يحزن عليهم الجميع. لربما اختلف المثال كثيرا، لكنى تذكرت وفاة الفنان خالد صالح حيث بدا كأن هناك جرحا أدمى قلب كل متكلم بالعربية. قصة حب طويلة جمعتنى بكتاباتها منذ قرأت (غرناطة)، فوجدتها عملا متقنا ساحرا شديد الدقة، شامخا فى مستواه الإنسانى. لقد تخلت عن فكرة الأدب النسائى الضيقة، التى تحبسه فى نفس الدائرة المملة عن (المجتمع الذكوري - شيوخ القبيلة - المرأة كجسد - الموت للرجال.. إلخ) التى اصطلح على تسميتها أدبا أنثويا، وكتبت كإنسان أولا لا كأنثى، لذا تفوقت على عشرات الأدباء الرجال.

ليرحمها الله..

Monday, December 1, 2014

دمــاغ



spc

والآن أقدم لك العم بسيونى ..
سوف تعرفه على الفور متى رأيته من بعيد، بقذاله الغليظ المشحم والكرش العملاق الذى ينزلق السروال تحته دائمًا. الكرش الوحيد الذى يبدأ من الفخذ على قدر علمي.  ستعرفه من السعال المتواصل، ومن ثيابه التى يحرص على أن تجعله يبدو عاملاً بأى شكل. السويتر الرخيص المفتوح. على الرأس عمامة يتدلى من طرفها شال أبيض قصير، وحول العنق تلفيعة فلسطينية.  مهما كان الجو باردًا فهو يلبس الشبشب الذى تطل منه أظفار متآكلة متشققة.

العم بسيونى سائق حافلة، وهو رجل طيب فعلاً يحبه الجميع، حتى عندما يتوقف بالحافلة أمام اول عربة فول ليشترى لوازم الإفطار، وينتقي أفضل البصل وأفضل أرغفة الخبز وهو يتلمظ، بينما الموظفون فى الحافلة يوشكون على الإصابة بنوبة قلبية لأنهم تأخروا على الدفتر.

يحبونه حتى عندما يبصق بصقته العملاقة التى تشبه دلوًا يسكبه على الأرض.  يحبونه حتى عندما يطلق السباب البذيء من النافذة الجانبية لأن ولدًا رقيعًا تجاوزه بسيارته. وفى المساء يذهب للمقهى ليجلس مع أصدقاء العمر يلتهمون لحم الراس أو الكفتة ويدخنون المعسل. حتى كلمة معسّل ينطقها محسّل .. ويخرج حرف الحاء من أعماق رئته فيسعل سعالاً شديدًا. كأن الكلمة فى حد ذاتها كافية للسعال.


الكل يعرف أن عم بسيونى يحب الحشيش جدًا. ما زالوا يقبلون هذا من الرجل، مع ملاحظة ان تعاطى الحشيش لم يعد له ذات الصيت المرعب الذى كنا نراه فى الأفلام القديمة. الرجل يريد عمل دماغ كأن دماغه هى دماغ إنريكو فيرمى مثلاً.  فقط الحشيش يجعله ينسى ما هو فيه من بؤس .. وينسى ما ينتظره فى البيت والغد من هموم .. ويعطيه – هكذا يتخيل – بعض القدرة على البقاء رجلاً أمام زوجته.